جنى فواز الحسن: أميل إلى تقصّي السلوك البشري الفردي والجماعي

بيروت - مايا الحاج |

قبل سنتين، شكّل اختيار رواية «أنا هي والأخريات» ضمن اللائحة القصيرة لجائزة البوكر العربية «مفاجأة» في الوسط الثقافي، نظراً إلى يفاعة كاتبتها وحداثة تجربتها الروائية. وها هو المشهد نفسه يتكرّر مرّة أخرى مع ترشيح «طابق 99» (منشورات ضفاف والاختلاف) إلى القصيرة، ليتكرّس بذلك اسم جنى فواز الحسن كواحدة من الكاتبات العربيات... تناولت جنى في كتابتها مواضيع مختلفة مثل المرأة والحبّ والحرب، لكنّ التيمة الأثيرة لديها ظلّت هي «الأنا» التائهة وسط شتى أنواع الصراعات.

عن روايتها الجديدة وترشيحها إلى البوكر وتأثير الجوائز في الرواية وقضايا أدبية غيرها تحدثت اللبنانية جنى فواز الحسن، فكان هذا الحوار:

> ماذا يعني لك اختيارك مرّتين ضمن اللائحة القصيرة لجائزة البوكر العربية؟ هل ترين اليه انجازاً للصوت الروائي النسائي؟

- يسرّني اختياري طبعاً، يُشعرني أنّ هناك من قرأ روايتي ولامست فيه شيئاً ما. مسيرة الكتابة تُقاس بتجددها واستمراريتها وهذا إن دلّ فعلى أنني استطعت أن أكسر حاجز روايتي السابقة. لا أخفيكِ أمراً أنّي ككاتبة أشعر بخوفٍ دائم، خوف من ألاّ أتمكن من القيام بما قمت به سابقاً. أظن أنّ الكتّاب يعيشون فعلياً في الحاضر، أيّ أنني لا أفكر بما أنجزت أو كتبت على قدر ما أفكّر بما سيأتي لاحقاً. بعد كل تجربة كتابة أو رواية منجزة، أشعر بفراغ كبير. الأمر مشابه للانفصال عن حبيب أو مكانٍ ما أو عالم بأسره وهو ليس بانفصالٍ سهل لأنّك تجدين نفسك فارغة مجدداً في مواجهة ورقة بيضاء. عليكِ أن تبدأي من جديد.

في الشق الثاني من السؤال، لا أعرف إن كان هذا إنجازاً. إنه تحقيق للذات في شكل أو آخر فهو في شقّه الأكبر خاصّ. أنا أعتزّ بكوني امرأة وأتمنى لو أنّ بعض النساء يجدن في ما نقدّمه دافعاً لهنّ كي يتمسكن بأحلامهن. أرى في ذلك تحقيقاً لشخوص الرواية حين يكلّمني بعض القرّاء كما لو أنّهم حقيقيون وهذا يسعدني. السؤال هنا: هل نقول هذا إنجاز للصوت الذكوري مثلاً؟ لا أظن أنّنا نفعل وبالتالي لا أريد هذا التمييز. كوني امرأة وكاتبة لا يعني تكريسي إلا لإنسانيتي بشقيها الأنثوي والذكوري، تكريس لمن يؤمن بحرية القول والكتابة والنساء لا يفعلن هذا دائماً ولا حتى الرجال.

> أنت أصغر المرشحات الى بوكر، فما الجديد الذي تعكسه تجربتك الروائية ككاتبة شابة؟

- لقد كبرت قبل الأوان والتجربة لا ترتبط بالعمر دائماً. هل يمكننا مقارنة شاب مثلاً يعاني من التهجير الآن بمسن عاش طوال حياته بهدوء وبلا صخب؟ هناك أشخاص يعيشون لعقود طويلة من دون أن يحيوا فعلاً وهناك أشخاص تصدمهم الحياة في بداياتهم وتحدث تغييرات هائلة في نفوسهم ونحن نتاج هذا التراكم من التجارب. لقد شاءت الصدف أن تمنحني الحياة الكثير ممّا فيها في سنٍّ مبكر ولن أخفيكِ سرّاً بأنّ حياتي مزدحمة وصاخبة ومتغيّرة، وقد لا يكون هذا خياري في أغلب الحياة، لكن أشعر بأنّ ظروفاً ما تفرض عليّ تحديّات ومواقف غريبة بينما ثمة كمّ هائل من العطاءات في مقلبٍ آخر. تأخذ مني من جهة وتعوّضني من جهةٍ أخرى أو هكذا أحبّ أن أعتقد. أنا محظوظة أيضاً لأنّي عرفت منذ المراهقة أنّي أريد أن أكتب وأني أريد ان أكتب الرواية تحديداً وبدأت أحاول وأحاول وما زلت أحاول.

