«هندسة اجتماعية» ترسم ملامح «سورية المفيدة»… أرضاً وشعباً

المشروع السكني الجديد في المزة مخطط لكفرسوسة في دمشق
إبراهيم حميدي |

أسامة ابن مسؤول سوري سابق. مهندس كان تزوج بعد تخرجه في جامعة دمشق. يعمل في الهندسة، اشترى وزوجته منزلاً في ضاحية قدسيا. منذ بداية الثورة، اختار «اللون الرمادي». بقي ملتزماً به، علىرغم التهديدات التي تعرض لها. كلما اقتربت السياسة منه ومن أخيه أو من إرث والده الوزير، وكلما لامس الساسة طائفته، ابتعد. بقي في الوسط يعتصم بالصمت. وضع قطناً في أذنيه خلال تنقله بين الحواجز الأمنية في دمشق. يتجاهل الإشارات الآتية من عناصر الأمن بعد رؤية بطاقة هويته ومعرفة مسقط رأسه. صمد على هذه الحال سنوات. كان يخاف أن يبتعد إلى بيروت. وذات مساء، جاء إلى منزل شقيقه الأكبر. فاجأه بلقاء الوداع: «بعت منزلنا في ضاحية قدسيا وقررت الهجرة».

محمد. أستاذ جامعي. اختار «النوع الطيب» من اللون الرمادي. يعرف بـ «الحياد الإيجابي». كونه من مناطق «الإرهابيين» في الجنوب، لا بد من جرعة إضافية من الولاء. من المنزل إلى العمل. من العمل إلى المنزل. أقصى منطقة ابتعد فيها من عاصمة بني أمية، كانت الساحل. أخذ زوجته وطفليه إلى البحر. كان هذا قبل سنتين. أما الآن، فلم يعد ممكناً التنزه. راتبه الشهري وراتب زوجته، بالكاد يكفيان قوت اليوم. لم يكن مضطراً لبيع منزله. اختار صديقاً. منزله كان مستأجراً في منطقة «مزة بساتين» خلف السفارة الإيرانية. اتصل بصديقه المرتاح مالياً. طلب «خدمة العمر». أراد عشرة آلاف دولار أميركي. أمام دهشة صديقه من قراره المغامرة بأسرته في البحر واحتمال غرقهم، قال: «إذا أعطيتني هذا المبلغ، فإنك تعطيني الحياة». أضاف أنه لم يبقِ وراءه «سوى الموت».

غالب في نهاية الأربعينات. بالتصنيف السياسي، هو موال للنظام، بل من «النواة الصلبة» سياسياً. بالتصنيف الطائفي، هو سنّي. من العاصمة ومن قلب دمشق «أباً عن جد». ذهب أبناؤه إلى الخارج. أيضاً، كان بين الصامدين والصابرين على هدير الطائرات في سماء دمشق وعلى القذائف الآتية إلى أرض دمشق، تحديداً إلى باب توما، المنطقة المسيحية. مسلم في منطقة مسيحية تقع خلف الجامع الأموي وقرب مزار السيدة رقية. جاء إلى صديقه «الشامي» المجاور بيته: «قررت أن ألتحق بأولادي». بعد إلحاح وأسئلة، قال: «أنا موال عن قناعة، لكن هل يعرف النظام أنني موال؟». خوفه الدائم كان أن يشك أعوان النظام الذين يزداد عددهم و «تموطنهم»، في عمق ولائه وصدقه.

علي شاب. الاسم ليس دائماً دليلاً سياسياً أو طائفياً، لكن الاسم هنا اسم على مسمى. تخرج في جامعة خاصة ولدت في عصر «التطوير والتحديث» في العقد الأول من حكم الرئيس بشار الأسد. تعلم مناهج غربية «أفسدت عقله»، كما كان يقول له والده الذي تشرّب الولاء والآيديولوجيا في مدارس «البعث». ولاؤه لا يوازي ولاء والده الضابط في الجيش النظامي. قطرة في بحر. كان اختار أن يمضي نهاية كل أسبوع في بيروت. والده يختار، عندما يكون لديه الخيار، أن يمضى إجازته في الضيعة في الساحل. علي نجح في «الفرار» من الذهاب إلى الخدمة الاحتياطية في الجيش. لا يريد أن يُقتل. وربما، لا يريد أن يقتل أيضاً. لا بأس من بعض الواسطة. استفاد من أموال وفرها الوالد، جمع آلاف الدولارات… وقرر الرحيل من بوابة العريضة في طرطوس إلى لبنان، ثم إلى «أوروبا الآمنة». أراد الأب أن يستأنس برأي صديقه الضابط عن أسباب هجرة الشباب، أجاب الصديق من وراء مكتبه في دمشق وبين زحمة الاتصالات كمن يفشي سراً: «هذه هي حال البلد، ومن لا يعجبه ذلك، الباب مفتوح مع السلامة. فليمشِ»… إلى حيث يشاء.

