ريمون جبارة جدّد المسرح اللبناني كتابةً وإخراجاً

عبده وازن |

لو تسنى للكاتب والمخرج المسرحي ريمون جبارة، أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على خشبة المسرح مثل بطل مسرحيته البديعة «ذكر النحل» لفعل، لكنه رحل منحنياً على ما تبقى من جسده، الذي أضناه الشلل طوال أعوام من غير أن ينال من روحه المشرئبة بلهفة نحو الحياة، بصفتها حلماً ومسرحاً شاسعاً. هذا المسرحي المعاند، ظل يتحدى الشلل النصفي الذي أصابه عام 1989، مصراً على الكتابة والإخراج بحدة ونزق، مواصلاً لعبته الفنية الأثيرة التي ألغت الحدود بين المسرح والحياة. كان ريمون جبارة «صانع أحلام» وفق ما أوحى عنوان مسرحيته الشهيرة، صانع آمال ومشاهد وحوارات راح بها يواجه القدر الذي هو الحياة والموت معاً، كما فعل «كريون» في مسرحية الإغريقي سوفوكليس «أنتيغونا»، وقد شاءت الصدفة أن يكون دور جبارة الأول الذي أداه عام 1960، تحت إشراف أستاذه منير أبو دبس، أحد رواد المسرح اللبناني الحديث. مات ريمون جبارة في الثمانين من عمره، لكنه لم يدع الشلل النصفي يدفعه الى شيخوخة باكرة، تحداه بعصاه السوداء، تحداه على الخشبة، ولما خانته حركته حمل قلمه وراح يكتب بسخرية ومرارةـ، وكان قراؤه ينتظرون زاويته الأسبوعية في ملحق «النهار»، ساخرين معه ومتألمين وساخطين ومحتجّين.

رائد من رواد الحركة المسرحية اللبنانية الحديثة بحق، كاتباً ومخرجاً وممثلاً. مبدع وخلاق استطاع صنع مسرحه الشخصي والخاص، والتفرد بجوّه ولغته وشخصياته ونصوصه، ولعبته الإخراجية التي اتكأت في أحيان كثيرة على تجربة «المسرح داخل المسرح». حتى المسرحيات القليلة التي اقتبسها، كانت سرعان ما تصبح كأنها من تأليفه، ومنها: «قندلفت يصعد الى السماء»(عن نص للإسباني فرناندو أرابال)، «زارادشت صار كلباً» (عن البرازيلي أوزفالدو دراكون) «محاكمة يسوع» (عن نص الإيطالي دياغو فابري) و«صانع الأحلام» (عن نص مسرحية «رجل المانشا»).

لم يكن جبارة يترجم أو يقتبس فقط، كان يعاود كتابة النص كما يعيشه، حاذفاً منه ومضيفاً إليه حتى ليمسي نصّه هو، لا سيما بعد أن يخرجه على الخشبة مطلقاً العنان لمخيلته وغريزته الجارفة. أما النصوص التي كتبها، وهي من أهم نصوص المسرح اللبناني والعربي وأشدها تحديثاً وتجريباً وانفتاحاً على أسئلة الذات والوجود، العالم والماوراء، فلم تكن البتة أدبية، بل كانت مسرحية، يكتبها بعين المخرج التي لا تغمض لحظة، وبخبرة الممثل الذي طالما كان يتوق إليه، وقلق المبدع والمشكّك والعبثي والساخر والغارف من جروح الإنسان، فرداً وجماعة. ولا غرابة أن يقبل جبارة على هذه اللعبة المسرحية الخطرة والطليعية، هو الذي استهلّ مساره ممثلاً مؤدياً دور «كريون» الإغريقي، ثم دور «راسكولنيكوف» بطل دوستويفسكي الرهيب في رواية «جريمة وعقاب» (إخراج منير أبو دبس)، ودور «ريتشارد الثالث» في مسرحية شكسبير (إخراج أنطوان ملتقى)، عطفاً على أدوار مهمة أخرى أحدها في مسرحية «الزنزلخت» للكاتب عصام محفوظ. واللافت، أن جبارة لم يحمل شهادة جامعية ولم يتعلّم الفن المسرحي أكاديمياً، بل انخرط فيه عبر المحترفات التي عرفتها بيروت الستينات، وكانت من أهم المختبرات المسرحية. إلا أن موهبته الكبيرة والخارقة وغريزته الفنية الرهيبة، علاوة على ثقافته التي حصّلها بنفسه، جعلته في طليعة المسرحيين الجدد آنذاك. وكان التحق بالجامعة اللبنانية (كلية الفنون) أستاذاً للمسرح، جاعلاً من التعليم مهمة بحث ومراجعة.