> وهل شعرت بأن ثمة متحاملين على نجاح التجارب الروائية الشابة والنسائية في شكل خاص؟

- ثمّة تحامل طبعاً والمؤسف أنّه يأتي من الجنسين ولكن ماذا يمكن أن نتوقّع فعلاً؟ في البداية، كنت أتفاجأ من كمية السلبية تجاه أي تجربة جديدة أو حتّى الفيض من الإغراق بمديح غير حقيقي. والآن أرى أنّ كمّاً هائلاً من الأشخاص الذين لا يقرأون الروايات يصوّبون سهامهم باتجاه كتابتها، الأمر الذي قد يعكس حالة فشل يعانون منها. وفي المقابل، ثمة قرّاء حقيقيون ونوعيون يوقظون في داخل الكاتب أسئلة عن عمله أو يبدون آراء يكون قد أغفل عنها. إنّها لمكافأة قيّمة أن يلتقط الآخر تفاصيل صغيرة وهادئة في العمل ويشير إليها. أنا بطبعي لا أغرق في الذمّ ولا في المديح. ما يعنيني هو العمق الذي تقارب به التجربة بإيجابياتها وسلبياتها.

* هل حصل أن قدّمت تنازلات في الكتابة بما يتناسب وحسابات الجوائز العربية كعدم المساس بالتابوات؟ والى أي مدى تؤثّر مثل هذه الجوائز على الرواية؟

- الكتابة فعل حريّة والحريّة في مجتمعاتنا «تابو»، وبالتالي فعل الكتابة تحرّر و»تابو». لم أعرف يوماً أن أبني حياتي على التسويات، وأحياناً أحسد من لهم القدرة على المهادنة. مجرّد التفكير بأن «نفصّل» الكتابة على قياس مجتمع معين أو أن نكتب لغاية ما، يفسد فعل الحرية الذي ترتكز عليه الكتابة، وسيبدو النفاق جليّاً. لقد كنت مخلصة للأدب وسأبقى مخلصة حتّى أنتهي منه أو ينتهي منّي، وإن ارتبط الأمر بالخسارة، والخسارة هنا بمعنى خسارة الكاتب لحياته الاجتماعية مثلاً أو خسارته لوظيفته أو ربما لحياته الشخصية. هل تؤثر الجوائز بين كل هذه الخسارات، نعم طبعاً. تشعرنا بتقدير ما لكنّ الجائزة الحقيقية هي الكتابة وزخمها.

> في روايتك السابقة «أنا هي والأخريات» اخترقت العوالم الحميمة للنفس الإنسانية أو الأصحّ الأنثوية، بينما في «طابق 99» لجأت إلى التاريخ المعاصر لتقديم رواية عن الحرب. بين هاتين التجربتين، هل ما زلت تبحثين عن المدرسة أو الخط الذي تودين التزامه في ما بعد؟

- لا طبعاً. أنا لا أبحث عن خطٍّ سوّي أمشي فيه، أريد طريقاً متعرّجاً مليئاً بالمنعطفات والمفاجآت. إنّه أمرٌ متعب من دون شك، ولكن ما أريده دائماً هو أن أقتلعني من نصي السابق وأبتكرني في نصيّ اللاحق. لذا الخط الثابت هو الرواية طبعاً ولا أرى ضرورة لأن اكتب مثلاً موضوعاً واحداً متكرراً، وإن بأشكال مختلفة. سيكون ذلك مجحفاً بحق القارئ وبحقي أيضاً، أي أنّه لا يجدر بي أن أدور في الفلك نفسه. ثمة سمة مشتركة بين أعمالي وأظن أنّها البحث في مكامن النفس البشرية لأنّي أجد نفسي ميّالة إلى تقصّي السلوك البشري الفردي والجماعي بمختلف أوجهه.

