القدر يرسم خيبات بطل «موسم الحوريات»

أحمد زين الدين |

في روايته الجديدة «موسم الحوريات» ( مؤسسة قطر للنشر- دار بلو مزبري)، يوظّف الروائي الأردني جمال ناجي سيرة عائلة أردنية ثرية على خلفية أحداث «الربيع العربي» وما تمخّض عنها من ثورات مجهضة ونتائج كارثية، على رأسها نشوء تيارات دينية متطرّفة حلّت في أعقاب ضمور الحراك السلمي وانطفاء جذوته. وعلاقة الرواية بالأحداث نجمت عن انخراط أحد أفراد العائلة الذي تدور الشكوك حول حقيقة وجوده ومكانه، في صفوف التنظيمات الإسلامية المقاتلة، بدءاً من أفغانستان وانتهاء بسورية، حيث لقي هناك مصرعه في عملية انتحارية ضد جنود النظام.

تقوم الرواية على تقنية الأصوات المتعددة التي تتناوب على السرد، وتتفاعل في ما بينها لإغناء المخيال الروائي بوجهات نظرها أو رؤياها من زوايا مختلفة، ولتتيح أيضاً تنشيط المونولوغ الداخلي، وتوالي الذكريات. وهذا السبيل سبق أن سلكه الكاتب في روايته «عندما تشيخ الذئاب» التي استخدم فيها التقنية عينها، بل العدد نفسه، وهو خمسة أصوات موازية لعدد أصوات الرواة الخمسة في هذه الرواية، وهم: سماح شحادة ومنتهى الراية وساري أبو أمينة وأبو حذيفة وضرار الغوري.

«موسم الحوريات» رواية مفعمة بالمناخات الدينية التي بدأت تسود المجتمع الأردني كغيره من المجتمعات الإسلامية، بحيث انتشرت منظومة من القيم والعادات والسلوكيات، ودرجت الأزياء الرجالية والنسائية التقليدية، وأنماط معينة من العلاقات والتعابير المقننة. وكان من نصيب البطل الشاب أن ترعرع في هذه البيئة المتزمتة وتأثر بجوّها، واندفع في أتون الحرب «المقدسة» المتقدة نارها في دول عربية عدة. ولم يقتصر الفضاء الديني في الرواية على الفضاء المحلي، بل تعدّاه الى بلاد نائية، حين شدّ فواز باشا ومعاونه ساري أبو أمينة الرحال الى بومباي لمقابلة الحكيم الهندي «هارشا» لعله يغيّر قدر الباشا الذي رسمته له كلمات العرّافة عروب. وفي صومعته الجبلية في معابد أجنتا، يتعرف القارئ إلى الجو العقائدي المبهم الذي سبق لجمال ناجي أن رسم خطوطه في روايته السابقة «عندما تشيخ الذئاب»، متحدثاً فيها عن الأولياء الصالحين وأصحاب الطرق والمداواة السحرية، فنرى في الهند أفعى تتلوى في النار ولا تموت، لأن «النار بلا حرارة»، كما يقول الشاب عند مدخل الصومعة. كذلك فإن الزائرين وقد مسهما طائف من السحر يلمحان في الصومعة ضوءاً ينيرها ولا يعرفان سر مصدره أو كنهه، بل يجدان وهما يخرجان من عند الحكيم الهندي أن المدخل الذي كان منخفضاً عند دخولهما بات أكثر علواً عند خروجهما، بل يبلغ من تأثر الباشا بالزيارة أنه تخلى عقب عودته إلى عمان، عن تناول اللحوم واقتصر طعامه على الأغذية النباتية، كما هو شأن الهنود.

 

السر المكتوم

تقدم رواية جمال ناجي شهادة أو مقاربة تمثل منطق هؤلاء المتطرفين، الذين يرددون أحاديث وآيات متواترة يعمدون الى تأويلها وفق مشيئتهم وغاياتهم السياسية. مقاربة جهادية تصبو إلى إقناع الشباب المسلمين بأحقية ما يرمون إليه من إثارة الحروب أو ما يسمونه الجهاد، وإلى المنافحة عن صحة ما يرتكبونه من أفعال. بل هم يحببون إلى هذه الشريحة الشبابية القتل في سبيل العقيدة، ويعدونهم في الآخرة بالحوريات. من هنا جاء عنوان الرواية «موسم الحوريات» للدلالة على هذا النمط الترغيبي الذي يستخدمه الإسلاميون المتشددون لتجنيد الشباب. ويزعم أبو حذيفة في هذا المقام أن جثامين الشهداء تتضوع منها رائحة المسك. وأنهم في قبورهم أحياء يُرزقون، ولا تسري على أجسادهم سنة الفناء والبلى.

