المازوت والأزمة في سورية: السوق السوداء ملاذاً وحيداً

تجارة المحروقات في السوق السوداء (رويترز)
ريم تركماني |

 

لا يحتاج الأمر إلى موقف سياسي من أطراف الصراع السوري، لكي نقرّ بأن من حق المدنيين القاطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة العيش بكرامة وأمان. لكن، تحول مناطقهم إلى مناطق متنازع عليها جعلها عُرضة ليس فقط للعنف والقصف، بل أيضاً لإجراءات وسياسات قهرٍ، دمرت اقتصادها وحولت مواردها إلى أدوات تدمير ذاتي لها.

معظم المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، هي مناطق ريفية يتمحور اقتصادها حول الزراعة. فالزراعة لم تكن فقط مصدر دخل للمزارعين في هذه المناطق قبل 2011، وإنما حتى التجارة والصناعة في هذه المناطق كانت تعتمد بشكل كبير على الزراعة ومنتجاتها. تدميرُ هذا الاقتصاد له كلمة سر واحدة: المازوت. فتوافر مادة المازوت وبسعر مناسب، أساسي جداً لتشغيل مضخات المياه من أجل الري، ولتشغيل الآليات الزراعية مثل تلك اللازمة للحراثة والحصاد والنقل. وارتفاع سعر المازوت فوق حد معين، يمكن ببساطة أن يجعل عملية الزراعة عملية خاسرة تجارياً.

تختلف الحكومات التركية والأردنية والسورية في سياساتها تجاه المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، لكن هنالك سياسة وحيدة مشتركة بين كل هذه الحكومات، ألا وهي حظر إيصال الوقود بكل أنواعه بشكل مشروع إلى أي من هذه المناطق. هذا الواقع وضع هذه المناطق أمام مصدر وحيد للوقود وهو السوق السوداء التي يُستقدم الوقود إليها، إمّا من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، أو تلك الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. ونتيجة لذلك، فقد سجّلت أسعار الوقود تضخّماً حاداً. فمقارنةً بقيمتها في دمشق تبلغ أسعار الوقود في ريف إدلب مثلاً ضعفين ونصف الضعف، بينما تبلغ في درعا 3.5 أضعاف، وتصل إلى 20 ضعفاً أو أكثر في الغوطة الشرقية.

ويُضاف إلى ذلك غياب المستلزمات الهامّة الأخرى للزراعة، مثل الأسمدة والأدوية الزراعية، وهذه كلها عوامل أسهمت في حصول تراجع كبير جداً في النشاط الزراعي، وبالتالي التراجع في الأنشطة الصناعية والتجارية وانهيار الاقتصاد الشرعي كلياً في هذه المناطق، لصالح اقتصاد جديد يعتمد بشكل كبير على العنف واستمرار الأزمة، اقتصاد تربح منه طبقة متمكنة جديدة، بحيث يزداد تهميش معظم المدنيين بشكل كبير. وبالتأكيد أثَّر الوضع الأمني على القطاع الزراعي، لكن لا يزال هنالك الكثير من المناطق التي لم تتأثر كثيراً بالحالة الأمنية، لكن تدهورت الزراعة فيها أيضاً لذات الأسباب.

إذا عدنا لكلمة السر تلك، أي المازوت، لوجدنا أن محللين اقتصاديين اعتبروا أن رفع الدعم عن المازوت في عام 2008، من سياسات اللبرلة التي حاولت الدولة تطبيقها آنذاك هو أحد جذور الأزمة في سورية، حيث أدى إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، وبالتالي خسارات كبيرة عانى منها الريف السوري، الذي لم يجد حينها أي سياسة تنموية ناجعة، أو نظام ضمان إجتماعي تقدمه له الدولة لتحميه. هذا الوضع أوجد حالة تململ كبيرة في أوساط الريف السوري، جعلته أكثر تأهباً للحراك ضد النظام. لا ينفي هذا الأمر باقي المحفزات الأخرى للحراك خصوصاً المتعلقة بقمع الحريات، لكن رفع الدعم هذا ساهم في تهميش المهمش من المجتمع لصالح طبقات جديدة ضمن المدن انتفعت من الإمتيازات الجديدة التي أعطيت لها.

لذلك يمكن القول أنه إذا كان الريف السوري قد احتج على الرفع المفاجئ والجائر للدعم عن مادة المازوت، فإنه قد تمت معاقبته تحديداً بحرمانه من هذه المادة، وجعلها متوافرة بشكل غير منتظم، وبأسعار مرتفعة جداً وعبر شبكات يستفيد منها بشكل رئيسي أطراف ضمن النظام السوري نفسه.

فعلى طرفي خطوط التماس، بين مناطق سيطرة النظام والمعارضة في شتى أنحاء سورية، تنتشر شبكات تشتغل في “تهريب المازوت”. والحق أن العملية لم يعد من الدقيق أن نطلق عليها عملية تهريب، لأنها لا تجري في السر وبشكل مخالف للعرف، بل أنها أصبحت الطريقة المتعارف عليها للتجارة عبر خطوط التماس بالمحروقات وبمواد أساسية أخرى، ولها نظام تعرفة يضبطها، متعارف عليه على الحواجز والمعابر. ضمن مناطق سيطرة النظام يستفيد من هذه العملية ضباط ومسؤولون معينون، وتجار يتعاملون معهم. وفي الطرف الثاني، يستفيد منها قادة الفصائل المسلحة والتجار المتعاونون معهم والذين أصبح يطلق عليهم لقب تجار الدم، خصوصاً في مناطق الحصار حيث ترتفع الأسعار بشكل حاد جداً بسبب انعدام أي خيارات أخرى.