 

خطوة جديدة

شعر ريمون جبارة بدءاً من عام 1970، أن التمثيل بدأ يضيق على قامته، فاتّجه نحو التأليف والإخراج بعدما خبر عن كثب مفهوم الأداء المسرحي، وبناء الشخصيات، وحبك العلاقات بين الممثلين، وبعد توغّله في تاريخ المسرح والثقافة المسرحية. وبدت مسرحيته الأولى تأليفاً وإخراجاً «لتمت ديسدامونا»، أشبه بحدث مسرحي نظراً الى نصها الجديد ولعبتها التمثيلية الحديثة، بخاصة أنها اعتمدت الطابع الاحتفالي ولعبة المسرح داخل المسرح، وهي اللعبة التي تميز بها مسرح جبارة لاحقاً وحقّق عبرها إحدى خصائصه الفريدة. وكانت هذه المسرحية خطوة جبارة الأولى نحو نص جديد، نص يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمشهديته وطابعه الاحتفالي، وكأنه لم يكتب إلا انطلاقاً من بعده الإخراجي، وليس كنصّ منفصل عن العرض. وهذا الملمح وسم كل نصوص جبارة واقتباساته، على أن نصوصه تملك قدرة على مواجهة الزمن، وهي قابلة دوماً لأن يعاد إخراجها. المسرحية الثانية التي ألّفها جبارة وأخرجها، كانت «تحت رعاية زكور» (1972)، وسلك فيها مسلكه السابق مع تطوير في اللعبة المسرحية والاحتفالية. تقول الناقدة خالدة سعيد، عن هذه المرحلة لدى جبارة في كتابها المرجعي «الحركة المسرحية في لبنان 1960 - 1975»: «شاء ريمون جبارة اللعبة مزدوجة: مسرح يكسر إطاره التقليدي كي لا ينقطع عن الحياة في كل مراراتها وخيباتها وأوهامها. بل مسرح ينهض على فعلين: داخلي وخارجي، أي على زمنين متوازيين، هما زمن الهدم وزمن البناء. وإذا حاكى المسرح الواقع، فإنما ليسخر منه ويهجوه ويعريه».

