«قطعة أرض فارغة» من ذاكرة الحرب

بيروت - مهى سلطان |

الليل مسرحٌ للتمزقات الداخلية ونزهة الأشباح وبصمات دمار الأمكنة التي ترتسم على شاشة الذاكرة، لكأنها علامات الهجر، وما من صوت يبعث صداه، وما من خطى تقول إن المدينة مأهولة، بل هي مجرد «قطعة أرض فارغة» موهومة لكنها ملغّمة بالأسئلة. أسئلة صعبة وشائكة طرحها ألفرد طرزي (1980) كواحد من فناني الجيل الصاعد، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية في بيروت، شارك في معارض في لبنان والكويت ولندن وفيينا، يعمل على تقصّي التاريخ - ومُساءلة - الذاكرة بوسائط بصرية وتقنيات وخامات متنوعة ومندمجة (الديجيتال والفوتوغرافيا والرسم والتجهيز) ضمن معارض أقيمت في آرت فير أبو ظبي ودبي وسنغافورة.

في معرضه الفردي الأول، يقيمه في غاليري جانين ربيز (حتى 23 الجاري)، يستعيد ألفرد طرزي ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية، التي أضحت مجرد حكاية مشوّشة ومتشظّية من فرط التداعيات المحمولة على الوقائع والخيال والظنون، وكذلك على السخرية والنقد. فالحدث الفني بات هو الماضي، أي ذاكرة الحرب ومناظر خرائب الأمكنة في بيروت، التي يستنطقها أكثر من فنان لبناني شاب (على وجه الخصوص خليل جريج وصلاح صولي)، هل بحثاً عن أسباب الخراب والدمار والانقسامات والقتل على الهوية، التي شكّلت وعي جيل أمضى طفولته في أقبية المخابئ، أم لأن العمل الاستذكاري بحد ذاته بات من المفاصل الحيوية والمثيرة للدهشة في فنون المعاصرة وفي واجهة القاعات العربية والمزادات الدولية؟ على أي حال، فإن عملية انقلاب الخطاب السياسي- الأيديولوجي إلى خطاب تشكيلي على طريقة السرد البصري في عمل ألفرد طرزي، يحيل إلى نوع من العبث الوجودي لا سيما إذا كانت مادته «الاستهلاكية» الجاذبة، هي أرشيف صور الحرب: حريق أسواق بيروت ومعارك الفنادق ومناظر الأبنية المدمرة لا سيما نصب الشهداء بكل ما يحمله من رموز دلالية وسيكولوجية وأيقونية، في الوقت الذي أصبحت فيه صورة الدمار هي صورة شعائرية صادمة تدفع الى التعاطف الشعوري والإنساني في زمن مجازر ما بعد الربيع العربي والقمع والقتل والاضطهاد.

من هذا البعد المديني - الجغرافي لخرائط بيروت، فإن استعارة الفراغ المكاني في عمل طرزي التجهيزي، هي مجرد ذريعة شكلانية أكثر مما هي فكرة فلسفية - عاطفية. فالألوان الرمادية تطغى على تصميمات هذا العمل بإطاره الزماني والمكاني، والتجهيز يحيل إلى منظر ورشة مماثلة لورش البناء، عبر استخدام قضبان الحديد والحجارة والإسمنت في موقع فارغ افتراضيّ بالضرورة. أما الحكايات المصوّرة، فتنبثق من صناديق زجاجية ذات إطارات معدنية، تعمل بواسطة مانيفل يدوي مثل صندوق الفرجة، أو آلة عرض شرائط السينما اليدوية القديمة. وصندوق العجائب هذا، باعث ليس على الفرح الطفولي بل على الحزن والكآبة، إذ يحتوي داخله لفائف من القماش تدور حول بكرتين بطريقة تشبه الفيلم داخل الكاميرا، ومن خلال التحريك اليدوي يتم عرض الصور في شكل متتالٍ. إنها دعوة للنظر وتقليب شرائط مقطوعة من محفوظات الجرائد وعناوينها التي تتحدث عن محاور الصراع والقتال الدامي.

الصور هي التي تطفو على السطح. وجوهٌ معلقة مموّهة غابت عنها الملامح لفرط ما طواها النسيان، وجوه المقاتلين والمفقودين وجثث الشهداء وصور الزعماء ومشاهد القنص والأبنية المنخورة بالفجوات، والشعارات والملصقات. إنها صور ملغزة شعائرية من الزمن الرمادي المستعاد لأنقاض الحرب والنفايات التاريخية للمدينة. وألفرد طرزي يسعى الى الكشف عن حطام الذاكرة، مستعيداً الوقائع والأحداث بتقنية الفوتوشوب التي تتيح لإمكانات الدمج والطباعة والتعقيب اللوني، فضلاً عن الرسوم التي تعكس ليس الوقائع بل مناطق الخيال الفانتازي، المحمل بالتعبيرات الدرامية ضمن قائمة لونية محدودة ومتقشفة، تصوّر خلو الساحات والأمكنة التي تسكنها الثغرات، كمناخات كابوسية تغلب عليها الألوان الفضية والذهبية والرصاصية والفحمية. هي صور مثل أفلام محروقة، (النيغاتيف)، مثل أرض فارغة وغور ثقيل من الليل وغموض يرن مثل الخطر في البعيد.

لعلّ السياقات المفككة والقصص الناقصة والجروح المؤلمة، ناتجة من صعوبات في التأقلم والمصالحة مع الماضي. الخوف والقلق والريبة والشك، مصادر تلك اللغة المفككة لشخص- بخطوطه المبسطة - يقف وحيداً يرقب فراغ المدينة من حوله، المدينة بين الأنقاض وورشة إعادة الإعمار، وسط الخلاء الميتافيزيقي لجيورجيو دي شيريكو عن حكايات مدينة أثرية بأنصابها الجامدة وآثارها المنسية، بألسنة ألوانها المشرئبة وظلالها المسننة وطرقاتها المضللة التي لا تفضي إلى شيء. قد يكون الشخص الذي يقف على حافة الرصيف كشاهد أعزل، هو الرسام نفسه في المكان الخاطئ لاكتشاف الذات، بين طفولته التي استيقظت للتو، والمشهدية الساخرة بنبرتها الطباعية الرقمية التي يسجلها على صفحات الذاكرة، ليس من أجلنا نحن بل ربما لما يهم الرأي العام الأجنبي الذي يدفعه فضوله الجيو-استراتيجي، الى معرفة انعكاسات الحرب على اللغة التعبيرية لدى الجيل الجديد. وفي هذا السياق، يقدّم ألفرد طرزي عرضاً بصرياً يعوم على سطح العين، من دون وقوع صدمات بل خفقان رتابة واضمحلال في لغة بصرية هي بين الصراخ والاستغاثة، بين الشغف والانغماس في تجارب مماثلة بين الأسود والأبيض ولمعان المعادن على صفحة أرض جرداء فارغة.

لماذا يعبث الجيل الفني الصاعد بالتاريخ؟ هل للقبض على الزمن الماضي بلا جدوى، أم لاستدراك مآسي الأمس من أجل إصلاح الحاضر؟ أم لكي يقول على طريقة ديكارت: «أنا أفكر إذاً أنا موجود».