تجاوزات وانفلات أمني في إدلب... وتظاهرات تدين فساد الفصائل

تظاهرة ضد «جيش الفتح» في ادلب دمار في المدينة (الحياة)
هنادي الخطيب |

لا تغيب إدلب عن الأخبار اليومية، وتتلاعب الإشاعات والتخمينات بأحداثها، وهي وإن كانت المدينة الأولى التي أُخرج منها النظام بالقوة، فإنها بالتأكيد لا تعيش أفضل أيامها.

أثناء كتابة التحقيق، انتشر خبر مفاده أن «جبهة النصرة» و «جند الأقصى» وهما فصيلان في جيش الفتح الذي يدير إدلب اليوم، هاجما مراكز «الشرطة الحرة» التابعة للهيئة الشرعية والمحكمة الشرعية في كفر نبل في ريف إدلب، وفرضا طوقاً حول المنطقة، وتم اعتقال كل الموجودين في المركز، وبالطبع تمت مصادرة السيارات والدراجات النارية التابعة للشرطة والمحكمة الشرعية، وسرعان ما أصدرت «النصرة» توضيحا حول مداهمة مخافر كفر نبل وكفر سجنة وخان شيخون بأن سبب المداهمة والاعتقالات هو «الفساد المستشري في هذه المخافر من خلال الإتاوات والابتزاز بالمال»، وأضافت أنه تم أخذ تعهدات ممن تم اعتقالهم، ومن ثم إطلاق سراحهم.

إطلاق السراح صحيح بعد أن تواصلنا مع أحد النشطاء الإعلاميين في كفر نبل، أما التعهدات فهي أمر خاضع للشك وفق الناشط «أحمد»، إذ قال أنه تم إطلاق سراحهم من دون أي سؤال، ما يعني من دون تحقيق ولا توقيع.

 

تظاهرات وشبهات فساد

تسربت أخبار التظاهرات في مدينة إدلب، ونقل بعض الإعلام أن التظاهرات ضد «جبهة النصرة»، لكن الحقيقة أن التظاهرات التي خرجت حملت مطالب محددة، وتوجهت إلى جيش الفتح كله وليس إلى فصيل محدد كما أكد «ب. الحسين» أحد أهم منظمي تلك التظاهرات. وفق الحسين: «بدأنا التظاهرات ضد تصرفات مجلس الشورى لجيش الفتح والفشل الإداري في البداية، إضافة إلى التهاون الكبير مع المتعاملين مع النظام. مجلس الشورى كان يتكون من أشخاص من كل فصائل جيش الفتح، وعلى اعتبار أنه في بداية التحرير كان كل مندوب فصيل همه فصيله وليس المدينة، أصبحت مصالح الفصائل تغلب على مصلحة المدينة، ما جعل السيطرة وضبط الأمور الأمنية بالمرتبة الثانية بالنسبة للفتح، وسرعان ما أصبح مصطلح الغنائم واسعاً جداً، خصوصاً أنه لم تكن ثمة ثوابت لتحديد مصطلح الغنيمة». ويضيف الحسين أن مطالب المتظاهرين كانت «وقف سرقات الدوائر الحكومية، وإدارة مدنية للمدينة وتسهيل شروط عمل المنظمات، إضافة إلى إعادة فتح ملفات الشبيحة».

عبدالرحمن أبو الهوس «أمير من جبهة النصرة في إدلب» لم ينكر الأخطاء التي حصلت في بداية التحرير، ويقول «مرت البلد بحالة من الفوضى بسبب نزوح ا?هالي، وحدث بعض السرقات، إضافة إلى بعض الأخطاء من جانب جيش الفتح، إضافة إلى غياب الخدمات الأساسية بسبب الحرب مع النظام»، وأشار الهوس أيضاً إلى غلاء الأسعار اللامعقول، وأزمة الوقود، وقال أن «الناس ما عندها صبر». وعن الشبيحة قال الهوس أنهم يتبعون قاعدة شرعية تتلخص بأن من يسلم نفسه من الشبيحة أو العساكر ويعترف بأفعاله تخفف العقوبة عنه، وختم هذه النقطة بقوله: «لا ننكر حصول بعض التجاوزات، لكن إرضاء الناس غاية لا تدرك».

الناشط والإعلامي «محمد»، والذي طلب عدم ذكر اسمه كاملاً، قال: «إن أهل مدينة إدلب لم يسكتوا عن التجاوزات كما فعلنا نحن أهل الريف»، ووفق كلام محمد، فإنه «بعد التحرير تم اقتسام المدينة لقطاعات بين الفصائل بهدف معلن هو الحماية، لكن ما حدث أنه بدأت عمليات سرقة للمؤسسات الحكومية وأجهزتها». ويضيف أن «الكلام عن إدارة مدنية، كان كلاماً في الهواء، لأن التنظيمات لا تعرف معنى إدارة مدنية، وضغط الحياة بالمدينة أقسى من الريف، ما جعل المدينة تتحرك قبل الريف».

