السياسي مفكراً كبيراً وإنساناً فذاً

ا. ع. |

منذ البداية لا بد من التأكيد على أن ما يمكن تسميته بـ «المدرسة الوثائقية» في السينما اللبنانية تبدو متقدمة جداً، وهي ربما تكون، في بعض المعايير، أكثر تقدماً في مجملها من مجمل السينما الروائية اللبنانية ولا سيما كما تتجلى هذه خلال سنوات الجدب الأخيرة منذ تحولت الأفلام التي تحمل اسم لبنان مجرد حلقات تلفزيونية من الدرجة العاشرة. وتقدم السينما الوثائقية اللبنانية ليس جديداً ولا هو عارض. بل إنه حاضر وملموس منذ أربعين عاماً على الأقل، أي بالتواكب مع ظهور السينما اللبنانية الأكثر تطوراً على أيدي مارون بغدادي وبرهان علوية ورندة الشهال وجوسلين صعب وجان شمعون وغيرهم. صحيح أن معظم هؤلاء كانت طموحاتهم الأولى روائية، لكنهم إذ باغتتهم الحرب في العام 1975، لم يجدوا أمامهم إلا الانصراف إلى تحقيق أعمال وثائقية، إما تحت ضغط الظروف أو القصور التمويلي، أو الرغبة في مواكبة الأحداث العاصفة. وثمة ما يشبه الإجماع في هذا السياق، على أن ثمة على الأقل فيلمين كبيرين سجلا بداية ازدهار هذا النوع من السينما، هما «لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء» لبرهان علوية، و «تحية إلى كمال جنبلاط» لمارون بغدادي، على الرغم من أنه كان سبق لكل من هذين أن حقق وثائقيات أخرى، وعلى رغم أن هايني سرور وجوسلين صعب كانتا قد دخلتا الميدان بقوة. والآن إذا ما تذكرنا أن علوية صور فيلمه حينذاك في مصر عن عمرانيّها الكبير حسن فتحي وتجاربه في «البناء مع الشعب»، يبقى من المشروع لدينا القول أن «تحية» مارون بغدادي للزعيم الراحل كمال جنبلاط كانت البداية الكبرى للمدرسة التي أشرنا إليها. واليوم بعد نحو أربعة عقود من السنين، ها هو فيلم جديد عن جنبلاط يوصل السينما الوثائقية اللبنانية إلى ذروة جديدة.

 

الفن والفكر معاً

عنوان الفيلم «كمال جنبلاط الشاهد والشهادة» وهو من إنتاج لجنة تكريم الزعيم الوطني الراحل، وإخراج هادي زكاك، المخرج والمؤرخ السينمائي اللبناني الذي بالكاد كان قد ولد حين حقق مارون بغدادي فيلمه الكبير عن جنبلاط. والحال أن مقارنة سريعة بين الفيلمين ستكون كافية كي تقول لنا كم تقدمت السينما الوثائقية في لبنان. فنحن مع فيلم زكاك الذي تزيد مدة عرضه عن الساعة ونصف الساعة أمام عمل يبدو متكاملاً فنياً وفكرياً، لن يكون من المبالغة القول أنه يكاد يبدو لمدمني وثائقيات الـ «بي بي سي» وكأنه منتم إليها. إذ خلال مدة عرضه عرف الفيلم كيف يحكي «كل شيء» من طفولة جنبلاط إلى اغتياله، من أفكاره إلى صوفيته المتأثرة بالأفكار المسيحية الصوفية وأفكار كبار المعلمين الهنود، وتوجهاته الأدبية والشعرية، من بيئته العائلية إلى بيئته الفكرية والسياسية اللاحقة التي جعلت منه واحداً من الأسماء الكبيرة في السياسة اللبنانية العربية، مروراً طبعاً بنضالاته السياسية، بما في ذلك تأسيس حزبه التقدمي الاشتراكي، وحتى العسكرية حين رأى نفسه ملزماً بهذا، عن خطأ يعترف به أو عن صواب زاد من رصيده التاريخي.

كل هذا منطقي ويكاد يكون عادياً في فيلم يتنطح للحديث عن – أو مع – رجل من طينة كمال جنبلاط ووزنه. غير أن زكاك الذي كتب سيناريو الفيلم بنفسه بعد معايشة فكرية لجنبلاط وخلال تجميعه عشرات الوثائق والشهادات والدراسات عن الرجل، لم ينس للحظة أنه سينمائي حقيقي عليه أن يظل في أجزاء كثيرة من الفيلم أميناً لسينماه التي صنعها على مدى سنوات. وكذلك لم يفته أنه وهو يشتغل على الفيلم تحضيراً وتجميعاً أنه شاب ينتمي إلى هذه البيئة وهذا المجتمع وبالتالي عليه أن يجعل من فيلمه اكتشافاً لجنبلاط، ولا سيما على الصعيد الإنساني والفكري، وكذلك عليه أن يطرح حكاية هذا الزعيم نموذجاً للأجيال الطالعة التي لا تعرف بالتأكيد عن جنبلاط إلا القليل. وهكذا، فيما كان زكاك يشتغل على فيلمه، كان من الواضح أنه يشتغل أيضاً على نفسه في مجال اكتشافه الخاص لرجل متميز، بدا معه وكأنه يجيب على ذلك السؤال الطريف الذي طرحه في فيلم «بيروت الغربية» الفتى الذي كانه المخرج زياد دويري على أخيه وهما في أحد مشاهد الفيلم يسيران في جنازة جنبلاط نفسه ويرددان شعارات تندد باغتيال السوريين له: «من هو هذا الشهيد؟» فيجيبه أخوه: لست أدري.

