حسين الموزاني في المنفى العراقي المزدوج

محمد مظلوم |

المنفى ضربة قوية في الظهر، وتلك الضربة إن لم تنجح في كسر ظهرك، فإنها ستدفعك للأمام حتماً، هكذا وصف الشاعر البولندي جيسواف ميووش المنفى، مستطرداً: أنا الليتواني الذي لم يفترض أن أكون ليتوانياً! لكن الروائي والمترجم العراقي حسين الموزاني، يتحدث في كتابه «أعوام الجمر والرماد - تأملات نقدية حول المنفى والثقافة والهوية الوطنية» (دار الجمل 2015) عن منفى آخر، وحين نقول منفى آخر ذلك فلأنَّ كتابه ليس نصاً تقليدياً عن المنفى، بمعنى أنه لا يرصد حياة الكاتب في المكان الآخر الذي عاش فيه لأكثر من ثلاثين عاماً، إنما هو كتابٌ عن المنفى الذهني، المنفى المزدوج، ومحاورة داخلية صعبة بصدد عدم القدرة على العودة التفاعلية مع الجماعة وحتى النخبة في الوطن، على رغم تحقُّق العودة الفعلية إلى الأرض الأولى، فكل فصول الكتاب مكتوبة بعد عام 2003، وكثير من فصوله مكتوب داخل العراق بعد عودة كان يفترض أن تنهي زمن المنفى، بيد أنَّها عقَّدته أكثر، فأصبحت المحنة مركّبة من عدم التكيُّف مع المنفى القديم، وصعوبة استعادة الوطن.

إنه كتاب يجسد الإحباط في إعادة الصلة مع الوطن، ومع الماضي الشخصي بعد زوال الأسباب السياسية التي دفعته إلى المغادرة، ويجسِّد التأمَّل في تلك الهوة بين عالمين: عالم الفرد وعالم الجماعة، بتلك الاستعارة لعبارة ريلكه: «يا لهذا العالم الذي نشيّده فينهار، ثم نشيّده ثانية فننهار نحن!»

عندما يكتب من منفاه في كولونيا «ستطأ قدماي أرض العراق، غداً ستنتهي صحراء الثلج هذه التي أطبقت عليَّ بلا!» فإنَّه لم يكن على يقين أنَّ ثمة صحراء أخرى حقيقية ستنتظره في العراق، بكل ما في الصحراء من المتاهة، والسراب، وانغراس الأقدام في رمال متحركة يصعب التملص منها بسهولة. وتحت وطأة هذا اليقين المستجدّ يكتب من بغداد بعد أسبوعين فقط متهيئاً للعودة إلى صحرائه البيضاء!: «غداً يوم الرحيل، وثمة دلالات تشير إلى أنه سيكون الرحيل الأخير، لقد نفضت يدي من جنازة الماضي، ماضيَّ أنا، ودفنته».

هاتان العبارتان المكتوبتان من مكانين مختلفين تلخِّصان إلى حد كبير المحنة التي يعيشها والمنفى المزدوج بين صحراءين! وإن اختلفت ألوانهما، إذ يترنح بينهما الماضي الشخصي بين الهيبة والهباء، فيفشل في حل اللغز في تلك الحبكة الغامضة من الماضي والمتعلقة بقصة زواج والديه! الأم تستغرب من أسئلة الروائي الذي يسعى إلى كتابة رواية سيروية، بينما تبقى تلك الحبكة الغامضة من الماضي العائلي غامضة وغير متاحة لكتابة سيرة.

إنه الماضي الذي لا يمكن دفنه حقاً، ولا يمكن استعادته كذلك! فهو ليس جثة، لكنَّه صيحة العنقاء في الذات تتجدَّد عند كل حافز صغير في اليوميات التي يعيشها. هو داء لا شفاء منه ولعنة دائمة، ولهذا سيعود الموزاني مرة أخرى للعراق، ومرات متعدَّدة للكتابة عنه مستعيداً أملاً ما، بنزعة سيزيفية هذه المرة ومستعيراً تتمة عبارة ريلكه أمام انهيار العالم من حوله: «سأواصل أنا عملية البناء حتى الرمق الأخير»

الوطن المضاع

في التاريخ الثقافي والاجتماعي الإنساني، كان المنفيون يشحنون الثقافة والمحيط الاجتماعي الذي اضطروا للعيش فيه بجرعات أخرى، الأمر الذي أوجد حالة من الهجنة الضرورية في الحياة الاجتماعية، والخلاسة الإيجابية في الثقافة الإنسانية، وهو ما حاوله الموزاني طيلة إقامته الألمانية الممتدَّة لأكثر من ثلاثة عقود. كان ذا شكيمة قوية لهدم المنفى من أجل التكيُّف مع عالم جديد، فصاهر الألمان، وكتب أعمالاً أدبية بلغتهم، وترجم لكبار كتابهم. لكن اللغة ليست بلاغة ونحواً وتواصلاً خارجياً فحسب، إنها حياة أخرى وعالم مختلف وتجربة كيانية، ولهذا فلا يمكن اللغة وحدها أن تردم خريطة المنفى في أعماق الإنسان. ومن هنا نلمس ذلك القلق الدائم في الهوية لدى حسين الموزاني: «لقد تأصّل المنفى في روحي وجسدي واستحال إلى مادة صلبة من الزمن الداخلي التدميري لدرجة أنني لم أعد أطيق العيش في جنتي الألمانية».