الجميع يقول أن ثمة سرقات حدثت، وأن ثمة تجاوزات، ويبدو ذلك طبيعياً بالنسبة إلى فصائل مقاتلة وجدت نفسها أمام إدارة مدنية، أما ما هو غريب فهو حجم السرقات التي تم الحديث عنها، إذ تسابق البعض لتعداد السرقات واتهم جيش الفتح بسرقة أجهزة المستشفيات والمؤسسات الحكومية والمنازل وحارات المسيحيين، لكن «يزن.خ» وهو شاب مدني يعيش في مدينة إدلب منذ تحريرها قال أن السرقات التي حدثت بسيطة مقارنة بـ «التعفيش» الذي حدث في حلب مثلاً، إذ حدث بعض السرقات ضمن المنازل التي تركها أصحابها ونزحوا من المدينة، أما عن أجهزة المؤسسات الحكومية فقد تم فك بعض أجهزة المستشفى الوطني وإرسالها إلى المستشفيات الميدانية في الريف، مثل جهاز غسيل الكلية الذي تم وضعه في مستشفى سلقين في الريف. ووافق على كلام يزن «رائد» وهو إعلامي من إدلب، وأضاف أن عناصر الهلال الأحمر موجودين في فندق الكارلتون تحت حماية جيش الفتح، وأن الهلال الأحمر متروك على الحياد حتى الآن.

السؤال الذي يتبادر للذهن هو عن قمع أو عدم قمع تلك التظاهرات. القمع لم يحدث وفق أحد المنظمين، لكنه قال أنهم تلقوا بعض التهديدات على صفحاتهم في الـ «فايسبوك»، ويعتقد أنهم من عناصر جند الأقصى، إضافة إلى محاولة بعض عناصرهم تخريب التظاهرات واتهام منظميها بالكفر والردة، وأضاف «أن تلك التهديدات قد تكون جدية، لكن الأهم بالنسبة لهم «كمتظاهرين» أن جيش الفتح أظهر تجاوباً معهم، وطلب منهم مجلس إدارة المدينة اللقاء للتباحث بالأخطاء، وأن الهدف هو إيصال رسالة مفادها أن الشعب الذي لم يسكت عن بشار الأسد ولم يخف منه لن يسكت على أي فصيل أو إدارة مدنية أو عسكرية يمكن أن تتحكم بالناس وتظلمهم».

عن البنك المركزي قال أبو عكرمة من «أحرار الشام» أنهم عندما دخلوا إلى البنك وجدوه فارغاً تقريباً، وأغلب الظن أن النظام أفرغه قبل أن يخرج من المدينة، وجدير بالذكر هنا أن اتهامات كثيرة طاولت جيش الفتح بسبب البنك، وأكد الصحافي رائد كلام أبو عكرمة، وقال أنه عرف من أحد أعضاء اللجنة بعد دخولها البنك أنه ما من أموال داخل البنك، وأنهم وجدوا 11000 ليرة سورية أي أقل من 40 دولاراً تقريباً.

 

جيش محمد

ثمة فصيلان ضمن جيش الفتح يثار حولهما الكثير من اللغط، وهما جيش محمد وجند الأقصى. جيش محمد ووفق الحسين الناشط وأحد منظمي التظاهرات ضد الفتح، نقض العهد مع الفتح، وقام بعمليات سرقة كبيرة، والأهم أنه تصرف في المدينة على أساس أنه منفصل ومستقل عن الفتح، وارتكب تجاوزات في حارات المسيحيين، حيث هاجم المسيحيين وطلب منهم إعلان الإسلام بطريقة منافية للإسلام، وقتل منهم من دون دليل، وأضاف الحسين أن غالبية عناصر جيش محمد ليست من السوريين.

وأردف الصحافي وابن إدلب «رائد» أنه سمع بفصل جيش محمد عن جيش الفتح لارتكابه التجاوزات التي لم يعد بالمستطاع السكوت عنها، وأيد الحسين في كلامه حول تهديد المسيحيين ومحاولة إجبارهم على إعلان الإسلام لولا تدخل بعض العناصر من «أحرار الشام والنصرة» في واحدة من تلك الحوادث.

عبدالرحمن أبو الهوس (جبهة النصرة) قال: «جيش محمد يحمل الكثير من الأفكار الداعشية وهو ارتكب تجاوزات، لكن جيش الفتح لم يتخذ حتى الآن أي قرار نهائي في شأنه».

الفصيل الثاني هو جند الأقصى، والذي يتوقع أن يبايع «داعش»، إذ إن معظم عناصره ليسوا سوريين.