> تعيش شخصياتك بجراح مستديمة في الذاكرة أو الجسد فهل يعكس ذلك جرحاً عميقاً خلّفته الحرب في نفس جيل كامل، انت تنتمين اليه؟

- طبعاً. هذا ما تفعله الحروب بالأفراد. والمؤسف حالياً هو الحروب التي نشهدها الآن في المنطقة أيضاً. أنظر حولي وأسأل كم من الخسارات يراكمها الإنسان وكم من المآسي الفردية تُخلق كل لحظة. لو أنّ حربنا نجحت في إنهاء الأزمات وتوحيدنا فعلياً، لما تذمّرت من لا جدوى الحرب. ولكن ماذا جنينا من كل هذه الدماء؟ في الواقع ثمة نوعان من المأساة، المأساة التي تحدث لنا والمأساة التي نصنعها نحن. شخوص «طابق 99» لم يكونوا بمعظمهم صنّاع المأساة لكن لم تكن لديهم المقدرة على الإقلاع بسرعة مخلفينها وراءهم. المأساة لم تنته فعلاً فور انتهاء حدثها المفصلي والاساسي، بل إنها تستمر وتستمر في شكل أصعب وأخبث كونها لم تعد تحت المجهر ولأن معظم من يحيط بها يصبح في حالة تجاهل كأنها لم تكن. الألم هو دائماً ألم شخصي والحروب تحوّل الألم الى موقف جماعي يلغي هذه الأنا ويلغي حتى الحق في التشكيك والمساءلة، بغض النظر عن خطأ هذا الموقف أو صوابيته. وبغض النظر عن صوابية القتال الذي قد أجده ضرورياً أحياناً... مع الوقت يزول الحدث الجماعي أو يصير باهتاً وتبقى الرواسب الداخلية. السؤال هو عن هذه «الأنا» وسط كل الصراعات... ماذا يحدث بها؟

> في «طابق 99» عالجت موضوع الحرب اللبنانية من خلال بطل فلسطيني كان هو أحد ضحايا مجزرة صيرا وشاتيلا. ألم تشكل الكتابة عن بيئة أخرى في زمن آخر تحدياً لك؟

- كتبت أيضاً عن بيئة مسيحية مختلفة عن بيئتي الشخصية وكان الأمر مخيفاً في بعض الأحيان، أيّ أنني لم أكن أريد أن أثير حساسيات معيّنة وتوقّعت أن يأتي من يقول لي من أنت لتكتبي عن شاب فلسطيني أو فتاة مسيحية، ولماذا لا تكتبين عن مواضيع متعلقة بك مباشرة. فعلياً، الرواية تتحدّث عن علاقتنا مع الآخر عبر المكوّن المسيحي الذي يمكن أن يكون أيّ مكوّن آخر ولومنا الدائم للغرباء على ما نقترفه نحن كأنّنا بحاجة إلى شمّاعة نُعلّق عليها مشاكلنا. نحن كلبنانيين لا نريد أن نقتنع أن الخلل الحقيقي يكمن فينا، في علاقة بعضنا مع بعض، في تقسيمنا الجغرافي إلى مجموعات وتقسيمنا الطائفي والاجتماعي والسياسي والحزبي إلى جماعات تثنينا عن بناء وطن. لا يمكننا بناء علاقة جيّدة ومتوازنة مع الآخر إن كانت علاقاتنا الداخلية شائكة إلى هذا الحدّ، وهذه الحرب الحقيقية المستمرة في بلادنا. كان تحدّياً طبعاً أن أتقمّص شخصية شاب فلسطيني ولكن الكثير من ردود الفعل تأتيني من فلسطينيين مذهولين لمقدرتي على كتابة مجد كما فعلت. يسألون عن «السرّ» وراء هذا الأمر. وهذا الجزء الأكبر من شعوري بالمكافأة، حين أشعر بأنّني نفخت الحياة في شخوص الرواية إلى درجة حوّلتهم إلى أشخاص حقيقيين تقريباً.