هذه الأصوات الساردة لا تقتصر على سرد الوقائع التي مرت بها، ولا تعبّر عن وعيها وشجونها وخيباتها فحسب، إنما تضيء على حياة الآخرين وعلى أقوالهم وحواراتهم. ويتقاطع السرد في الزمان والمكان باختلاف شخصية الراوي ليزيد من مخزون التشويق، ويحوّل بذلك أحداث الرواية الى ما يماثل العقدة البوليسية التي تُبنى على الألغاز والمغامرة والمفارقات والمصادفات، من خلال السعي لكشف حقيقة ما تنبأت به العرّافة المغربية عروب من سرّ قلب حياة الباشا. وهو سرّ لم يخطر على باله مطلقاً، عندما فاجأته في ليلة احتفاله بعيد ميلاده الستين، بأنّ ثمة طفلاً ولد من صلبه يجهل وجوده أو مكان إقامته، سيلقى على يديه حتفه. ويتبين في ما بعد أن الطفل هذا كان ثمرة علاقة محرمة مضى عليها ثلاثون عاماً. النبوءة هذه تحوّلت مع الوقت إلى هاجس رئيس شغل عقل الباشا، وأدخل في حياته جرثومة القلق والوساوس وجعلته شخصية خائبة، فاقدة الثقة بذاتها وقدراتها. ومنذ تلك اللحظة التي نطقت بها عروب العرّافة، استنجد الباشا بمعاونه ساري أبو أمينة، وطلب منه البحث عن امرأة اسمها منتهى الراية، سبق أن عملت في إحدى شركاته منذ ثلاثين عاماً. وأفضت عملية البحث إلى أن يسترجع الكاتب الأحداث الماضية بطريقة الفلاش باك، بحيث تنحلّ عرى الحبكات السردية التي تتضافر حول حياة هذا الابن المجهول، بغية الوصول إليه قبل أن ينفذ جريمة قتل والده. وتنفك هذه العقد شيئاً فشيئاً عبر ترتيب معين للأحداث وتنظيمها وتقطيعها، ومن خلال أصوات الرواة المتعددين الذين يضعون القارئ دائماً على عتبة التحوّلات السردية المتصلة بحياة هذه الشخصية المطلوبة.

 

لعبة الأقدار

يحرص الروائي جمال ناجي هنا على عدم الإفصاح عن مصير بطله الشاب دفعة واحدة. إنما يُفضّل الإضاءة المتدرجة على حياته ومنعرجاتها زيادة في عامل التشويق. وإذا عرفنا أن الوليد، وهو اسم البطل الشاب، انخرط في صفوف المجاهدين المسلمين إبان «الربيع العربي» المجهض، فلا مناص للرواية حينئذ إلا أن تطل على أمكنة الصراع داخل الدول المضطربة، من أفغانستان إلى سورية، لتنقل مشهديات من ساحات الوغى، وما يعصف بها من قتل ودماء ودمار. بيد أن هذه الخلفية الحربية التي ينقلها لنا صوت أبو حذيفة وضرار الغوري، لا تشكّل في ذاتها غاية الكاتب من السرد، فمثل ذلك متاح في عالم الميديا المعاصرة. إنما يريد القاص بالدرجة الأولى إظهار عدم قدرة المرء على التنكر أو التخلي عن ماضيه الشخصي، مهما ارتقت منزلته الاجتماعية أو الطبقية، بل إن الماضي لا يحول ولا يزول مهما كان ضئيلاً أو تافهاً. ولا بد أن يترك أثره على النفس والعقل، فينمو ويكبر مع مرور الزمن. بل إن هذا الماضي يحدد في كثير من الأحيان مصير صاحبه من حيث لا يتوقع، كما حدث مع فواز باشا حينما راود «منتهى راية» عن نفسها، مستغلاً ضعفها وقلة حيلتها، متلاعباً بعواطفها، واسِماً تاريخها بالعار كامرأة شرقية مغلوب على أمرها، قبل أن تنقلب الأقدار عليه لتثأر لها، وتعاقبه على ما اقترفته يداه.

رواية جمال ناجي التي تتناول موضوعات شتى، مثل العنف المذهبي المستبطن الذي يعصف بالعالم العربي، وصراع الأيديولوجيات، وعدم التورّع عن استخدام مظاهر الدين لمآرب شخصية، مثلما يفعل الشخص الملقب بـ «القنفذ». ترتكز على التيمة القصصية الكبرى التي تغلف أحداثها. وتقوم على الفلسفة التي تنحو إلى الجبرية، وإلى عدم تمكّن البشر من التملّص أو الاحتراز من قدرهم المرسوم لهم، أو عرقلته، أو تبديل مساره وخطوطه. القدر، يقول ساري أبو أمينة، «يقسو ويسخر ويعدّ الخطط ... القدر أكبر مني ومن سواي، وأنا لست غير كائن متناهي الصغر، في حوضه الخرافي الهائل». وما نلحظه في الرواية أن خطوط القدر اللامرئية هذه، هي التي تتحكّم بحركة أبطالها وتفرض عليهم سنتها المخفية.