الحبّ في أرض الفلاسفة شقاء ونعيم ... وحرية

موريس أبو ناضر |

تحمل كلمة حب معاني عدة، نخلط بينها تارة، ونميّز بعضها عن بعضها طوراً، فهناك الحب الحالم بالذوبان في الحبيب، وهناك الحب الّذي يخالطه الشعور بالنقص لفقدان الحبيب، وهناك الحب الذي يشتعل شوقاً لمرأى الحبيب، وهناك الحب المجنون (حب قيس لليلى وروميو لجوليات)، والحب المنبثق عن الصداقة، والحب النابع من أعمال الخير. والحب ليس فرحاً كما يقول سبينوزا، وإنما أوجاع كثيرة وفق قول أفلاطون.

ومع كون الحبّ الظرف القدري للسعادة عند غالبية البشر، والعنـــصر الدائم الاستيحاء في كل أنـــواع الشعر، والدراما الأدبية، فإن الفــلاسفة اقتربوا من موضوعه بتحــفظّ، يشبه تحفظ من يدخل إلى قفص الأسد، ويخشى أن يؤكل حيّاً، كمـــا تقــــول الكاتبة الفرنسية مارليـــن حاموشي في كتابها «الحب المســتحيل». ونظروا إليه بكثير مـــن التعقّل، لأنهم مشغولون بتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية، فـــي حين يؤدّي الحب إلى استعباد الحبيب لحبيبته، واستعباد الحبيبة لحبيبها. وقد عبّر الفلاسفة اليونان ومن جاء بعدهم، عن هذا التوجّه مـــن خلال تيارين: تيار يمجّد الحب مع أفلاطون وروسو، والتيار الثاني يحقّر الحب، ويعتبره خطراً، وإساءة لاستقلالية الإنسان، وحريته مع اريستوفان وشوبنهاور.

في كتاب الفرنسيتين ماري لومونييه وأود لانسولان «الفلاسفة والحب» الذي ترجمته عن الفرنسية دينا مندور، وصادر عن دار «التنوير»، طرح لإشكالية الحبّ في بعديها النظري والتطبيقي، كما عاشته، وكتبت عنه مجموعة من الفلاسفة هم أفلاطون، ولوكريس، ومونتين، وروسو، وكيركيغارد ونيتشه، والثنائي هيدغر وأرندت، سارتر وبوفوار.

تاريخياً، يعتبر كتاب أفلاطون «المأدبة» الكتاب المؤسّس لرؤية الثقافة الغربية إلى الحب طوال القرون الماضية، وقد لاحظ المحلّل النفسي جاك لاكان، أنه لم يظهر أي أثر أدبي أو فلسفي أعطى تصوّراً لموضوع الحب من دون الاستعانة بهذا الكتاب، واعتباره مصدراً يستند إليه في فهم هذه العاطفة الإنسانية وتطوّرها.

تصف «المأدبة» جلسة جماعية شارك في إحيائها سقراط والشاعر أريستوفان، وتحدّث فيها الاثنان عن الحب. سقراط اعتبر أنه أمسك بحقيقة الحب من خلال علاقته بكسانتيب، أما أريستوفان فرأى أن الإنسان في الأصل كان فلكاً، لكنّ غضب الآلهة الإغريقية عليه شطره إلى نصفين، رجلاً وامرأة، فأخذ كل واحد يبحث عن نصفه الآخر ليتحد معه، عبر تبادل القبل والاحتضان. وهكذا فإن الحب كما يرى اريستوفان ما هو إلا محاولة ذوبان الحبيب في الحبيبة، والتعويض عن الانشطار إلى نصفين بالبحث عن توأم الروح، أي الحبيبة. أما سقراط الذي نقل كلامه أفلاطون، فيعتبر أن الحب رغبة في الوصول إلى الآخر الذي يسكن عالم المثل، حيث الخصوبة الروحية للحب، وحيث الحب الأفلاطوني.

يؤكّد الفيلسوف اليوناني أبيقور ملهم الشاعر الإيطالي لوكريس «أن اللذة المنبعثة من الحب ليست أمراً سيّئاً، ولكن السيئ هم الذين يفتّشون عن المشاكل بدل تفتيشهم عن اللذة». بعد قرنين من هذا القول، يطبق لوكريس مفاهيم أستاذه أبيقور في قصيدة فلسفية يتحدّث فيها عن قتامة الغرام وجراحه، وعن لذة الحبّ التي لا تدوم سوى لحظات، مضيفاً: «عندما يمتلك العاشق عشيقته، لا شيء يهدّئ من لوعته العميقة، بل على العكس تماماً يشعر بالتشوّش الجنسي والعاطفي اللذين يضيّقان الخناق عليه، فيرتبط بعشيقته ارتباطاً لا فكاك منه، ويعيش حالة نهم غير محدود، ثم إن العاشقين لا تشبع عيونهما من النظرات المتولّهة، ولا تقوى أيديهما على الابتعاد عن ملامسة الأجزاء الحميمة».

