بشار زرقان في بيروت: حلاّج الأمل

حسن الساحلي |

يبدو الموسيقي والمطرب السوري بشار زرقان كأنه عابر للأزمنة التي مرّت على جمهور الأغنية البديلة منذ الثمانينات الى الآن. بدأ مسيرته الفنية في الأغنية السياسية مع فرقة «المسحراتي» التي أسسها مع أحمد فؤاد نجم، ثم انسحب مبكراً بسبب «محدودية هذا النمط» كما يقول لـ «الحياة»، إلى فضاء آخر أكثر قابلية للتــــطور. لــكن ذوق الجمهور «السياسي» لم يتأخر ليواكبه بعد انتهاء أحلام جيل اليسار. فــــبدت الأغنية «الصوفية» التي يقدمها زرقان منذ ذلك الوقت إلى الآن، بما تحمله من أمل، بديلاً ما لهذا الجمهور عن الأغنية السياسية التي تراجعت مع تكرّس «خيبة» فلسطين وخفوت قضايا تلك المرحلة، ليقدم صاحب «جدارية محمود درويش» الأمل في مواجهة الخيبة التي تطورت الى خيبات كان آخرها «الكارثة السورية»، كما يصفها زرقان نفسه.

يحاول بشار زرقان الآن تخطي الكارثة. يخرج من دمشق المنهكة من مأساتها، ليستعيد ما توقف عنه منذ 4 سنوات، بدءاً من حفلة «حلاج الأمل» التي يحييها مساء غد على خشبة «مسرح بابل» في بيروت ويغني فيها من ألبومه الأخير «لا أحد» الذي صدر قبيل بداية الاضطرابات في سورية ولم يتمكن من أن يروّج له أو حتى يغني ما تضمنه. على أن تتبع هذه الحفلة حفلات أخرى في بلدان عربية وأوروبية.

لحّن زرقان لشعراء من أزمنة مختلفة، من صوفيين أمثال الحلاج وعمر ابن الفارض ورابعة العدوية، الى حديثين مثل بدر شاكر السياب وطاهر رياض.

بدأت علاقة زرقان بالغناء الصوفي مع شعور بالذنب: «ولدت في دمشق في أجواء تقليدية حين كانت تقام في أحيائها طقوس دينية مثل المولد والحضرة.

كان يعيش في حيّنا ثلاثة أخوة كبار في السن، واحد منهم فقط يبصر بشكل محدود. يتعلق أخواه به ويدور الثلاثة في الحي ممسكين بجلابيات بعضهم البعض، مكحلي العيون وعلى رؤوسهم عمامات خضراء».

لم يكن زرقان يعرف مَن هم هؤلاء الرجال الغريبو الأطوار، الأمر الذي لم يمنعه من القيام بمشاكسات مزعجة تجاههم مع أصدقائه الصغار، حتى «سمعت في أحد الأيام قرع طبول وإيقاعات. اقتربت من مصدر هذه الأصوات لأجد مجموعة من الناس حول ثلاثة رجال يغنون ويدورون حول أنفسهم في حضرة صوفية. كان هؤلاء الأخوة الثلاثة الذين كنا نزعجهم بمشاكساتنا. كان المشهد مرعباً كأنه قتلني يومها ثم أحياني في ما بعد».

أغاني الفنان السوري لا تشبه الغناء الصوفي المرتبط بالطرق الصوفية: «أنا أغني الشعر الصوفي بطريقة حديثة بعيدة كلياً عن الإطار الديني».

ويبدو هذا واضحاً في اختياره لبعض القصائد التي لا توافق عليها الأوساط الدينية في العادة، فالحلاج مات مصلوباً بعدما اتّهم بالزندقة. ويبدو أن الإتهام تحوّل الى زرقان نفسه أخيراً، «عالمنا يضيق أكثر فأكثر بعدما كان أكثر انفتاحاً، كتب أحدهم تعليقاً على أغنية بثّت على «يوتيوب» بأنني نصراني أنادي بالزندقة»، كما زعم.

لم تفارق زرقان روح التمرد التي كانت من أبرز سمات الأغنية السياسية وتبرز في قالب جديد الآن مع تركيزه على قصائد الحلاج: «شكلت قصائد الحلاج صدمة لي أخرجتني من شخص تقليدي موسيقياً إلى شخص مشاكس». ويضيف: «كان الحلاج صاحب مشروع سياسي، تحدّى كل شيء وقال ما لا يمكن قوله».

ويظهر التمرد بشكله الحديث ليحرر الموسيقى من ثقل التقاليد وليطوّعها لتخدم رؤيته للعلاقة بينها وبين اللغة، ليحلّ مكان تمرد قديم كان يظهر بشكل خفي تجاه الأوضاع السائدة في البلدان العربية: «في الثمانينات كان الهم الفلسطيني الموضوع الوحيد المتاح لنا أن نغنيه، لكننا نعلم أننا عندما نغني عن حرية فلسطين نقصد بشكل غير مباشر تحرر كل عربي من سجنه».

 

أداء غنائي ممسرح

تعتمد أغاني زرقان أولاً على النص الشعري أو فهمه لهذا النص، وتتنوع الموسيقى وترتفع وتهبط وفق ما تتطلبه القصيدة.

ويختلف ألبوم «لا أحد» عمّا قبله، ويظهر هذا بخاصة في قصيدتَي «في البيت أجلس» و»فكّر بغيرك» لمحمود درويش اللتين يقدم فيهما أسلوباً مختلفاً، إذ استعمل فيهما مقامات تجمع الحديث والخفيف. كما استعمل آلات غربية «ليختلف حضور كل أغنية عن الأخرى في طريقة الغناء واستعمال الموسيقى التي لا يخلو بعضها من أسلوب غربي مشرّق»، كما يشرح.

ويقدم زرقان بعض الأعمال بطريقة مسرحية، وهو ما يظهر جلياً في الألبوم الأخير في قصيدة طاهر رياض «إقرأ» التي يقدّم فيها استعراضاً لغويّاً - خطابياً يبدو أنه سيكون نمطاً مشتركاً لأعمال مستقبلية تحفّز التواصل مع الجمهور. فزرقان إبن هذا المسار التواصلي الذي بدأه على خشبة المسرح مبكراً مع أخيه أيمن زرقان في مسرحية إميل حبيبي «لكع بن لكع»، ويريد إكماله الآن في أعمال آتية.