 

انفتاح على المستقبل

من الواضح اليوم مع فيلم هادي زكاك أن كمال جنبلاط لم يعد مجهولاً للأجيال التي ولدت بعد استشهاده. وهذا ما يدفعنا إلى القول هنا أن مزايا هذا الفيلم الرئيسية أنه فيلم يفتح على المستقبل بقدر ما يفتح على الماضي والحاضر. ومع هذا نجح زكاك في أن يتفادى اللغة التعليمية البسيطة. نجح في أن يحقق عملاً يفور بالسينما وبالقدرة على تشغيل اللغة السينمائية إلى حدود لنقل بصراحة إنها قليلاً ما وسمت السينما الوثائقية من قبل في لبنان. فهنا أمامنا سينمائي يدرك منذ البداية أنه، حتى وإن كان محكوماً بضوابط سياسية وعائلية – ومن المستحيل عادة النفاد من هذه الضوابط في مجتمعات لم تعهد أن يكون للنقد والاعتراض مكانهما حين الحديث عن الكبار - فإن في إمكانه أن يشتغل على البعد الفني لعمله ليقول ما هو مختلف ومميز وإنساني. بدا زكاك مدركاً أنه بقدر ما هو مهم جمع الوثائق والشهادات والتسجيلات القديمة، من المهم كذلك معرفة كيفية استخدام هذا كله. بكلمات أخرى: «ذاتية» هادي زكاك السينمائية تجلت، ولمصلحة الفيلم، بجعله قادراً على أن يشاهَد كعمل فني من طراز رفيع، كما لمصلحة كمال جنبلاط نفسه ومشروعه الحضاري الذي قدّم عبر الفيلم بقوة إقناع مدهشة. ومن هنا، بدت رحلات الفيلم المكوكية بين الماضي والحاضر أشبه بإعداد للقفز ناحية المستقبل. وبدا استخدام ليتموتيف سيارة المرسيدس البادئة بالفيلم ثم العائدة فيه بين الحين والآخر ككناية عن رحلة جنبلاط الأخيرة إلى الموت اغتيالاً في الطريق الجبلي، لعبة سينمائية ذكية ضافر فيها زكاك بين لغته السينمائية الخاصة ووقائع اغتيال الزعيم الراحل.

غير أن نقطة الذروة في هذا كله كانت تلك اللقاءات التي أجراها الفيلم مع عدد من الذين عرفوا جنبلاط وعايشوه بمن فيهم نجله ووريثه وليد جنبلاط. فالحقيقة أن الدقائق التي حضر فيها الابن ليتحدث عن أبيه أرتنا وليد جنبلاط مختلفاً تماماً عن صورته العامة... أرتنا حالة تأملية شكسبيرية بامتياز... وابناً يتمتع بأناقة الكلمة وقدر كبير من الطرافة والمزج المدهش بين احترام الابن لأبيه من ناحية، وتقديم نفسه في اختلافه الفكري الذي لا شك أن كمال جنبلاط كان سيكون من أوائل المعجبين به.

كان هذا كله ما ميّز بقوة فيلماً ولد – وهذه لا بد من قولها- كما يبدو واضحاً، من ذلك التوتر الخلاق الذي قام على مدى ما يقرب من ثلاث سنوات بين تاريخ ثمة من يريد الحفاظ عليه بقوة وغيرة دون أن يمسّ، وفن مبدع – فن السينما – يعرف أن مثل ذلك التوتر هو دائماً في مصلحة العمل الفني إن كان الفنان يعرف ماذا يريد أن يقول. وفي اعتقادنا أن هذا التوتر بالذات هو ما أنتج هنا عملاً سياسياً وفنياً كبيراً سيشاهد ويحب كما تشاهد الأفلام الكبيرة، ومن خلال ذلك سيعود كمال جنبلاط إلى الساحة سياسياً كبيراً أكثر مما في أي وقت مضى، وإنساناً لامعاً كما كان دائماً، من دون أي ابتعاد عن صوره العديدة التي صنعتها مكانته في السياسة اللبنانية والعربية، أو مكانته الفكرية النابعة من مرجعيات تكاد من دونه أن تنسى في أيامنا هذه، من الفكر الهندي والصوفي، إلى مبادئ تيّار دي شاردان، وصولاً إلى تبنيه أفكار وإصلاحات فؤاد شهاب ونضالات جمال عبدالناصر وغاندي.