قد يكون الفيلسوف الفرنسي مونتين، بعد أبيقور هو من أوضح فلسفة المتعة. فقد رأى أن الموت يمنح للوجود طعماً، وكذلك المحدودية التي يتميّز بها العقل الإنساني. من هنا كان على الإنسان أن يتمتّع أكثر وأكثر بالحياة، أي أن نحب ونعيش «في التوّ واللحظة». والحب كما يحدّده مونتين ليس سوى «إثارة يقظة، وشعور متعطّش للواحد إزاء الآخر». ثم يوضح معنى التمتّع بقوله «التمتّع بكل أشكاله هو خير طالما لا يقيّد الحرية، والاستقلالية، وامتلاك الإنسان لذاته».

يعتبر الفيلسوف الألماني شوبنهاور أن الحياة كبندول الساعة تتحرّك يمنة ويسرة من المعاناة إلى الملل، ومن الملل إلى المعاناة. لذلك كل إنسان صادق لا بدّ أن يقبل، أن ما من فرصة للمتعة الدائمة بين هاتين الحالتين من الشقاء، حتى وإن بدا الحب نقياً مزيّناً بالنزعة الشاعرية، فجذوره تتأصّل في الغريزة الجنسية. فالحبيبان اللذان يعيشان معاً، يظنّان أنهما يتصرّفان وفقاً للوهم العاطفي، وللجاذبية المتبادلة، ويهدفان إلى الإشباع الشخصي، بينما في الواقع هما خاضعان لعادات القطيع. وكما كره شوبنهاور الحب كره المرأة، فهي عنده «كائن تافه ومنافق جنسياً... تضع يدها على مجنون مسكين، ليتكفّل برعاية الأطفال الذين ستنجبهم رغماً عنه».

على العكس من شوبنهاور، يرى الفيلسوف الألماني نيتشه في الحب قوة مجدّدة لكل أنواع الإبداع، فيما الزواج برأيه مقبرة للعاشق، حيث تحوك العادات حوله شبكة من الأسلاك التي تزداد ضيقاً يوماً بعد يوم، ثم لا تلبث أن تتحوّل إلى بحيرات، فيما يبقى هو غارقاً في وسطها، مثل عنكبوت تشبّكت خيوطه وبات عليه التغذّي من دمه. ويضيف نيتشه مفسراً الارتباط الزواجي بقوله: «لا نستطيع أن نحذف الحب، لكنّ الكنيسة تريد تعقيمه بالزواج، وهي حيلة دينية تجعل الناس يعتقدون، أن بإمكانهم حبس الحب داخل مؤسسة الزواج، وحفظه في مكان جاف ودافئ كي يعيش مدى الحياة».

في بداية القرن العشرين وفي منتصفه قصتا حب شغلتا الناس لأنهما بين زوجين فيلسوفين، فيما كانت الفلسفة محصورة بالرجال، وكان هؤلاء هم المتحدثون عن الحب في فشله ونجاحه، والمنظّرون لمبادئه وتجاربه. القصة الأولى تتعلّق بالفيلسوف الألماني هايدغر وعشيقته حنة أرندت، والثانية تخصّ الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر وحبيبته سيمون دوبوفوار.

عاش مارتن هايدغر مغامرة عاطفية مكثّفة مع حنة أرندت التي كانت تلميذته في جامعة ماربروج. أما هو فحين تحدّث عن هذه العلاقة، قال عنها إنها الأكثر ملاءمة لحياته، واعـترف أن حنّة كانت ملهمته، وكانت تبثّ «الفكر العاطفي» في كتاباته. قبل ظهور كتابه «الكينونة والزمان» كتب هايدغر إلى حنة أرندت هذه الكلمات: «أتعرفين أن من يقع فريسة الحب لا حماية له، بينما الذي يقع في بقية الأشياء الصعبة، فهناك طرق ومخابئ يحتمي بها. أما حنة فكتبت ما يشبه ما كتبه هايدغر «لا شيء يقودنا إلى قلب العالم النابض حقاً ومؤكداً أكثر من الحب».

عاش هايدغر وحنّة عشيقين في السرّ، كان يكبرها سبعة عشر عاماً، وكان متزوجاً ولديه طفلان، بينما هي طالبة تبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً. كانت التساؤلات حول فارق العمر لا تعنيه، فالحب لم يترك لهما خياراً كما يقول «سوى أن ينفتح كل منّا على الآخر، وأن تترك الأمور تسير على ما هي عليه «، وأضاف: «فلندع الموجود يوجد» أي أن يترك كل منّا الآخر ليكون ما هو عليه بحرية.

القصة الثانية تخص الثنائي سارتر– دوبوفوار»عاشقي مقهى فلور» كما كان يقال عنهما، فقد نجوَا من التآكل التقليدي الذي يوصل إليه الروتين اليومي عند المتزوجين. «زوج من الكلمات والأفكار المتبادلة» تلك كانت العبارة التي كتبتها دوبوفوار عن طيب خاطر لمعجبة شابة، كانت تبحث عن فهم مغزى علاقتها بسارتر. ذلك أن العلاقة التي كانت تجمع بين الاثنين كانت علاقة عقلية بحتة. إخلاص صلب لا يخلو من حنان جارف بالتأكيد. أما الجنس والحرارة والوساوس والدموع، فكانت مع الآخرين. منذ البداية وضع سارتر ودوبوفوار الاتفاق الشهير الذي يقضي بالحرية الجنسية والعاطفية. وقد عبّر عن ذلك سارتر بقوله «الرجل العظيم» عليه أن يحافظ على نفسه حرّاً.