«الثائر المقنّع» يثير في الخفاء قضايا حرية الرأي في كوبا

البابا يتحدث إلى كاسترو. (أ ف ب)
هافانا (كوبا) - شوقي ألريّس |

كثيرون شعروا بالخيبة أمس، وهم يستمعون إلى الخطبة المنتظرة التي ألقاها البابا فرنسيس في ميدان الثورة أمام النصب التذكاري الضخم للقدّيس العلماني تشي غيفارا. البابا الذي يحمل قضايا الفقراء والمهاجرين والمضطهدين ويهاجم «عولمة اللامبالاة» ويدعو في كل مواعظه الى «عولمة التضامن» ويشدّد على عدم جواز انتهاك كرامة الإنسان، لم يتوقف لحظة واحدة عند قضيّة المنفيين والمنشقين والمعتقلين السياسيين في كوبا.

الزيارة السياسية الأبرز في مسيرة البابا اليسوعي، إلى جانب تلك التي تبدأ بعد يومين الى الولايات المتحدة، أطلقت مجدداً الجدل الذي لم يتوقّف حول المشارب العقائدية والمقاصد السياسية لمن تجمع وسائط الإعلام على اعتباره اليوم «الشخصية الأكثر صدقية في العالم».

قبل ساعات من بدء القداس الاحتفالي الحاشد الذي رأسه البابا برغوليو أمام الحشود التي كان يتوسطها راوول كاسترو الى جانب رئيسة الأرجنتين التي تحرص على مرافقة البابا في كل زياراته، كانت الشرطة الكوبية تعتقل عشرات المعارضين السياسيين الذين كانوا يعتزمون مقابلة البابا لطرح قضاياهم ومطالبهم أمامه. ولم تنقض ساعة على نهاية القدّاس حتى كان البابا فرنسيس أمام منزل فيديل كاسترو محاطاً بزوجته وأولاده وأحفاده، ليمضي معه ثلاثة أرباع الساعة يتبادلان الكتب ويتحادثان حول «قضايا العالم الكبرى».

وعندما سألنا الناطق بلسان الفاتيكان اليسوعي فيديريكو لومباردي، عما إذا كان البابا سينهي زيارته الى كوبا من غير أن يجتمع بالمنشقّين السياسيين أو ان يثير قضيتهم، أجاب: «زيارة البابا لا تقتصر على الخطب العلنية والمواعظ... بل تشمل ايضاً قضايا تناقش بعيداً عن الأضواء»، موحياً بأنه (الحبر الأعظم) يتوسّط «بتكتم في موضوع المعارضة والمعتقلين السياسيين».

الذين يحملون على البابا بسبب صمته إزاء موضوع الحريات السياسية في كوبا، خصوصاً بعد الدور المحوري الذي لعبه في استئناف العلاقات بين واشنطن وهافانا، يرون فيه «ثائراً مقنّعاً» أو «شعبويّاً» كما وصفته «ذي ايكونوميست» الرصينة، لأنه اختار أن يزور كوبا قبل الولايات المتحدة.

وتتوقع الأوساط الفاتيكانية المرافقة أن تشتّد الحملة عليه خلال زيارته الى الولايات المتحدة على رغم التأييد الشعبي الواسع هناك لمواقفه. فالمرشحون الجمهوريون يجمعون على وصفه بـ «الماركسي» لانتقاداته الشديدة النظام الرأسمالي وما يولّده من فوارق اجتماعية واستغلال وتهميش للفقراء، والمحافظون عموماً ينتقدونه لتدخّله في «شؤون ليست من اختصاص الكنيسة» كالهجرة والبيئة، أو لدفاعه عن حقوق الفقراء في المسكن والأرض والعمل.

لكن المدافعين عن مواقفه يستحضرون الفوارق الصارخة في المشهد الدولي العام التي تدفعه الى القول: «إن انتهاك حقوق الإنسان لا يقتصر على الإرهاب والقمع والاغتيال، بل هو ايضاً نتيجة الفقر المدقع والنظم الاقتصادية المجحفة التي تولّد الفوارق الاجتماعية الحادة «. ويذكّرون بأنه لم يدافع أبداً عن الإجهاض، لكنه حذّر بجرأة من أنه «لا يمكن أن ندين الإجهاض ونقبل بإلقاء سبعين ألف قنبلة على العراق».

ولا شك في أن هذا البابا الأميركي اللاتيني يدرك تماماً كثافة المضمون الرمزي للثورة الكوبية التي على رغم تجاوزاتها وسقطاتها وانتكاساتها، لا تزال تشكّل أحد المعالم السياسية والاجتماعية المفصلية في المنطقة التي تعتبر خزّان الكثلكة في العالم. وقد يكون البابا فرنسيس مطمئناً بأن الثمرة النهائية لمساعيه التوفيقية بين الولايات المتحدة وكوبا ستعوّض سكوته العلني عن قضية الحريات السياسية المقموعة في الجزيرة. لكن من المؤكد أن الخطاب المرتقب الذي سيلقيه بعد أيام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك سيكون بمثابة خريطة الطريق المتوّجة للمسار التحوّلي لهذا اليسوعي الذي رأس الكنيسة الأرجنتينية في كنف أبشع النظم الدكتاتورية، ليتربّع متقشّفاً في السدّة الرسولية والعالم على شفير أزمة أخلاقية عميقة.