 

إقامة الحدود

كلما ذكرت جبهة النصرة كثر الحديث عن إقامة الحدود، خصوصاً أننا سبق أن أجرينا حواراً موسعاً مع أحد أمراء الجبهة، وقال بوضوح حينذاك أن الشريعة هي التي ستحكم إدلب.

حول إقامة الحدود اختلف الحديث بين الريف والمدينة، إذ قال أبو عكرمة «من أحرار الشام» أنه لم تتم إقامة حدود، بل قام جيش الفتح بتنفيذ إعدامات في الشوارع لبعض الشبيحة ليرى الشعب أن الشبيحة لن تهرب من العقاب، إضافة إلى بعض الحدود كالجلد كعقاب على الكفر».

ووفق جبهة النصرة على لسان الهوس، فإن «النصرة أو غيرها لا تنفذ أي حكم قضائي وشرعي إلا بموافقة محكمة جيش الفتح، وبالنسبة إلى بعض الأحكام التي تقيمها النصرة على الشبيحة واللصوص والمفسدين تكون جميعها بموافقة لجنة جيش الفتح الشرعية، والأمر مضبوط في إدلب من هذه الناحية».

لكن محمد يرى «أن جبهة النصرة لم تضع يدها على المناطق في شكل محكم، ولم تفرض محاسبات مثل داعش، وهكذا انتشرت العصابات والسرقة والتصفيات الشـــخصية، وبالنسبة إلى الفصائل الأخرى فدخلت في حالة انفلات تام، واستفاد الجميع من حالة الفلتان هذه في ما يخص التصفيات والسرقات»، وأردف: «ثمة حالة انغلاق من النصرة على ذاتها وابتعاد عن الناس». وقال أنه تم تنفيذ حد على شخص بتهمة الكفر في واحدة من القرى علناً في الشارع وفي شكل مفاجئ من دون مراعاة للناس.

 

وساطات ورشاوى

ثمة شرخ كبير بين الريف والمدينة في سورية، ظهر في شكل متفاوت في المحافظات، وبعد بدء الثورة بدأ ذلك الشرخ بالتأثير والظهور أكثر فأكثر، فتحول الريف «بنظر المدينة» إلى مخرب لانضمامه إلى الثورة سريعاً مقارنة بأهل المدن، وتحولت المدينة من وجهة نظر أهل الريف إلى مخزن للشبيحة ولعملاء النظام.

في إدلب «حالياً»، تمثل ذلك إلى حد كبير بظهور الوساطات والرشاوى داخل جيش الفتح لمصلحة أهل الريف وفق ما شرح الناشط والإعلامي «محمد» الذي ينتمي إلى الريف الإدلبي، وقال أنهم سمعوا بـ «وساطات ورشاوى» لدى معظم الفصائل.

وقال الحسين أن من أحد أسباب تظاهراتهم الإفراج عن بعض الشبيحة، وهو ما يشكل خطراً عليهم وعلى المدينة، وأن التظاهرات طالبت بإعادة محاكمتهم وعدم الاكتفاء بالتوبة أو بالاعتراف نظراً إلى ما تسببوا به من موت كثير من أبناء المدينة، وتابع الحسين أنه تم إطلاق سراح شبيحة لأسباب مختلفة منها واسطات، ومنها أنه لم يثبت تورطهم بالقتل، وأسباب أخرى لها علاقة بالفساد الأمني.

رائد أضاف إلى المعلومات السابقة أن الوساطات لعبت دور في تلك الإفراجات خصوصاً من طرف الريف، إذ تدخل بعض القادة في الفصائل للإفراج عن بعض أقربائهم من الشبيحة.

«النصرة» قالت أنه حدثت بعض التجاوزات في هذا الموضوع، لكن قاعدتهم في الموضوع تخفيف العقوبة في حال الاعتراف.

 

تجربة أولى

ومن أهم الاتهامات التي طاولت جيش الفتح، سرقة متحف المدينة. قال البعض أن المتحف تمت سرقته، ولكن وفق أبو عكرمة من أحرار الشام، فإنهم عندما دخلوا إلى المتحف في بداية التحرير لم يعثروا على أي آثار فظنوا أنه فارغ ولم يعيروه اهتماماً، ولكن سقوط صاروخ فوقه من النظام وانهيار المكان الذي تمت تخبئة بعض الآثار فيه أظهراها، وبالفعل وبسبب العشوائية تمت سرقة بعض القطع التي خرجت سليمة من القصف.

وقال عبدالرحمن أبو الهوس أن جيش الفتح شــكل قوة تنفيــذية وسلطة أمنية، وأن النصرة وضعت ثقلها في ضبط البلد وأشار إلى صعوبة الأمر بسبب صعوبة ضبط العناصر المسلحة المسيئة من الفصائل كافة، وعن المتحف قال أبو الهوس أنه بالفعل حدثت سرقة فيه، وتم تشكيل لجنة من جيش الفتح للتحقيق بالموضوع.

 

 

* صحافية سورية