رانيا الزغير على بساط الريح توصل قصصها للأطفال

بيروت - رنا نجار |

كالطفلة التي تكتشف العالم من حولها والناس والأشياء، لا تهدأ رانيا الزغير كاتبة قصص الأطفال التي أطلقت أخيراً مشروع «رن رن يا جرس» مع مجموعة من الإعلاميين لدعم «صندوق القلب الشجاع» لتطبيب أكثر من 350 طفلاً مصاباً بقصور في القلب.

تتنقل من نشاط الى نشاط، ومن قصة الى قصة، من فكرة الى فكرة، ومن بلد الى بلد، كأنها تمشي على بساط الريح. من يعرف هذه الأم لطفل في الثالثة من عمره الذي تحمله كأفكار قصصها اللامعة أينما ذهبت، يعرف تماماً كيف تبتكر صاحبة دار «الخياط الصغير» قصص الأطفال التي تكتبها وتنشرها بحبر لا يجفّ من الخيال والطرافة والفكاهة. تشبه رانيا التي تتمتع بطاقة كبيرة، شخصيات قصصها الطفولية الملوّنة والمجازفة والمبتسمة دائماً والصديقة التي تحب المساعدة.

هي في سباق مع الوقت دائماً، تتحدث بسرعة محببة كالطفلة التي في جعبتها كثير من الحكايات التي حصلت معها في المدرسة ولا تصدق ان تصل الى البيت لتحكيها لأمها. لكن في دماغ هذه الشابة المغامرة الحائزة على إجازة في فنون الاتصال وعلى ماجستير في علم النفس التربوي من الجامعة الأميركية في بيروت، مخّاً تسويقياً منظّماً يعرف كيف يستثمر الجانب الإيجابي من تجارة النشر والتأليف لمصلحة الطفل والعمل على تسليته وتوسيع خياله وتوسيع آفاقه المعرفية، بعيداً من التعليم والتلقين.

الزغير التي كتبت أول قصة للأطفال وهي طالبة جامعية بعنوان «عدنان وحكيم الأسنان» ونشرتها ووزعتها بنفسها وعلى حسابها الخاص في العام 1999 حيث كان أدب الأطفال يتيماً في لبنان، تعتمد على خطط تسويقية مبتكرة وقريبة من دماغ الطفل واهتماماته وألوانه لجذب الطفل الى قصصها. فهي لا تكتب منعزلة في مكتبها مع سيجارة وفنجان قهوة ونظارات سميكة، كما يفعل كثيرون. لا تنفكّ الزغير تحتكّ بالأطفال من كل الأعمار والطبقات الاجتماعية والثقافات، فهي تزورهم في مخيمات اللاجئين وفي المدارس وفي مراكز التسلية تتحدث معهم وتلعب وتقرأ لهم وتحاورهم، لتعرف ما يزعجهم وما يفرحهم وبما يفكرون... «ما يفيد في تأليف قصص الأطفال هي التجارب الميدانية والاحتكاك اليومي بهم، وخزان وقود هي تجاربي الشخصية مع الأهل والأطفال والميديا لأتعلم مفردات جديدة ودارجة»، تقول الزغير لـ «الحياة». وتضيف: «ما يجعلني أكتب القصص هو أنني أحب سماع قصص الناس والأصدقاء والأطفال وأن أقرأ لهم لأرى عيونهم وآذانهم ورد فعلهم. ومن المهم لي ككاتبة أن أفتح قلبي وعينيّ وأذنيّ وأن أسمع الناس الذين لا أعرفهم». الزغير التي تعترف بأن تأسيس دار لنشر قصص الأطفال في العام 2007 هي مغامرة بحدّ ذاتها في منطقة لا يزال الطفل فيها مهمشاً ومقموعاً و»تمارس عليه ديكتاتورية في المطالعة تنفّره من الكتاب»، تعتبر أن سماع الآخر والتفاعل معه عنصر مهم في مجال الإبداع خصوصاً في المنطقة العربية التي تمثّل فيها الذاكرة الشفهية ثقافة تاريخية من أيام الجاهلية.

اللعب بالكلمات وأصواتها كانت لعبة الزغير الحائزة جوائز عدة منها جائزة «أنا لينت لحوار الثقافات، وجائزة السبيل للكتاب». «عندما كنت صغيرة كنت أؤلف أغاني طفولية وحكايات خاماً مليئة بالغلاظة والنكت والفكاهة والخفة، ولا زالت قصصي هكذا حتى اليوم». لكن الصغيرة التي أصبحت كاتبة اليوم، تعتبر أنه «ليس للجوائز قيمة أدبية وهي عبارة عن ضجيج ومعاييرها فيها تمييز وأجندات معلّبة»، مؤكدة أن «قراءة قصصي بمتعة وفرح من قبل أكبر عدد من الناس وبلغات عدة، هي جائزتي الكبرى».

