اللبناني عصام أبو زكي: ذكريات ضابط آدمي

منى سكرية |

يضع العميد عصام أبو زكي قارئ مذكراته أمام أنواع من الحيرة. حيرة انتقاء ما يمكننا اعتباره الحدث الأبرز من كمٍّ كبير من الأحداث التي كان «على السمع» لحظة وقوعها وعمل على كشفها، والحيرة من اكتفائه بالتلميح إلى أسماء وأحداث خطيرة حصلت، وتسميته بعضها الآخر، إضافة إلى عدم اكتمال صورة ما ومعرفة ما آلت إليه. فالعميد ولا شك ينام على كنوز من الأسرار التي شاء تخبئة الكثير منها، والصفحات التسع من سيرته الذاتية تشي بقدراته وخزائن أسراره كقائد سابق للشرطة القضائية في لبنان (1984 - 1993)، الأمر الذي عرّضه لمحاولات اغتيال عدة، أولاها العام 1970 لانتقام المكتب الثاني من وزير الداخلية يومذاك كمال جنبلاط من خلال هجوم ثنائي على أبو زكي وعلى مكتب منظمة الصاعقة في السوديكو (ص 68).

لعنوان الكتاب «محطات من ذاكرة وطن - مذكرات العميد عصام أبو زكي» (الصادر حديثاً عن الدار العربية للعلوم - ناشرون - 493 صفحة) دلالات أظهرت «زعبرة» الطبقة السياسية في حماية مصالحها وإن على حساب عمل القضاء وهيبة القانون، وأهلية البنية اللبنانية لشتى أنواع الاختراقات، فالروايات التي أدرجها العميد أبو زكي في مذكراته ليست بوليسية – على متعة نبشها - بل تقع في صميم حالة لبنان ومآزقه المتناسلة حكماً عن حكم، مهما تبدلت الأسماء والشعارات والرؤساء والمرؤوسون، وعلى التباس موقعه كساحة - مرآة لجوار عدو وواقع عربي ودولي.

في المدرسة الحربية التي انتمى إليها العام 1961، اختبر أبو زكي طبيعة بنية النظام السياسي اللبناني «بعد أن أمره قائد المدرسة الحربية العميد نوفل إثر فوزه بمهمة الأب المدبر، بعدم متابعة ما «أكتبه على اللوحة» لأنني تطرقت إلى «العقيدة القتالية للجيش اللبناني وأن عدونا الأول هو إسرائيل، بينما كانت فرضية القتال التي تدرّس في المدرسة الحربية أن العدو قادم من الشمال» (ص 51 - 52)، كما اختبر بعد تخرجه، معترك الحياة بتسلمه إمرة الفرقة 16، والتي «أصبحت مضرب المثل بالقوة والحسم وحفظ النظام»، لكنها لم تجنّبه الاستدعاء إلى المحكمة بسبب منعه سيارة ابنة زوجة رئيس أركان الجيش الزعيم يوسف شميط من السير عكس السير، وتهديد الأخير له «بعدم الوصول حياً الى هنا لو لم تكن ابن الضابط أنيس أبو زكي» (ص 62). ومنها أيضاً إشهار مطلوب للعدالة من بلدة بريتال مسدسه بوجه رئيس اللجنة الأمنية لحفظ أمن مهرجانات بعلبك نديم لطيف (أصبح مديراً عاماً للأمن العام) لإصرار الأول على الدخول إلى المهرجان، ثم إصرار العقيد غابي لحود (رئيس المكتب الثاني) على تركه «بعد تمكننا من توقيفه»، فكان المخرج استبدال الموقوف المطلوب بشقيقه (ص 65). أما تطبيق القانون على جماعة الرئيس سليمان فرنجية في كازينو لبنان لتضييقهم على الضباط هناك إنما اقتصر على الراقصة كواكب «على رغم جمالها الفاتن»، ولم ينل من «الدنكورة» المطلوب للعدالة، ومثله المطلوب بدوي فرنجية «الذي حاولت الإمساك به» فانتهت الملاحقة إلى دعوة غداء إلى مائدة الرئيس بناء لطلب محافظ الشمال قاسم العماد وفي حضور بدوي فرنجية (ص 81).

 

ضابط الـ «موساد»

أثناء توليه مهامه الأمنية في طرابلس العام 1973 اختبر أبو زكي الوجه الآخر للصراع في لبنان، وعليه من خلال توقيف ضابط إسرائيلي يحمل جوازاً ألمانياً مزوراً وعليه تأشيرة دخول بخط اليد من القنصلية اللبنانية في دوسلدورف بأن حامل الجواز يتمتع بحصانة ديبلوماسية، وقد عمل على تدريب الفدائيين في مخيم البداوي، ودبَّر عملية خطفه بنفسه، وشارك في عملية اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة في محلة فردان العام 73، واعترافه بأنه عميل إسرائيلي، والتعرض لضغوط السفارتين الأميركية والألمانية ومديرية المخابرات للإفراج عنه (ص 95) وإن لم توضح كيفية خروجه من لبنان وتسلمه منصباً رئيسياً في الـ «موساد»، ناهيك عن وصفه أوضاع المدينة المزري وقبضاياتها، وتهاون زعمائها بالمعالجة الجذرية، واستطاعته النيل من بعضهم كإنهاء دولة المطلوبين برئاسة أحمد القدور ورفاقه بعد أن احتموا بالمسجد «وتم أخذ الموافقة من المفتي حسن خالد ومفتي طرابلس نديم الجسر للدخول بقوة السلاح وإلقاء القبض على المطلوبين شرط أن تكون العناصر المقتحمة من المسلمين لئلا تحصل حساسيات أو ترتكب أعمال قد تشكل خرقاً لحرمة المكان» (ص 135).

