الأذان من آياصوفيا آخر أوراق حكومة داود أوغلو

أنقرة – يوسف الشريف |

قبل أسبوع من توجُّه الناخبين الأتراك إلى صناديق الاقتراع، يبدو أن الرئيس رجب طيب أردوغان يواجه أوقاتاً صعبة وحرجة، فمصيره معلّق بنتائجها، على رغم أنه ليس زعيماً لحزب سياسي وخارج ساحة المنافسة، بموجب الدستور على الأقل. فحكومة حزب العدالة والتنمية الموالية له أمام تهديد قوي بخسارة احتكارها السلطة الذي امتد ثلاث عشرة سنة، وفي أفضل التوقعات الحالية، ولو بقيت منفردة بالحكم، فإن الغالبية التي ستحصل عليها لن تساعد أردوغان في تغيير الدستور وتحقيق حلمه بنظام رئاسي واسع الصلاحيات. لذا فإن العبارة الأكثر ترديداً على ألسنة نواب الحزب الحاكم أمام عدسات الكاميرات، هي «توقُّع مفاجأة تقلُب كل التوقعات وتعيد الود» الذي كان بين الناخب وحزب العدالة والتنمية.

الأدهى أن بعض المحلّلين الموالين بدأ يشير بخجل في كتاباته إلى أن سبب تراجع شعبية الحزب الحاكم هو سياسة أردوغان، وتدخُّله في شكل مباشر في الحملة الانتخابية للحزب، والأهم تجميده عملية السلام الكردية التي أفقدَتْه جزءاً مهماً من أصوات الأكراد، واعتماده أكثر على التيار الإسلامي الذي بدأ هو أيضاً يعود إلى حزب السعادة، وريث حزب الرفاه الذي أسّسه الراحل نجم الدين أربكان.

كاريزما أردوغان التي كانت من أهم أسباب شعبيته القوية، تواجه اليوم تحدِّياً يعتبر سابقة، من جانب «روبن هود» السياسة التركية، زعيم حزب الشعوب الديموقراطية صلاح الدين دميرطاش، ومعنى اسمه بالعربية «الصخرة الحديد». فما يتمتع به هذا الشاب الكردي من بديهة حاضرة وحظوة في الشارع، يرفع أصوات حزبه من 7 الى 12 في المئة خلال أشهر قليلة وفق آخر استطلاعات للرأي، وبات وصول حزبه الى البرلمان المهدِّد الأكبر للحكومة، ودخل الساحة السياسية مَنْ يستطيع أن يجاري أردوغان في خطاباته النارية، وذكائه السياسي.

وبينما يصارع الرئيس التركي اتهامات بالفساد والتسلُّط و»تهريب السلاح إلى مقاتلين في سورية»، وسّع دميرطاش قاعدته الشعبية من خلال الخروج من الثوب الكردي الضيق، ليخاطب عقول كثر من اليسار واليمين وقلوبهم، بتواضعه وظُرفه، ورفع شعار «مظلومية الأقليات في تركيا». وهو لا يزعجه لقب «روبن هود» بل يفخر به، مستغلاً الاتهامات الموجّهة إلى الحكومة وأردوغان بالإسراف والتبذير، في وقت يئن الاقتصاد التركي.

لعل هذا المشهد دفع بأردوغان والحزب الحاكم إلى استخدام آخر ورقة انتخابية، من خلال الترويج لمشروع تحويل آياصوفيا مجدداً إلى مسجد، لاستعادة أصوات الإسلاميين العاتبين الذين أزعجتهم أخبار الإسراف واتهامات الفساد، والمستائين من العمل لتصفية تيار إسلامي شقيق بحجة الخلاف السياسي مع زعيمه فتح الله غولن. فانتشر فيديو لحملة الحكومة الانتخابية، يصوِّر مؤذِّناً يصدح بالأذان من على منارة آياصوفيا، ليذكّر الناخبين بوعد أردوغان القديم بتحويل أكبر كنيسة في اسطنبول إلى مسجد مجدداً. وكان السلطان محمد الفاتح حوّلها الى مسجد، قبل أن يُصدِر مصطفى كمال أتاتورك قراراً بتحويلها الى متحف.

وتبدو الانتخابات مصيرية لأردوغان ليس فقط من أجل حلم النظام الرئاسي، بل كذلك لأن سقوط حكومته يعني فضح الكثير من المستور، ووصول أيدٍ متربّصة من المعارضة الى أسرار ثلاث عشرة سنة، من تقارير مالية وأوامر سرية للاستخبارات والخارجية، بل حتى القضاء... ما يعني بداية صداع مرير قد لا تصمد أمامه مسيرة أردوغان السياسية بكل نجاحاتها.