باتريشا كرون (1945-2015): أفول منهج «التنقيحية»

عصام عيدو |

في الحادي عشر من هذا الشهر غيّب الموت بعد صراع طويل مع مرض السرطان الباحثة المتخصصة في تاريخ الإسلام المبكر باتريشا كرون، والتي عملت قرابة سبع عشرة سنة

(1997-2014) أستاذة فخرية في قسم الدراسات التاريخية التابع لمعهد الدراسات المتقدمة في جامعة برينستون الأميركية. كرون الدنماركية الأصل والتي انتقلت بعد ذلك إلى باريس لتتعلم الفرنسية ومن ثم إلى لندن لتدرس في «الكلية الملكية» التاريخ الأوروبي في القرون الوسطى وبخاصة علاقات الكنيسة بالدولة، تحولت بعد ذلك إلى جامعة سواس SOAS البريطانية لتبدأ رحلتها مع الدراسات الإسلامية واللغة العربية والفارسية والسريانية ولتنال درجة الدكتوراه سنة 1974 عن أطروحتها المعنونة بـ «الموالي في الفترة الأموية» بإشراف المستشرق المعروف برنارد لويس.

في عام 1977 أنهت بمشاركة المستشرق مايكل كوك أطروحتها الشهيرة «الهاجرية» والتي بقيت مثيرة للجدل لعدة عقود. كان غرض كتاب «الهاجرية» هو الغوص في تاريخ الإسلام المبكر من خلال الروايات المعاصرة لحياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والمكتوبة باللغات الأخرى كاليونانية والسريانية والأرمنية والفارسية والآرامية والقبطية. حاولت هي وكوك فحص كل الروايات المحفوظة التي تتعلق بشكل وصورة القوة العسكرية العظيمة التي شكلتها المصادر عن القبائل العربية.

بُعَيدَ نشرهذا الكتاب - والذي سبّب موجة كبيرة من الجدل بين مراجعي الكتاب وباحثي الدراسات الإسلامية في الغرب - أُطْلِق على الباحثين كرون وكوك لقب «المراجعين» أو«المنقحين» Revisionist كون الكتاب أسَّس لمراجعة وتنقيح السياق والتاريخ الذي سبق ظهور الإسلام. في العام نفسه 1977 وبعدما تعينت كرون في جامعة أكسفورد، بدأت عدداً من المشاريع البحثية، منها «العبيد على الخيل: نشأة الدولة الإسلامية» «والقانون الإسلامي والروماني» و»التجارة المكية». وهذه الأعمال كانت عبارة عن متابعة لمسيرة كتاب «الهاجرية» من حيث تمحيص نشأة الدولة الإسلامية وتحليل دور القبائل والثقافة القبلية في بدايات الإسلام، وتحليل السمات المتشابكة بين الأنظمة القانونية في كل من القانون الإسلامي واليهودي والروماني. بعدها اشتغلتْ مع مارتن هيندز على أطروحتها الأخرى المثيرة للجدل «خليفة الله» والتي ركزت فيها على المفهوم المبكر للسلطة الدينية في الإسلام. في وقت لاحق عملت كرون بالتعاون مع نوفين دوستدار على إصدار سلسلة من ثلاثين كتاباً تحت عنوان «صانعو العالم الإسلامي» والتي غطت من خلالها ترجمة مجموعةٍ من الشخصيات التاريخية الإسلامية.

على رغم ثقل لقب «المراجعين» الذي كان يقصد به وصم عدد من الباحثين بالتشكيك في الرواية الإسلامية التقليدية ومصادرها المتداولة والذي أُطلِق على كرون وعلى عدد من الباحثين الغربيين في سبـعيـنـات وثمانينـات القـرن الماضـي أمثــال جون وانـسبـرو في دراستـه المعنونة بـ «الدراسات القرآنية» سنة 1977 والتي كانت الأساس لانطلاق «منهج التنقيحية» ومايكل كوك في كتابه المشترك مع كرون «الهاجرية»، والباحث البريطاني كريستوفر ملشرت في عدد من دراساته المتعلقة بنقد الرواية الإسلامية، فإن التنقيحية في بعض عيون المقربين من الباحثة كرون كانت تنبع من صرامة بحثية ودقة عميقة في تمحيص المصادر التاريخية.

تقول صديقتها جوديث هرين في مستهل كتاب تشريفي لحياة باتريشا كرون معنون بـ «الثقافات الإسلامية والسياقات الإسلامية»: «بحثها يركز على القراءة المتعمقة للمصادر من طريق تحري صدقيتها وموثوقيتها والارتياب العام بالتفسير الشائع والحكمة المتلقاة. بشكل مستمر، كرون تتحدى آراء كلٍ من المتخصصين المعاصرين والمتخصصين في تاريخ القرون الوسطى من خلال شك عميق يميز مجمل عملها».