مثيرة وقائع الكتاب لترابط الأمني فيها بالسياسي، ومنها إيفاده إلى دورة تدريب لمكافحة المخدرات في أميركا، لكنني «فوجئت بأن الهدف التفصيلي للدورة كان قياس قدرة المشاركين على التعاون من أجل التحضير لعملية انقلاب في البلد الذي ينتمي إليه كل مشارك (ص 101)، وإشارته إلى تدريب صحافيين لبنانيين في الكلية المذكورة العام 71 مكتفياً بالاسم الأول والأحرف الأولى لعائلة اثنين من هؤلاء (ص 103).

يدلي بشهادته عن حادثة بوسطة عين الرمانة 1975، وإطلاق النار على احتفال تدشين الكنيسة الذي سبق اعتداء الكتائب على ركاب البوسطة الفلسطينيين واللبنانيين (ص 145)، ولقاء جمع كمال جنبلاط بموسى الصدر في منزل والده (افتقدنا فيه الوصف المسهب عن ذاك اللقاء)، وعن دخول السوريين لبنان العام 1976، واغتيال كمال جنبلاط الذي تولى أبو زكي شخصياً التحقيق فيه منذ لحظة مشاهدته الحادث بعد دقائق على وقوعه، محملاً المسؤولية لـ «الرأس المنفذ للاغتيال الضابط إبراهيم حويجي الذي كان مسؤولاً عن مكتب القوات السورية في سن الفيل (أصبح الحويجي في ما بعد مديراً عاماً للمخابرات الجوية)، مروراً بالتوقف عن الوصول بالتحقيق إلى إصدار قرار ظني «بناءً على طلب مرجع أعلى من الرئيس سركيس»، ثم إسقاط وليد جنبلاط حقه و«قوله لي في منزله بعد أربعين يوماً على وقوع الجريمة أنني ذاهب إلى سورية لأصافح اليد التي قتلت والدي (وقائع التحقيق بالتفصيل من ص 181 إلى ص 204)، مستذكراً في آن عملية اغتيال فؤاد جنبلاط (1921) والد كمال جنبلاط «وانتشار إشاعة تقول أن آل أبو زكي هم من قتلوه فقرر المفوض السامي الفرنسي أن يحرق بلدة عينبال وحي آل أبو زكي لأن الجاني لم يكن قد عرف بعد» (ص 206).

ويعرض أبو زكي لما سبق ورافق الاجتياح الإسرائيلي العام 82 ووصوله إلى بيروت وثكنة الحلو ومحاولة اقتحامها وتصديه له، وسماحه لمقاومين بإطلاق قذائف على الدبابات الإسرائيلية، ومفاجأته بالضابط الفلسطيني الكاتب محاضر لجنة التنسيق الأمني مع أبو الهول وبيننا في اجتماعات مخيم صبرا وشاتيلا باللباس العسكري الإسرائيلي وهو «يذكرني بنفسه»، واقتصار متابعته من المكتب عبر الإعلام والتقارير عن مقتل بشير الجميل. أما عن مجزرة صبرا وشاتيلا «فكنت ليل 18 أيلول أراقب القوة العسكرية الإسرائيلية المرابطة في السفارة السوفياتية» (ص 232)، فقد علمنا من هاربين أن القوات الإسرائيلية والقوات اللبنانية اقتحمت المخيم وأعملت قتلاً في سكان المنطقة.

لم يفت أبو زكي الإشارة إلى محاولة اغتيال وليد جنبلاط العام 83 ودور ميشال سماحة والشفتري في الاغتيال، إلى حرب الجبل ودور سمير جعجع (ص 170)، وما تلاها من اقتتال بين التنظيمات المتحالفة في بيروت، إلى موجة الاغتيالات التي طاولت رئيس محكمة الاستئناف الدرزية العليا الشيخ حليم تقي الدين «وأعتقد أن سبب اغتيال سماحته هو المشاركة في الصلاة الإسلامية الجامعة في الملعب البلدي التي دعا إليها وأمّها المفتي حسن خالد» (ص 292)، إلى محاولة اغتيال طلال سلمان «العائد ليلاً من لقاء مع رفيق الحريري»، ثم المفتي حسن خالد، فالرئيس رينيه معوض، وقاتل أنور الفطايري (يذكره بالاسم)، إلى معركة سوق الغرب يوم 13 آب 89 «إذ امتنع السوريون في اللحظات الحاسمة عن تقديم الدعم اللازم وتسببوا بسقوط عدد كبير من الشهداء»، محملاً الرئيس حافظ الأسد المسؤولية «إذ كان يرى أن يحتفظ لنفسه بقرار الحسم ضد ميشال عون».

عناوين كثيرة في الكتاب عن مكافحة الجريمة المنظمة مع اعترافه بقوة مافيا المخدرات، واكتشاف شبكة تخريب إسرائيلية أدى بعض عناصرها دوراً في تفجير بئر العبد الذي استهدف السيد محمد حسين فضل الله (يذكر بعض الأسماء)، إلى القبض على عصابة سرقة المصارف وتزوير العملات، ومواجهته مع أحد كبار المسؤولين بتهمة توقيف ابنه في فرنسا بتهريب مخدرات العام 93، ومثلها عن اغتيال أبو حسن سلامة الذي قال المندوب الأميركي عنه لمندوب الـ «موساد: «إنه رجُلنا اتركوه وشأنه ليرتاح» (ص 411)... ومع ذلك لم نرتح لأن جبل الجليد في دفاتر أبو زكي لم يذب كثيراً.

 

 

* صحافية لبنانية