ما أن انطلق جبارة في تجربته الكتابية والإخراجية، حتى وقعت الحرب اللبنانية عام 1975، فكانت أشبه بالجدار الذي يفصل بين زمنين، لكنه واصل مساره بعناد وجرأة. بل إن الحرب كانت حافزاً له ليكمل اختباراته الفنية، ويطرح أسئلته الجوهرية التي زادت المأساة من حدّتها وعبثيّتها، مدركاً أن الأجوبة غير متوافرة وإن توافرت ففي المسرح وحده، المفتوح على الحياة بأزماتها وخيباتها الصغيرة والوجودية. أولى مسرحياته بعد اندلاع الحرب، كانت «شربل» (1977) وهي تدور حول الناسك والقديس اللبناني الذي هجر العالم ليعيش في عزلة روحية. وفيها لم يغص جبارة في معطيات الدين والتصوّف بقدر ما ركّز على الناسك الإنسان ومواجهته للشر. وبعد عام، أنجز مسرحية «زارادشت صار كلباً»، مقتبساً إياها بحرية شديدة عن نص البرازيلي أوزفالدو دراكون وبدت مختلفة شكلاً ورؤية، ومارس فيها موقفه الاحتجاجي ولعبة المسرح داخل المسرح. ثم تلتها مسرحية «محاكمة يسوع» (1980)، و «قندلفت يصعد الى السماء» (1981)، و«ذكر النحل» إحدى روائعه كتابة وإخراجاً (1985)، وتلتها رائعته الأخرى «صانع الأحلام» التي حصدت عام 1985 جوائز كبيرة في مهرجانات عدة، منها قرطاج (تونس) وبغداد، وفتنت الجمهور والنقاد. في عام 1989، أصيب جبارة بجلطة في الرأس جعلته نصف مشلول، وبدأ حينذاك جلجلته الشخصية ومرحلة من الألم والمعاناة والنقمة والمساءلة الميتافيزيقية، ورافقته حالة الشلل حتى لحظاته الأخيرة، أي قرابة تسعة وعشرين عاماً. لكنه ما أن غادر سرير المرض، حتى استعاد المشي مستعيناً بعصا، وكانت أولى مسرحياته بعد انقطاعه عن المسرح «من قطف زهرة الخريف؟» (1990)، وجسّد فيها شخصيته كمخرج مشلول لم يتمالك عن هجاء نفسه وقدره والسخرية من مرضه وما يحيط به. مثّلت هذه المسرحية علامة في مسار جبارة كما في الحركة المسرحية اللبنانية. ومن بعدها، انحسر عمله المسرحي لكنه راح يكتب مقاله الأسبوعي في ملحق «النهار» . وكان يقول إن هذا المقال هو الذي يوفّر له ثمن دوائه. وهذا صحيح، فهو عانى على رغم شهرته الكبيرة، حالاً من الفقر. أما المسرحيتان الأخيرتان اللتان أنهى بهما مساره، فكانتا: «بيكنيك على خطوط التماس» و «مقتل إنّ وأخواتها» (2012)، وبدت الأخيرة بمثابة وداع للمسرح، واعتمد فيها أيضاً لعبته الأثيرة: المسرح داخل المسرح. لكنه طوال هذه السنين، اضطر إزاء ظروفه المالية الصعبة، الى أن يخرج مسرحيات شعبية بعيدة من خطه الطليعي. وتعاون مع الأخوين رحباني في «المؤامرة مستمرة»، ومع منصور في «صيف 48».

 

تجارب ومعاناة

ولعلّ ما ساهم في ترسيخ تجربة ريمون جبارة المسرحية، تعاونه مع مجموعة من الممثلين المهمّين الذين كوّن معهم أسرته المسرحية، وأضحوا مشاركين في اللعبة وجزءاً منها. وكان جبارة يكتب من خلالهم وعبر التمارين التي يجريها معهم، ليخلص الى صيغته الإخراجية من ثم. وتوزع هؤلاء الممثلون على جيلين، الأول ضمّ: الراحلة رضا خوري، منير معاصري، كميل سلامة، رفعت طربيه... والثاني: رندة الأسمر، جوليا قصار، غبريال يمين... لكنه تعاون مع ممثلين آخرين أيضاً. هؤلاء الممثلون هم من أرقى الممثلين في لبنان، مثقفون وملمون بأسرار الأداء، وجسدوا لعبة المسرح على خير وجه. وهذه اللعبة التي تفرّد بها جبارة وبرع متكئاً على قراءاته لا سيما لمسرح بيراندللو وكالديرون وجان جينه وماكس فريش، كانت حيزاً لتجسيد تجربته ومعاناته وتخيلاته، ولخلق عالم محتمل، واقعي ومتوهم، حقيقي ومتخيل، مادي وميتافيزيقي. وعلى خشبته تلك، كان الممثلون ممثلين ومتواطئين في اللعبة الجميلة في آن واحد. هم يمثلون ولكن انطلاقاً من وعي حاد و «شقي» بحضورهم وبالشخصيات التي يؤدونها. هكذا، لم يكن مسرح جبارة مطابقاً للواقع بل موازياً له، حتى إذا خلع الممثلون «أقنعتهم» في نهاية اللعبة، أدركوا، ومعهم أدرك الجمهور، أنهم كانوا ممثلين وأن اللعبة لم تكن إلا مجرد لعبة وهمية من شدة واقعيتها، عبثية من فرط مأسويتها، يومية وميتافيزيقية. وكانت هذه اللعبة حافزاً ليسائل جبارة من خلالها المسرح نفسه والفن المسرحي، سالكاً مسلك التجريب والاختبار، وليمارس نقده للحاضر والواقع عبر محاكمة الماضي، وللذات في مرآة الأنا.