المتابع لقصص الزغير يرى هذه العناصر فعلاً، الى جانب لغتها المنسابة غير المعقدة التي تنسجم مع الرسومات البديعة والألوان الفرحة التي يبتكرها رسامون مثل راسيل إسحاق ودافيد حبشي وجنى طرابلسي وغيرهم. ونرى أن هذه القصص وإن كانت خيالية في تسلسل أحداثها أحياناً، الا أنها مستوحاة من الواقع كقصة «سي سي ملاقط المرشحة عن مقعد المكتبات» التي صدرت في 2009 تزامناً مع الانتخابات النيابية في لبنان، وكذلك قصة «لماذا أمطرت السماء كوسا وورق عنب» التي صدرت بعد أحداث 7 ايار(مايو) 2007 لتتناول موضوع التوزيع الطائفي المناطقي في بيروت. بعض قصص رانيا الزغير لها خصوصية لبنانية وأخرى تعالج أموراً عامة يمكن لأي طفل في العالم ان يتفاعل معها مثل قصة «من لحس قرن البوظة» التي أعجبت دار «Edition Orient» الألمانية التي تصدر كتباً ثنائية اللغة، وترجمتها الى 19 لغة، وبيع منها 20 ألف نسخة. كما تحثّ قصص الزغير الطفل على التفكير بحرية واتخاذ قراره بنفسه وأن يتعلّم من تجاربه اليومية.

 

تقاعدت من التعليم

علّمت الزغير في مدارس وجامعات عدة، لكنها «تقاعدت» كما تقول لأنها لا تحب أن تكون جزءاً من النظام والنموذج المؤسساتي الذي يكبح الإبداع، وكتبت قصصاً كثيرة صدرت عن دور نشر لبنانية لكنها لم تكن راضية عن هذه التجارب. وتقول: «لم تكن تجربتي مع دور النشر جيدة، فقد ساد علاقتي معهم كثير من الكذب بالنسبة إلى عدد الطبعات والبيع ونسب الأرباح، والتهرّب من حقوق الملكية الفكرية، وسوء التسويق. هذا عدا عن أن بعض الدور تنتهك حقوق المؤلف المادية والمعنوية وتحاربه كي لا يصبح نجماً».

لذا كان لا بدّ من تأسيس دار متخصصة بكتب الأطفال ولو كان مغامرة، بعدما «طلّقت دور النشر التي كانت علاقتي بها فاشلة»، كما تقول. وتشرح الزغير أنها كانت تريد «حرية مادية ومعنوية في الكتابة، وحرية في اختيار الفنانين والرسوم». وتضيف: «أردت إصدار كتب مختلفة وصادقة وفريدة في نمطها وإيقاعها، أردتها ان تحاكي الأهل قبل الأطفال لأنهم هم من يختارها ويستهلكها قبل أولادهم». كما أرادت كتباً تصدم المدرسين وتفقدهم توازنهم لتحررهم من الإطار التقليدي والصورة النمطية ومن معايير الجودة التي تحدّ من الإبداع. وتشير الزغير إلى أنها أرادت نصاً فريداً ومعالجة جديدة ومفردات جديدة ورسوماً تحاكي خيال الطفل وهواجسه، كما ارادت حرية مطلقة في الإبداع وصون حقوق المؤلف وصناعة نجوم في الكتابة للصغار.

تصدر دار «الخياط الصغير» اليوم كتباً لنهلة غندور وجنى طرابلسي ومازن معروف الذي ترجم أخيراً كتاباً لليافعين بعنوان «حجر الأقزام». لكن من الملاحظ أن الدار لا تهتمّ الا بكتب صاحبتها؟ ترفض الزغير ذلك، مؤكدة أن النصوص التي تقدم للدار «لا تشدّني فهي مليئة بالتكرار وغير لامعة». وتشرح أنها وضعت خطوطاً عريضة أو جوّاً معيناً لهوية «الخياط الصغير» تندرج تحت خط السريالية واللغة البسيطة والجديدة والفكاهة والغرابة في الأفكار والنصوص وسياق الأحداث، «باختصار يجب ان يكون في الكتب التي ننشرها «X FACTOR» او ما يمكن ترجمته بالقيمة المضافة».