بيوت

مؤمن سمير |

دخلتُ الغرفةَ فوجدتُ كومةً من الرمل على المكتب، لونها متغيِّر وذراتها أكثر سُمْكاً من المعتاد. نظرتُ الى السقف فوجدته مكتملاً في تعاليه والنافذة كما هي، بعيدة وغامضة. نظرتُ للحوائط والستائر وبعدها البلاط وأغمضت عيني. لا مشكلة. تحركت عيناي نحو المكتب، أدراجه المغلقة والخطوط الباهتة المحفورة عليه بالقلم الكوبيا والرجل الذي بلا ملامح الذي يتوسط الأخشاب. الحُفَر الصغيرة نتيجة الطعنات المرتعشة... الخ. قللتُ الإضاءة كأني أُبعد المتلصصين ولبستُ نظارة أبي المكبرة وأخذت أحدق في الرمل. وجدتني أغوص وألهث وسط أجزاء آدمية معجونة الملامح. تراجعتُ إلى الوراء لكني عدتُ سريعاً كأن قوة تشدني، لكن العجيب أن نظرتي بعدما ثبتت على وضعية الجحوظ انغلقت فجأة وغرقتُ في نومٍ مدبب. أفقتُ على ملوحة العرق في عيني وبرودته تحت إبطي ووجدتني في مواجهة المسارات التي حفرها النمل في كومة الرمل ولمحتُ الدويبات تتحرك بطمأنينة وكل واحدة تحمل على رأسها شيئاً، جزءاً كبيراً أو صغيراً من الملامح. رجعتُ بمقعدي إلى الوراء بعنفٍ وفتحتُ باب الغرفة وعدوتُ. وضعتُ رأسي تحت المياه ورجعت مرة أخرى. كدت أفتح الباب بيدي المرتعشة التي تتساقط منها المياه لكنها شالت يدي ووضعتها على كتفها وسارت بي نحو الصالة، ولكن بعد أن أغلقت الباب بساقٍ خلفية. طاوعتها واستسلمتُ تماماً. في الصباح رميتُ ببصري نحو الغرفة ثم أخذتُ أُدَلِّكُ الحنجرة برفق كي يمرَّ الهواء في مساراته المتعرجة بأمان.

في الغرفة الأبعد، أغلقت كل المنافذ إلا أن بَصيصَيْن من الضوء تسللا، بخجلٍ وترددٍ في مبدأ الأمر ثم بإصرارٍ وسخونةٍ بعد ذلك. تحَفَّزت لديَّ قوى المقاومة القديمة وقمتُ وأطبقت على فتحات الباب التي سابها النمل بكل ما في الغرفة من ملابس وقطع ممزقة. قاوم الوَهَجُ بضراوة لكنهُ في النهاية ارتضى ألا يترك إلا أثَرَاً لا يكاد يُذكر ومن الممكن تجاهله. توجهت إلى السرير متعباً ثم قفزت فجأة عندما لسعتني سخونة بصيص النافذة. خلعتُ ملابسي كلها وأغلقت المنافذ والمسالك وفي النهاية رضيَ هو الآخر ألا يترك إلا الأثر الذي يضمن الحياة والاستمرار وفي الوقت نفسه لا يمكنك من رقبته. كان الإنهاك قد وصل بي إلى نهايته فأغلقت عيني حتى قبل أن أرتمي على السرير. لكني قفزت فجأة عندما تذكرت العَدُوَّيْنِ الساخريْنِ اللذين استعمرا الغرفة واستعمراني. هل سيمارسان اللعبة الحتمية ويكبرانِ رويداً رويداً حتى يحاصرا التنفس؟ هل سيستمدان حياتهما وتكاثرهما من شهيقي وزفيري... من روحي؟ كان الحل الوحيد والشريف هو أن أقاوم حتى ولو بجسدي. قفزت وسندت ظهري على الباب ومددت ذراعي إلى النافذةِ فلم تصل إلا أطراف الأصابع. أغمضت عيني واستجلبت كل قواي وقوى الأسلاف، لكنهم خذلوني ولم يزد ذراعي إلا عدة ملليمترات. تفصَّد العَرَق من كل مسام جسدي ثم وأنا وسط هذا الطوفان فقدت الوعي وحلمتُ أني قابعٌ في ركن أبتهلُ، وكلما بكيت وصرت أكثر صدقاً وحرارةً في الترجي تطول ذراعي، لكن طرف عيني كان مشغولاً ببصيصٍ ملتهبٍ يتبدَّى من بعيد.

ستُ سنوات كاملة مرت على اقتنائي للوحة وتعليقي إياها. وللمرة الأولى جاءت جلستي بزاوية عجيبة تتيح تأملها الذي كان ساعتها غير مقصود، وإنما كان هذا التفرس تحويلاً للأمر من (السَرحان) في أمرٍ مشوش كالعادة إلى الانتباه لها فجأة ثم التركيز فيها وحدها. اكتشفتُ أن خلف زهور اللوحة ستارة تحتل نصف الخلفية وأن خلف هذه الستارة عيناً ما. كيف لم أكتشف هذا إلا الآن؟ كيف حدقت فيها في مبتدأ الأمر واخترتها واشتريتها هي بالذات وكيف حملتها وعلقتها ووقفت أمامها ثم رائحاً غادياً لأتأكد من ملاءمتها من كل النواحي؛ للحائط وللركن وللممر...الخ؟ والأدهى أن جلستي لسنواتٍ كانت أمامها. أين كانت تلك الستارة من قبل؟ وعين من هذه؟ عين الفنان الذي رسمها أم عين القدر أم...؟ ياالله؛ إنها تشبه عين أبي الميت. إذن كان يراقبني من هنا. ياللفضيحة. رآني وأنا أجلب المومسات، ثم وأنا أصيغ اتفاقنا الشفوي على تكوين خلية لقلب نظام الحكم. التدخين بدرجاته وأنواعه وعدم الالتزام في الصلاة بعد وفاته مباشرة، ثم هجرها نهائياً، وتغطية فتحة الشباك المكسور بسجادته الأثيرة. كان الأب يرى ويحزن ويخبر زملاءه الأموات أنه ساب ولداً عاقاً لا يستحق الحياة ولا التنفس.

عند هذا الجزء قمت من مكاني وتحركت نحو الخزانة وأخرجت صورته ووقفت أمام المرآة ووضعتها جنب ملامحي. لاحظت أن الشَعْر الأبيض قرَّب بين ملامحنا، وأن عيونه تلمع بالبريق الذي يصل إلى درجة التشفي.