ذات يوم ليس بالبعيد، رجل في نهايات العمر، كان يتسامر مع صديقه على الهاتف. كان يطمئنه عن صحته بعد عودته من زيارة الطبيب، قال: «خلص، سأذهب بعد يومين لتفجير البحصة». في اليوم الثاني، من هذه الجملة السحرية، اختفى الرجل الهرم عن أهله. بعد ساعات وساعات، عاد بعدما فك عناصر الأمن لغز كلماته. «البحصة» اسم منطقة في وسط دمشق. هي أيضاً، كلمة شامية لتجمّع الرمل في الكلية. من كان يتنصت على الهاتف، ظن أن الرجل يريد أن «يفجر» منطقة البحصة قرب المستشارية الثقافية الإيرانية وسط العاصمة.

في «المنطقة الخضراء» الآمنة في هذه المدينة ذاتها، مكتبان سياحيان. أسامة ومحمد وغالب، التقوا في أحدهما. ينظم المكتبان رحلات يومية من دمشق إلى المصنع على الحدود السورية - اللبنانية وصولاً إلى مدينة طرابلس اللبنانية على البحر المتوسط، حيث التقوا بالشاب علي، في الطريق إلى تركيا… وبلاد الاغتراب. الخروج من دمشق يتم بواسطة باص. أربعون، من الهاربين واللاجئين والمهاجرين، في كل منها. ليست هناك ضرورة للنزول من الباص على حدود بلدة المصنع اللبنانية، حيث تشددت الإجراءات في التعامل مع السوريين في الأشهر الأخيرة. هناك من ينزل إلى نقطة التفتيش وينهي أوراق العبور. في طرابلس، يكون هناك خياران الانتقال بالسفينة أو بالقارب إلى مرسين التركية.

ووفق إحصاءات مرفأ طرابلس، غادر 27 ألف سوري في تموز (يوليو) و30 ألف في آب (أغسطس) الماضيين، علماً أن 30 ألفاً كان إجمالي عدد المغادرين في 2013 و50 ألفاً في العام الماضي. هناك يومياً سفينتان من طرابلس إلى تركيا (مرسين أو إزمير) وبين 8 و15 قارب صيد. والتقديرات، أن ألف شخص يبحرون من طرابلس إلى تركيا. ووفق إحصاءات نقطة المصنع، يمر 800 سوري يومياً، يضافون إلى حوالى مئة من معبر العريضة بين لبنان وطرطوس السورية. أما المئة الأخرى، فهم من السوريين الموجودين في لبنان، حيث هناك 1,2 مليون مسجلون لدى «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، إضافة إلى حوالى نصف مليون غير مسجلين، علماً أن «المفوضية» توقفت منذ 5 كانون الثاني (يناير) الماضي عن قبول لاجئين جدد، وأن 58 ألفاً أزيلت أسماؤهم من القوائم الدولية.

 

هندسة إيرانية ونزيف سوري

محمد وغالب بين المتضررين من مشروعين ينهضان في دمشق. أحدهما خفي وآخر علني. قبل أشهر، صدر مرسوم تشريعي بإعادة تنظيم منطقة «مزة بساتين» أو «شرق المزة» خلف السفارة الإيرانية ومستشفى الرازي على أوتوستراد يربط طريق بيروت بساحة الأمويين. ووجهت الحكومة إنذارات إلى ساكني المنطقة البالغ عددهم حوالى 200 ألف شخص، لإخلائها. المشروع الذي يشرف عليه مستشار في محافظة دمشق مدّد له على رغم تقاعده، يتضمن إقامة أبراج سكنية ونقاط طبية ومدارس وقسم تجاري. ويمتد المشروع من أطراف بلدة داريا، الخاضعة لسيطرة المعارضة ومطار المزة العسكري، إلى أطراف مقر رئاسة مجلس الوزراء، ومن السفارة الإيرانية إلى حدود مقار أمنية.

ووفق بيان منشور على صفحة المشروع في «فايسبوك»، فإن مخطط البناء توسع نظراً إلى إقبال الناس عليه، مضيفاً: «المنطقة الأولى، وهي بساتين الرازي، أغلى منطقة سعراً بين مناطق التنظيم سواء قبل صدور المرسوم الرئاسي أو الآن. وعند إنجاز 50 في المئة من التنظيم والبناء في هذه المنطقة، من المتوقع أن ترتفع أسعار هذه المنطقة لتكون أغلى منطقة في سورية قاطبةً وليس في دمشق فقط».