قلق الهوية، في تأملات صاحب «اعترافات تاجر اللحوم» ليس مصدره من عدم نجاحه في خلق وطن بديل، وإنما يترشَّح من ذلك السؤال المرير الذي يتكرر في فصول الكتاب حول ما إذا كان الوطن الأصلي «العراق» وطناً حقاً! فهو اليوم يتفكَّك لمصلحة جماعات عشائرية ومناطقية وطائفية. على أن أخطر ما في هذا التفكك هو الانقسام الطائفي، إذ يلاحظ أن ألمانيا التي استطاعت تجاوز آثار حربين عالميتين مدمرتين وتمكَّنت من هدم الجدار بين شطريها، وإلغاء تقسيم المجتمع أيديولوجيا إلى رأسمالي واشتراكي، لم تنجح تماماً حتى الآن في تجاوز الانقسام المذهبي الكاثوليكي البروتستانتي الذي ما زالت خلافاته الكنسية تتمظهر في حالة نزاع تاريخي على أراضٍ مذهبية!

وبجرأة واضحة يتصدَّى الموزاني لنقد الفساد المستشري في اللحظة الثقافية في العراق، وخراب الضمير الاجتماعي، نقداً أقرب للمحاكمة والإدانة بعيداً من الرومنطيقية الوطنية، رغم أنه مسكونٌ بها حدَّ الوجع ومن هنا مرارة تلك الجرأة في النقد الذي يطاول الشخصي والحميمي من الحاضر والأحلام فكثيراً ما تغدو الأناشيد الرومنطيقية عن الوطن نوعاً من الخيانة عندما لا تتمَّ مراجعتها بموضوعية. فالشعر في العراق في أفول، وتلك أهم علامات الاحتضار الثقافي، والسياسة أكذوبة، والوطن هو اللا وطن، والطائفية هي الهوية الثقافية لمثقفي العراق الآن، والمرجعيات الدينية حلَّت بديلاً من مؤسسات الدولة. وتحولت مقرَّات حزب البعث إلى حسينيات، ومساجد، ومنابر للفتنة، بينما تلتبس صورة بغداد بين تاريخها وراهنها: « بغداد مدينة الفن والحب والخمر، وبغداد مدينة النار والدماء والرماد».

نبرة الاعتراف والعار الشخصي

تجتمع في الكتاب اليوميات والمشاهدات ويتداخل التحليل بالالتقاطات الصحافية الميدانية، فتغدو بها عينُ العائد عينَ غريب مسافر، وهو يبحث عن ذكرياته تحت ركام من التحولات، وثمة لغة سردية تبدو أحياناً مادة أولية لعمل روائي، فيغوص في التحليل، والبحث عن الظلال الأخرى الغائبة لدى الشخصيات التي يرسمها، تشمل تلك الشخصيات النخبة السياسية والدينية والثقافية، إلى جانب الشخصيات الهامشية في القاع، فيبدو مهتماً أكثر في تصويت أفكار هذه الفئة بوصفها الأكثر صلة بالواقع الحالي، والأكثر صدقاً في رواية الحكاية، بعيداً من لغة التزويق التي تتلطى خلفها النخبة لتجميل الخبر وتأويل الحكاية. وحسين الموزاني من الكتاب القلائل الذين يمتلكون الجرأة على مراجعة الذات، ليقول إنه كان مؤيداً لإسقاط النظام عسكرياً، ولأنه لم يكن مجرد إسقاط أو تغيير إذ سيواجه احتلالاً وتخريباً للبلاد التي حلم بالعودة إليها، فإن تلك الصور المفجعة كافية ليقول: ليس هذا ما كنت أريده لبلادي! وبنبرة اعتراف مريرة يضيف: « ليتني لم اتخذ ذلك الموقف المؤيد لإسقاط النظام عسكرياً» لكن هذه المكاشفة مع الذات لا يمكن أن يجري تأويلها لجانب آخر، فهي تخصُّ لحظة الخراب الحالية، من دون أن تبرّر ذلك الخراب الذي تركته الدكتاتورية في العراق، بل إنه يرى فيه خراباً متسلسلاً، مرتبطاً بتاريخ من النكبات، وبإرث لا يستهان به من الاستبداد والعنف في أرض السواد. وبالنبرة ذاتها ينتقد النفاق الثقافي، والنزعة الحرباوية في محفل المثقفين، فيقارب ثنائية الداخل الخارج، بوصفها معضلة حقيقية إذ يبدو المنفيون غير مرحب بهم من زملائهم في الداخل، لأن هؤلاء كما يقول « لا يريدون من يذكِّرُهم بعارهم الشخصي» وهي حكاية تكرّرت في ألمانيا بعد سقوط النازية. لذلك تعرّض المنفيون للإقصاء الثقافي مرة أخرى، لكن هذه المرة ليس من النظام السياسي وحده، وإنما من زملائهم المثقفين كذلك، فجرى منعهم من المشاركة في الحياة الثقافية وإعادة بناء الثقافة من جديد.