النظام السوري يشترط لبيع العقارات في سورية موافقة أمنية

صورة عن الوثيقة السرية (الحياة) أبنية مدمرة مهددة بانتقال الملكية (رويترز)
مصطفى علوش |

في الرابع من آب (اغسطس) 2015 أرسلت حكومة النظام السوري تعميماً إلى وزارة الإدارة المحلية تطلب فيه إضافة قضية بيع العقارات أو الفراغ، منازل، محلات، في المناطق المنظمة وغير المنظمة إلى القضايا التي تحتاج إلى موافقة أمنية مسبقة. أخذ هذا التعميم صفة «السرية والعاجل» واستكملته بتعميم آخر رقم 463 ـ ش ـ طلبت فيه حكومة النظام من وزارة الإدارة المحلية تثبيت التعميم السابق والعمل به فوراً.

مواقع إعـــلامية الكترونية قريبة من النظام السوري نشرت الخبر وأردفته بطمأنة جاءت على لسان الخبير في شؤون العقارات الدكتور عمار يوسف الذي ذكر أن التوجيه ضروري ويحفظ أمن المواطنين في ظل الظروف الراهنة لجهة عدم استغلال المجموعات الإرهابية لأي ثغرة موجودة في حالات البيع أو التنازل والإقـــامة في الأحياء الآمنة، ورأى يوسف أن هذا الإجراء ليس بجديد من حيث المضمون ولكنه جديد من حيث الصيغة لأن هذا الإجراء موجود في بطاقة التعريف للبائع والشاري التي تنظمها الجهات المختصة في مثل هذه الحالات.

أما لجهة تأثير هذا الإجراء الجديد على سوق العقارات، لا يرى الدكتور يوسف أي منعكسات سلبية، شريطة أن يتم إصدار هذه الموافقة بنفس الفترة التي تصدر فيها الموافقات على عقود الإيجار، أما في حال اقتضت أكثر من ذلك فإنها ستتحول إلى وسيلة لابتزاز المواطنين، وهذا من شأنه أن يؤثر على أسعار العقارات التي يرغب أصحابها ببيعها على اعتبار أن السوق متغيرة، فالعقار الذي يسجل سعراً محدداً اليوم، فإن سعره سيختلف بعد شهر أو ثلاثة أشهر.

وعلى حد قول الدكتور يوسف، سيساعد هذا الإجراء في حفظ حقوق المواطنين وعدم تعرضهم للسرقة أو نقل ملكياتهم إلى أسماء الغير باستخدام وثائق مزورة كالوكالات التي شاع استخدامها خلال فترة من الأزمة الراهنة، وتمكن مزوروها من سرقة عشرات العقارات من أصحابها الحقيقيين تحت ذريعة أنهم قاموا بشرائها منهم، واصفاً الإجراء بأنه سليم وضروري خلال الفترة التي تمر بها البلاد.

 

تعميم غير دستوري

بخلاف ما ذهب إليه الخبير العقاري السابق ترى المحامية «مجد عابدين» أن هذا التعميم مخالف للقانون وترى أنه من خلال الصورة « الوثيقة» نجد أمراً لافتاً للنظر هو أنه تم ترويس التعميم بعبارة / سري ـ عاجل / وهذا أمر غريب، ولكن مســألة الموافقة الأمنية فعلاً أصــبحت مطبقة فمن ناحية قانونية نســأل: كيف نطبق على المواطن أي قانون أو تشــريع سري ؟ لأنه إن كان للقـــضاء من هـــيبة ومكانة في أي دولة فيجب أن يبســـط رقابته على كل ما يطبق في الدولة من أمور فكيف نعالج أمر وصم بالسرية ؟ وورد في التعميم عبارة: «تضاف حالة جــديدة إلى الحالات التي تطلب موافقة «أمنية مسبقة». السؤال هل أحد يعرف ما هي الحالات السابقة ؟ هل صدرت بقرار، بمرسوم، بماذا ؟ أنا لم استطع التوصل لتشريع صريح منشور بهذا الخصوص.

