التسرّب والفقر في السودان يطيحان الأهداف

الخرطوم - النور أحمد النور |

يفتقر أكثر من ثلاثة ملايين طفل سوداني في سن الدراسة (5 - 13 سنة) إلى حق التعليم في السودان، وفق تقرير وزارة التربية والتعليم ومنظمة «يونيسف». ويعيش غالبية هؤلاء الأطفال في مناطق نزاعات أو ينتمون إلى عائلات فقيرة تفضّل أن يعمل أطفالها لتحسين دخولها، وهم يساعدون آباءهم في رعي الماشية.

وعلى رغم المكاسب المحققة في مرحلة التعليم الأساسي، بعدما سجلت زيادة في معدّل الحضور من 68 في المئة في عام 2006 إلى 76 في المئة في العام الماضي، إلا أن التقرير الخاص بالأطفال خارج المدرسة يشير إلى أن النزاعات المستمرة في السودان، وعدم الوعي بأهمية التعليم، وضعف التنمية الاقتصادية أثرت سلباً على تعليم البنين والبنات.

وفضلاً عن ذلك، فإن نسبة تسرّب البنات من المدارس قبل إكمال الحلقة الأخيرة من التعليم الأساسي، تبدو أكبر منها عند البنين بسبب المعتقدات التقليدية حول دور المرأة. كما أن ارتفاع تكاليف الدراسة يحرم أسراً فقيرة من إرسال أطفالها إلى المدارس.

وأكد وزير الدولة للتربية والتعليم عبد الحفيظ الصادق «العزم على معالجة ظاهرة الأطفال خارج المدرسة (التسرّب) عبر الوسائل التربوية والتعليمية، وبالتنسيق مع الشركاء العاملين في قطاع التعليم خلال السنوات القليلة المقبلة».

ووفق الدراسة التي أعدتها الحكومة بدعم من «يونيسف» و «يونسكو»، فإن أكثر من 3 ملايين طفل تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 13 سنة هم الآن خارج المدرسة. ويشمل الرقم 490673 طفلاً في عمر التعليم قبل المدرسي (5 سنوات)، و1965068 طفلاً في عمر الالتحاق بالتعليم الأساسي (6-11 سنة)، و641587 في عمر الالتحاق بالحلقة الأخيرة من التعليم الأساسي (12-13سنة)، ومعظم هؤلاء من مجتمعات الرحّل والمناطق الريفية ومناطق النزاعات. وسجلت أعلى نسب التسرّب في ولايات النيل الأزرق، كسلا، وغرب دارفور.

 

طريق طويلة

ويشكّل التقرير دعوة لليقظة والانتباه» كما ذكر غيرت كابيليري ممثل «يونيسف في السودان، الذي استطرد بقوله: «على رغم اعترافنا بالزيادة المقدّرة في الالتحاق بالمدارس الأساسية بقيادة وزارة التربية والتعليم وبدعم الشركاء الرئيسيين مثل الاتحاد الأوروبي ومبادرة علّم طفل القطرية، نقرّ بأن الطريق إلى الأمام لا تزال طويلة لكنها ليست مستحيلة. وهناك حاجة ملحة لاستثمار مقدّر في التعليم الأساسي من قبل حكومة السودان وشركائها لضمان حصول كل بنت وولد إلى التعليم الجيد».

وتدعم «يونيسف» جهود حكومة السودان من طريق حملات العودة إلى المدارس على المستوى الولايات والمجتمع والأسرة لضمان الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة.

وتشمل التدخلات الأساسية للمنظمة في بناء المدارس وإعادة تأهيل أخرى، وتوفير المعينات التعليمية والترفيهية، وتدريب المعلمين والمجالس التربوية.

وكواحدة من التجديدات، تواصل «يونيسف» عملها في الترويج للتعليم المجاني لكل طفل لاسيما للنازحين واللاجئين، إضافة إلى زيادة مخصصات قطاع التعليم في الموازنة، وتوفير الحاسبات الآلية (الأجهزة الذكية) المستخدمة لدعم التعليم للأطفال الرحل.