وكانت منظمة «هيومان رايتس ووتش» أصدرت بداية العام الماضي تقريراً في عنوان: «التسوية بالأرض: عمليات الهدم غير المشروع لأحياء سكنية في سورية بين 2012 و2013»، تناول سبع مناطق بينها كفرسوسة والمزة محيطة بمطار المزة العسكري جنوب العاصمة. وتحدث التقرير عن إجمالي المساحة المهدمة في سبع مناطق، بنحو 140 هيكتاراً، متهماً السلطات بـ «تعمد» تدمير مناطق سكنية وتهجير أهلها، فيما قال مسؤولون سوريون أن ذلك حصل خلال «المعارك» مع مقاتلي المعارضة، لافتين إلى أن هذه المنطقة مخالفة لمخطط تنظيم العاصمة. وطرح معارضون أسئلة عن أسباب شمول هذه المنطقة بتنظيم الأحياء العشوائية من دون غيرها من الأحياء مثل «حي 86» الموالي للنظام الذي تسكنه أسر مسؤولين في الجيش والأمن.

على حدود مشروع «الضاحية الجنوبية» لدمشق قرب بناء السفارة الإيرانية الحالية التي تحولت حصناً منيعاً أكل نصف أوتوستراد المزة، ينهض بناء ضخم لمبنى جديد يزيد عن حجم أي سفارة أخرى في العاصمة بما فيها السفارة الأميركية و «كأنه بناء سفارة الإمبراطوية الإيرانية»، كما قال أحد العارفين. يُضاف إليه 16 هكتاراً في منطقة يعفور كانت الحكومة الإيرانية حصلت عليها من الحكومة السورية ضمن تسوية لديون تعود إلى بداية الثمانينات تضمنت حصول دمشق على نفط إيراني بأسعار خاصة بعد وقوف النظام مع إيران في الحرب بين بغداد وطهران. وكان مقاولو عقارات تجولوا في في الأبنية المجاورة، فاشتروا بعضها واستأجروا شققاً أخرى. لكن بالتأكيد، بات مسؤولو السفارة يعرفون تفاصيل القاطنين في كل شقة في «حرم» البناء.

غالب الرجل القلق، ترك باب توما. كان أيضاً بين المتضررين من «الانغماس» الجديد. قال محام وأحد العارفين بما يجري، أن تجاراً محسوبين على إيران يشترون معظم العقارات المحيطة بمزار السيدة رقية قرب الجامع الأموي في دمشق القديمة. وأشار إلى أن أسعاراً مغرية تقدم لعقارات محددة تحيط بالمزار. ونقل عن محام آخر أن تاجر عقارات أبلغ أحد المالكين مقابل مصرف سورية المركزي: «نريد هذا البناء ومستعدون لأي سعر تريده». ووفق معلومات المحامي، فإن «الخطة الإيرانية»، تتضمن هنا إقامة مجمع أشبه بمجمعات محيطة بـ «السيدة زينب» في جنوب دمشق، يتضمن فنادق ومطاعم وأسواق ومزارات… قرب جامع بني أمية وصولاً إلى نقاط تقع في قلب دمشق، أي المصرف المركزي ومقر مجلس الشعب (البرلمان).

في حمص القصة مختلفة وليست مختلفة. كان مسؤول إيراني «أقنع» مسؤولين أمنيين سوريين في منتصف العام الماضي، بضرورة الوصول إلى صفقة تضمنت خروج مقاتلي المعارضة من أحياء حمص القديمة مقابل دخول القوات النظامية إلى أحد أهم أحياء «عاصمة الثورة». باتت كل الأحياء خاضعة لقوات النظام و «قوات الدفاع الوطني» المحسوبة على إيران، باستثناء حي الوعر المحاصر.

اللافت، هو انطلاق مشاريع إعادة إعمار في حمص بينها «مشروع إعمار وتنظيم بابا عمرو» وأحياء أخرى، كانت مسرحاً للعمليات العسكرية قبل نزوح أهلها وسيطرة النظام عليها. وسيقام المشروع على مساحة 217 هكتاراً ويضم 465 مقسماً سكنياً، إضافة إلى مدارس ومستشفيات. وتداول ناشطون معارضون وثيقة تحدثت عن اعتبار النظام «منطقتي بابا عمرو والعباسية منطقتي مخالفات جماعية والعمل على تنظيمهما».