تعد كتابات جون وانسبرو ومايكل كوك وباتريشا كرون الأساس المعرفي لهذا الاتجاه التنقيحي الذي يهدف إلى نزع السياق التاريخي عن النص القرآني والتدليل على أن القرآن في صورته المتداولة اليوم كان صنيعة المسلمين في نهايات القرن الثاني الهجري. يعتمد هذا المنهج على التشكيك في المرويات الإسلامية ونقد كل ما هو متداول سائغ في المصادر الإسلامية والاعتماد على المصادر غير الأرثوذكسية التقليدية وكذلك المصادر الأخرى المكتوبة باللغات الأخرى غير العربية، وفوق ذلك كله، فإن هذا المنهج في بنيته المعرفية ينبع من المنهج التفكيكي النقدي الذي مورس على نصوص الإنجيل لدى الباحثين الغربيين. أدى هذا المنهج المتبع لدى رواده ومن جاء بعدهم إلى نشر العبث والفوضى والتشويش حول الدلائل التاريخية. وربما هذا ما دعا أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة شيكاغو فرد دونر إلى وصف واقع الدراسات القرآنية بعد صعود هذا المنهج التنقيحي بأنه فوضى.

وبلغة نقدية صارمة تصف الباحثة الألمانية المتخصصة في الدراسات العربية والإسلامية أنجليكا نويفرت هذا المنهج بقولها: «عندما يفقد الموروث موضوعيته تتلاشى الحقيقة التاريخية لمكانتي مكة والمدينة وكذلك الدور التاريخي للنبي محمد. وبذلك يتحول القرآن إلى نص وصفي بما يفسر على أنه اختلاق لاحق لا يمكن الجزم بصحته تاريخياً. ومما لا ريب فيه ان هذه النظرة ليست غير معقولة فحسب بل مخالفة للمنطق فقد أثبتت وبشكل ملموس مخطوطات ونقوش وكتابات اكتشفت أخيراً «ظهور القرآن في القرن السابع» (انظر موقع جدلية «القرآن جزء من أوروبا»). بإسقاط المنهج التاريخي النقدي الفيلولوجي - المتبع لمدة قرن على الأقل 1833-1933 والمؤسَّس من قبل العلماء الألمان المتخصصين بالدراسات القرآنية أمثال أبراهام غايغر وتيودور نولدكه والأجيال التي لحقتهم والتشكيك بكل هذه المرويات والسياقات التاريخية تسقط المعرفة النقدية التاريخية ويبقى الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل التخمينات والخيالات الذهنية، وهذا ما دفع فرد دونر أيضاً إلى تأسيس مصطلح أَطْلق عليه اسم «التخمينات المثقفة» بغية ضبط هذه التخمينات المفتوحة والعشوائية. أياً يكن فإن هذا الاتجاه لاقى موجات حادة من الانتقاد من قبل الباحثين الغربيين والمسلمين.

وربما يكون الانتقاد الأكثر جدية – كما أشارت الباحثة نويفرت - هو المخطوطات القرآنية التي تُكتَشف تدريجاً والتي لا تدع مجالاً للشك بعد التأكد من صدقيتها أن القرآن دُوِّن وجمع بعد وفاة النبي بفترة وجيزة. وتعد أعمال الباحث الفرنسي فرانسيس ديروش في التركيز على المخطوطات وتحقيقاته في تاريخ المخطوطات المبكرة نقداً مهماً لهذا المنهج التشكيكي. إضافة إلى هذا النقد وجّه المستشرق البريطاني روبرت سيرجنت نقداً قوياً يتعلق بالدلائل التاريخية وظروفها، مؤكداً أن الظروف التاريخية عامة ومفتوحة للجميع ولا يمكن اختراعها. وربما يكون الانتقاد الأكثر تأثيراً هو ما كتبه الباحثان التنقيحيان نفساهما بعد فترة من الزمن، كوك في كتابه «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وكرون في مقالتها الشهيرة «ماذا نعرف حقاً عن محمد؟» واللذان استقبلا عموماً من قبل القراء المسلمين وغير المسلمين على أنهما تحول في موقف كل من الباحثين واستنكاف عن الرؤية التنقيحية والدخول في نقاشات تنطلق من البنية الداخلية للنصوص الإسلامية والخروج بالتالي عن متلازمات مقولة «المصادر الأرثوذكسية المزورة».

 

 

* محاضر زائر في كلية اللاهوت - جامعة شيكاغو