> سبق أن طُرح موضوع «طابق 99» في روايات الياس خوري وغيره من الكتّاب؟ ألم تُقلقك المقارنة مع أعمال أخرى؟ وما هو الجديد الذي أردت تقديمه في معالجتك لتيمة الحرب؟

- موضوع الحب بين نقيضين هو أيضاً موضوع مطروح سابقاً وليس فقط موضوع الحرب، لكنّ الرواية ليست موضوعاً فحسب. هي بناء وشخصيات وأسئلة مختلفة. لم أكن أفكّر بما سبق وإن كُتب عن الحرب اللبنانية حين كتبت، ولا أستطيع أن أحدّد إن كنت قدّمت أيّ جديد. اهتمامي بالحرب أتى في مرحلة لاحقة من حياتي، أيّ أنّها كانت بالنسبة اليّ أشبه بومضات ولم أكن أستطيع أن أدرك كم أنّنا نعيش امتداداتها حتى اقتربت من السياسة أكثر من خلال عملي الصحافي. أذكر أنّ أحد المقاتلين السابقين كان يتحدّث مرّة عن الحرب بشغف وكان يتمنّى أن تعود واصفاً إيّاها بأيام «البحبوحة» لأنّ من الواضح أنّ الميليشياويين، على الأقل بعضهم، يتمنّون لو أنّهم يعودون إلى الممارسات المتفلتة. والسؤال فعلياً ماذا يحدث للمقاتلين حين تنتهي المعارك، هل تتمّ إعادة تأهيلهم اجتماعياً وماذا يحصل لمن خسر أحلامه ولمن لم يكمل تعليمه ولم يحصل على عمل أو مهنة يبني على أساسها مستقبله. ماذا يحدث حين تعود الحياة إلى وتيرتها الطبيعية وكيف نتجاوز أكثر من عقدين من المعارك.

> الملاحظ أنك لا تشتغلين كثيراً على اساليب السرد وبناء الرواية، فيما تتسّم لغتك الروائية بجمالية وعناية بالغتين. فهل اللغة هي أكثر ما يُغريك في العمل الروائي؟

- لا ليست اللّغة وحدها، على أهميّتها. العمل الروائي بناء وبالتالي لا يمكن إنجازه من دون بنية سردية، لذا حاولت أن أحصر الراوية في فترة زمنية معينة كي لا تتشعب الأحداث وتتشابك. أردت أن يكون الزمن متراوحاً بين الماضي والحاضر لتفحّص العلاقة بين الزمنين. بمقدار ما يخطط الكاتب للبنية الفنية لعمله، تظهر احياناً مقتضيات ما للتغيير. لقد أضفت مثلاً الراوي العليم بعدما كنت قد انتهيت من المسودة الأولى من الرواية. في «طابق 99»، كان سؤالي عن مدى مقدرة الإنسان على تجاوز الظروف والتغلب عليها ورسم مصير مغاير لنفسه. وهذا كان سؤالاً مجدياً في محاولته أن يتحدّى الصعوبات التي مرّ بها وتحدّي هيلدا في أن تنفصل عن العالم الآتية منه وتجد كيانها الخاص. بدأت الكتابة فعلياً حين تصوّري عن الشخوص والأمكنة والعمل بتفاصيله وكنت أدوّن الملاحظات إذ هذا ما أفعله عادةً. حاولت أن أجمع القدر الكبير من المعلومات عن الحقبة التي كتبت عنها لأنّ الحرب لم تكن موضوعاً مألوفاً لي ولا نيويورك مثلاً. بدأت بعدها بالكتابة الفعلية وبعد مرحلة التخطيط للكتابة، أجد الشخصيات والأحداث تقود نفسها أحياناً وتأخذ النص إلى آفاق أخرى.

> أنت تنتمين الى جيل روائي جديد لم تتضح معالمه بعد ولكن هل يمكن الحديث عن تشكل ملامح خاصة بهذا الجيل؟

- الكتابة تجربة فردية قبل أن تكون أي تجربة أخرى. على رغم ذلك، أعتقد أن الجيل الحالي يتشارك سؤال الهوية بمختلف أوجهها. ربما الأمر مرتبط بالعمر وربما يكون هذا سؤال الكاتب في بداياته، بعيداً عن التعميم طبعاً.

> هل تتوقعين الفوز ببوكر؟ وما هي الرواية التي تعتبرين أن لها حظوظاً أكبر في النجاح؟

- لا أعرف فعلياً ولا أعتقد أنّ التكهّن مفيد أو إن كنت في موقع يؤهلني أن أتوقّع. ثمة أعمال أحببتها أكثر من غيرها ولكن هي انطباعات شخصية وأعتقد أن كلّ كاتب بذل جهداً معيّناً ليصل إلى ما وصل إليه. وهي عموماً تجربة متميّزة لنا جميعاً والأعمال متنوعة ومختلفة إلى حدّ يصعب المقارنة في ما بينها.