المصدر الرئيس الآخر للمحروقات، هو «داعش» الذي يبيع النفط لمناطق المعارضة عبر شبكة من التجار وسائقي الشاحنات والصهاريج، الذين يمتلكون علاقات أهلية وتجارية ضمن مناطق «داعش» ومناطق سيطرة المعارضة. ويجري تكرير هذا النفط ضمن مصافٍ صغيرة بعضها منزلي وبشكل بدائي ومضر بشكل كبير بصحة من يعمل به وبالبيئة. أما المصدر المحلي الوحيد والذي يبقى ثانوياً للوقود فهو البدائل المحلية التي تم تطويرها لاستخراج المازوت والغاز من البلاستيك.

في المحصلة ونتيجة هذه العملية يضطر المدنيون للمشاركة في عملية التمويل غير المباشرة هذه لأطراف الصراع المسلح وللرابحين من الحرب، حتى حين قيامهم بطهو طعامهم أو تدفئة أطفالهم، فحتى الغاز المنزلي غير متوافر إلا عبر هذه الشبكات.

كل هذه الأمور التي تبدت لي أثناء قيامي ببحث حول إقتصاد الحرب في سورية دفعتني للتساؤل: كيف يمكن أي جهة تقوم بتقييم إحتياجات هذه المناطق التي تضم ملايين من البشر أن تهمل حاجتها الطبيعية والأساسية للوقود؟! وما هو سر اتفاق الجميع على سياسة عدم تقديم الوقود بل وعدم إثارة هذا الموضوع أو محاولة تقديم حل له؟! كل دراسات تقييم الإحتياجات التي يتم طرحها أمام المجتمع الدولي والجهات المانحة والمنظمات الإنسانية تقوم بتقديم عدد من هم بحاجة إلى الغذاء والماء والمأوى وأحياناً التعليم، لكن أياً من هذه الدراسات لا يتطرق إلى الوقود كحاجة اساسية أو إلى احتياجات المنطقة نفسها التي تمكن اقتصادها الشرعي من الإستمرار. بالنتيجة تحول معظم ساكني هذه المناطق إلى أشخاص يعتاشون بشكل رئيسي على المعونات الغذائية والتحويلات المالية، وهذا ليس بالتأكيد بحل مستدام لمأساتهم.

الكثير من الجهات المانحة الغربية تدعم مشاريع ضمن مناطق سيطرة المعارضة تتطلب الوقود بشكل كبير مثل الدفاع المدني والمشافي والمخابز، وجميعها تتجاهل تأمين الوقود لهذه المشاريع وتكتفي بتأمين ثمنه رغم معرفتهم بمصادر الوقود المتوافر والحجة أنه «لا يوجد ما يمكننا القيام به لمواجهة هذه المشلكة».

لكن بالتأكيد يوجد ما يمكن القيام به، وهو تأمين الوقود للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة بشكل شرعي وبأسعار معقولة وعبر الجهات المدنية والمجالس المحلية ووفق عملية تضمن أن المستفيد الأول سيكون المدنيين وأن هذا الوقود سيستخدم في إحياء الإقتصاد المحلي وخصوصاً القطاع الزراعي وفي تشغيل المستشفيات والمخابز والمدارس. هذا الأمر يتطلب موافقة تركيا والأردن وهذا الأمر لا يبدو متوافراً الآن رغم بعض الاستثناءات المحدودة أخيراً. كما يجب أن تكون عملية تأمين الوقود جزء من العملية الإنسانية لإنهاء معاناة المدنيين في هذه المناطق, لا أن تصبح عملية ربحية جديدة تتم عبر شركات خاصة تنتفع منها فئة محدودة وتقدمه للسوق بالسعر الذي يناسبها لا الذي يناسب استنهاض الإقتصاد في هذه المناطق.

وليست الزراعة قضية اقتصادية فقط، فهي تجلب معها الأمن، فازدهارها يتطلب استقراراً ما يجعل القائمين عليها حُماة لهذا الاستقرار، وهي بالنسبة للمزارع أكثر بكثير من مجرد مصدر رزق بل هي مصدر كرامة وثقافة وانتماء. لذلك فإن تأمين المازوت والمستلزمات الأساسية لإحياء القطاع الزراعي في سورية يجب أن يكون من أولويات أي جهة تدّعي بأنها تكترث للوضع الإنساني والإستقرار في سورية وأي جهة تدعي أنها تريد حرمان «داعش» من أي مورد للتمويل وعدم إعطاء أي فرصة للنظام السوري للإكتساب على حساب معاناة المدنيين.

 

 

* أكاديمية في كلية لندن للإقتصاد والعلوم السياسية