وعن قانونية «التعميم تضيف عابدين: التعميم أدنى درجات السلم القانوني وتعميم تأتي بمعنى تبليغ وتعريف المعنيين بالأمر بفحوى تشريع وغايته وزمن تطبيقه، لكن لا نرى في التعميم سوى أرقام لكتب فلا هي قوانين ولا مراسيم ولا قرارات نشرت وبدأ نفاذها وهناك طرق قانونية للإعتراض عليها، إضافة لذلك الملفت للنظر أنها بدأت عقب إلغاء قانون الطوارئ ومع بداية الثورة مما ينفي عنها الصفة القانونية ويدخلها بالأمنية البحتة.

 

منذ زمن حافظ الأسد

المهندس عامر (الاسم مستعار) يرى بأن الموافقات الأمنية مطبقة على بيع العقارات الواقعة في مناطق حدودية منذ زمن الرئيس حافظ الأسد. ففي القنيطرة مثلاً عندما يريد الأب توريث أولاده أرضه أو عقاراته أثناء حياته، فإن الأمر يحتاج إلى موافقة الأمن السياسي والعسكري، وغالباً ما يحلّ الأمر بألف ليرة رشوة لمساعد الأمن السياسي أو العسكري، بعد أن يستكمل هذا المساعد تحقيقه مع الجهة الوارثة أو المشترية فيسأل مثلاً: «هل أنت بعثي؟ هل خدمت الإلزامية؟ هل لديك فارين؟»،

وبعد دفع الرشوة ينتهي الأمر بساعة واحدة ولا يهم الأمن لو باع أي مواطن أراضيه للإسرائيليين، أما إذا لم يفهم المواطن ذلك فيحتاج الأمر إلى سنة في أقل تقدير.

ويرى عامر أن هذا الأمر باب جديد للفساد، ليدخل رجل الأمن إلى موضوع العقارات وليحصل على رشوته.

 

من يحمي ملكية المواطن؟

تذهب المحامية مجد عابدين إلى نقاش كل التفاصيل القانونية في هذا التعميم غير القانوني فترى أن الدستور هو ما يحمي الملكية الفردية وقد أتى على ذكرها في المادتين 14 و 15 (دستور نظام بشار الأسد لسنة 2012 م). نص المادة 15:

1- لا تنزع الملكية الفردية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون.

2 - المصادرة العامة في الأموال ممنوعة.

3 - لا تفرض المصادرة الخاصة ألا بحكم قضائي.

4 - تجوز المصادرة الخاصة بقانون لقاء تعويض عادل.

وهناك مسامير عديدة زرعت في هذا الدستور والتي تهيمن على حرية التعاقد وحرية التملك.

تتابع عابدين: نعود للتعميم وما صرحت به رئاسة مجلس الوزراء ورد الآتي في الأخبار حول التعميم:

وقد أوضحت رئاسة الوزراء أن الهدف من هذا التعميم هو حرص رئاسة مجلس الوزراء على الحقوق القانونية والأمنية للمواطنين والراغبين ببيع عقاراتهم أو التنازل عنها للغير.

- الحرص يكون بسلبهم ملكيتهم من دون أدنى تغطية ورقابة قضائية؟

لنفرض أن الموافقة الأمنية جاءت بالرفض ومنع التنازل هل يمكن لصاحب العلاقة الاحتجاج أمام أي جهة قضائية وبسط رقابة القضاء على قرار الأمن؟ بالطبع لا.

وتصل عابدين إلى نتيجة هي أن البلاد بشكل علني خارج الإطار القانوني والقضائي وفي قبضة أمنية مشددة للقضاء على المعارضين وسلبهم أملاكهم جهاراً ولا تستطيع أكبر جهة قانونية التفوه ببنت شفة أو التدخل لحمايتهم، والمشروع كله خارج القانون ويأتي ضمن بيع سورية لإيران وإعطائها حرية التملك فيها بامتياز.

وتشهد ما يسمّى بالمناطق الآمنة في سورية حركة بيع عقارات كبيرة وبأسعار أقل من الحدّ الطبيعي للعقار، ويتحدث الناس عن أرقام كبيرة من العقارات المعروضة للبيع، والغاية هي تأمين مبلغ مالي يكفي للهروب من البلد باتجاه أي بلد أوروبي طلباً للأمان.

 

 

* كاتب سوري