ونقل ناشط محلي عن محافظ المدينة طلال البرازي قوله في جلسة خاصة، أن «المشروع يضمن حقوق المالكين والشاغلين سواءً بالسكن البديل أو التعويض»، علماً أن أهل الحي باتوا خارج البلاد! يضاف إلى ذلك، الحريق الذي نشب في مقر سجل العقارات في حمص قبل بنحو سنتين، ما أدى إلى تلف سجلات الملكية. وروى أكثر من شخص أنه لم يجد سجلاً لقيوده أو ملكيته لدى مراجعته دوائر حكومية جديدة في حمص. وقال آخر: «حمص باتت مدينة أخرى».

القصير وبعد أحياء مدينة حمص التي سيطرت عليها قوات النظام سابقاً، كان يمكن أن تكون وجهة لأهالي بلدتين شيعيتين من ريف إدلب. ووفق جولة مفاوضات أجريتت بين وفد إيراني ومقاتلين معارضين في تركيا قبل أسابيع، لبحث وقف النار في الزبداني شمال غربي دمشق وبلدتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب، اقترح الجانب الإيراني خروج مقاتلي المعارضة وعائلاتهم من الزبداني إلى «إدلب حصراً» مقابل خروج حوالى عشرة آلاف من أهالي الفوعة وكفريا المسنين والأطفال. كما أن أحد القادة الموالين لإيران، اقترح نقل آلاف من أهل البلدتين الشيعيتين إلى منازل بين منطقة «السيدة زينب» ودمشق... بانتظار المشاريع الناهضة.

المفاوضات استؤنفت بعد هدنة موقتة في الزبداني والفوعة، بعدما لم يكتب لجولتها السابقة النجاح الذي كتب لمفاوضات أحياء حمص القديمة في أيار (مايو) الماضي، عندما فرض المسؤول الإيراني تسوية لم يكن يقبلها ممثل النظام. لم يعرف سبب فشل الصفقة الجديدة سابقاً: هل بسبب الضغط الذي تعرض له النظام من أنصاره بسبب اتهامات معارضين بينهم «حركة أحرار الشام» المسلحة بـ «تطهير طائفي» ضد «العرب السنّة»، أم بسبب رفض روسي مشاريع «الهندسة الاجتماعية» سواء كانت من إيران ومن حلفاء المعارضة أم إن النظام، أو بعضه، بات في موقع القادر على رفض اقتراح إيراني. الأكيد أن النظام لم يوافق على إطلاق سراح معتقلين كان وافق الجانب الإيراني على إطلاقهم، مع الإشارة إلى محاولة إيرانية جديدة لفرض تسوية!

أيضاً، أفادت معلومات بأن أجهزة الأمن السورية التي باتت منذ الثامن من آب الماضي موكلة إعطاء موافقة خطية على أي عملية بيع أو شراء عقاري سواء كان منزلاً أو أرضاً في مناطق النظام للسيطرة على العملية، رفضت الموافقة على عقود لإيرانيين اشتروا أراضي في حمص وريفها، في وقت يتوقع استثمار المحسوبين على إيران في قطاع العقارات و «الهندسة الاجتماعية» بعد بدء تدفق الاستثمارات إلى إيران ورفع تجميد أرصدتها بموجب الصفقة النووية، خصوصاً أن الإيرانيين، غير الميليشيات، يملكون حرية القدوم إلى سورية من دون أي تأشيرة منذ سنوات.

باتت الآن أعلام روسيا وصور الرئيس فلاديمير بوتين تنافس أو تجاوز علامات الإيرانيين ورموزهم في مناطق النظام، خصوصاً دمشق بما في ذلك البضائع المكتوب عليها باللغة الفارسية. يضاف إلى ذلك، بدء وصول حرفيين وأطباء ومهندسين إلى دمشق، علماً أن إحصاءات خبراء معارضين، تتحدث عن مغادرة 15 ألف طبيب سوري، بينهم أربعة آلاف طبيب من حلب من أصل ستة آلاف.

رفض «الهندسة الاجتماعية» بالنسبة إلى موسكو، يعني رفض تغيير الأنظمة السياسية من الخارج واحترام سيادة سورية ومؤسساتها. رفض روسي للتغيير من فوق، في وقت تجرى محاولة لتغيير المجتمع من تحت.

هناك من ترك البلاد هرباً من «البراميل المتفجرة» والكيماوي و «داعش» والملاحقات الأمنية، فزاد عدد اللاجئين في دول الجوار عن خمسة ملايين. الجديد، هو خروج الطبقة الوسطى والثرية. الخوف من الخطف و «موت الأمل» وعدم الثقة بثبات السيطرة النظامية وتراجع مستوى المعيشة أدى إلى خروج البعيدين من السياسة من مناطق النظام أو من «سورية المفيدة»، كأن هناك من يريدها أن تكون «مفيدة أرضاً وشعباً». من غير المعروف، إلى أي حد سيوقف الانخراط العسكري الروسي من نزيف السوريين.