ويتوزّع الأطفال وغالبيتهم خارج الدراسة في مخيمات النازحين وتجمعاتهم في خمس ولايات يتألف منها إقليم دارفور. وقد ارتفع عددها إلى 114 مخيماً وتجمّعاً خلال الأعوام الأربعة الماضية، منها 46 مخيماً و68 تجمّعاً يقطنها مليونا شخص ثلثهم تقريباً من الأطفال.

ويعتمد تعليم الأطفال في تلك المخيمات على المنظمات. وبعدما غادرت غالبية المنظمات الأجنبية، باتت المنظمات الوطنية عاجزة عن الوفاء بالتعليم لضعف قدراتها المالية.

 

موضوع هامشي

وكشف مسؤول في السلطة الإقليمية لدارفور لـ «الحياة» وجود حوالى 20 ألفاً من المشرّدين في عواصم ولايات دارفور الخمس، غالبيتهم أطفال في سن الدراسة فقدوا أهلهم بسبب الحرب أو فروا من قراهم التي تضررت في المواجهات العسكرية. ولفت إلى أن عائلات فقيرة

تفضّل أن يعمل أطفالها بدلاً من الدراسة لمساعدتها في مواجهة الظروف المعيشية القاسية، أو تدفعهم إلى العمل في مناطق «التعدين التقليدي» عن الذهب المنتشرة في 15 ولاية والتي تستوعب حوالى 1.5 مليون مواطن.

وفي ولاية جنوب كردفان المضطربة منذ العام 2011، نزح مئات الآلاف من قراهم والتحق حوالى 300 ألف شخص بمخيمات لللاجئين في جنوب السودان، حيث فتحت منظمات مدارس في مخيم ديدا بولاية الوحدة النفطية (دولة جنوب السودان)، غير أن آلافاً من الأطفال يجدون مشقة في الوصول إلى المخيم بسبب وعورة الطرق وبُعد المسافات من المناطق التي يسيطر عليها متمردو «الحركة الشعبية– الشمال». كما تخشى العائلات أن يخطف أطفالها لتجنيدهم ودفعهم إلى الحرب.

ونزح أكثر من 140 ألف شخص من ولاية النيل الأزرق إلى بلدان الجوار، وحوالى 100 ألف إلى داخل السودان بعد 4 سنوات من الحرب. ويكاد لا يتوافر تعليم منتظم لغالبية الأطفال، إذ يعاني

عشرات الآلاف منهم حين في مخيمات دورو والجمام وجلهاك بولاية أعالي النيل (جنوب) المخصصة للفارين من النيل الأزرق، إلى جانب آلاف آخرين لاجئين مع عائلاتهم في إثيوبيا المجاورة للولاية المضطربة.

وأيضاً يحرم رعي الماشية آلاف الأطفال الحصول على التعليم، نظراً للعادات والتقاليد في مناطق غرب السودان وشرقه، الذي تعتبر القبائل التي تملك أعداداً كبيرة من المواشي (أبقار وجمال وضأن) ذات مظهر اجتماعي ومنزلة رفيعين. كما أنها لا تستقر في منطقة أو قرية وإنما تتجول بمواشيها حتى في بلدان مجاورة بحثاً عن مراعٍ، ما يجعل تعليم الأطفال مستحيلاً.

وما يزيد من ضعف تعليم الأطفال غياب مجانية الدراسة والموازنات الحكومية الهزيلة المقررة لهذا القطاع. ويكشف مبارك يحيى رئيس «الائتلاف السوداني للتعليم للجميع» أن أفضل ولاية في البلد وهي ولاية الخرطوم تدعم التعليم بواحد في المئة فقط من موازنتها، وتتكفل مجالس الآباء بـ99 في المئة، جازماً أن دعم الدولة للتعليم لا يتجاوز 3 في المئة، بينما الإنفاق على التعليم وفق المعايير الدولية يجب أن يكون نحو 16- 18 في المئة من الموازنة، مشيراً إلى أن السودان من ضمن 59 بلداً عجزت عن بلوغ أهداف الألفية في هذا المجال.