حبيب يونس «يدوِّن» تاريخ لبنان تلفزيونياً

حبيب يونس مع الروائي الكسندر نجار بين آثار مدينة صور (الحياة)
بيروت - «الحياة» |

نادرة هي البرامج الثقافية على المحطات التلفزيونية، اللبنانية والعربية. هذه البرامج لا تتحمس لها إدارات المحطات، فهي أولاً لا تجذب المعلنين وإعلاناتهم، ثم إنها تعد من البرامج النخبوية التي لا تغري الجمهور العريض. ولعل مثل هذه الذرائع حرم جمهور التلفزيونات من البرامج الثقافية التي ترافق الحياة الثقافية العربية وتعالج مسائل مهمة وقضايا ترتبط بالثقافة عموماً وما يتفرع عنها.

من البرامج الثقافية القليلة في التلفزيونات اللبنانية برنامج «رح نبقى هون» الذي يعده ويقدمه الشاعر والصحافي حبيب يونس على محطة «أو تي في». ولئن بدا عنوان البرنامج غريباً عن العناوين الثقافية فهو على العكس، يصب في صميم الثقافة التاريخية والحضارية لكونه يتناول قضايا التاريخ اللبناني والمشرقي القديم والنهضوي أو الحديث.

وعلى رغم جدية البرنامج وتعمقه في القضايا، الإشكالية في أحيان، التي يعالجها، مستضيفاً أسماء علمية وأكاديمية، فهو يملك قدرة على جذب الجمهور غير المتخصص وغير النخبوي، تبعاً لطريقة تقديمه أولاً ثم لانفتاحه على الثقافة التاريخية العامة التي تعني هذا الجمهور. أما الطريقة التي اختارها يونس فهي غير تقليدية. فهو لم يشأ أسر ضيوفه داخل الاستوديو بل ذهب معهم برفقة فريق التصوير، إلى الأماكن التاريخية والأثرية التي يجري الكلام حولها ويتم التطرق إلى تاريخها ومعالمها الأثرية والحضارية.

وفي هذا السياق صور يونس حلقات عدة في صور وصيدا وجبيل وسواها، قرب القلاع والهياكل، مما أضفى على اللقاء جواً معرفياً وسياحياً في المعنى الثقافي. وفي حين يتحدث الضيف، المؤرخ والعالم، عن تـــاريخ صور أو جبيل على سبيل المثل، فالجمـــهور يشاهد آثار تلك المدن القـــديمة. أما الحلقـــات الأخرى التي تـــدور حول أمور تراثية وتاريخية وانتروبـــولوجية فهي تُصور في الهواء الطلــــق، في الحدائق والحقول... المهم أنها تتم خارج الاستوديو التقليدي.

واللافت أن يونس لم يقصر اللقاء على الحوار مع الضيف بل أرفقه بعمل وثائقي وتحقيقات مصورة وهذا ما زاد من تنوعه وسعة جوه. ولم يبد يونس مجرد إعلامي محاور بل هو يناقش ويساجل ويبدي رأياً، فهو متضلع من أمور التاريخ والحضارة.

يقول حبيب يونس في لقاء سريع مع «الحياة»: «برنامج «رح نبقى هون»، الذي أعده وأقدمه على شاشة «أو تي في»، كل إثنين الثامنة والنصف مساء بعد نشرة الأخبار، قد يكون اليوم البرنامج الوحيد على مجمل الشاشات، في لبنان والعالم العربي، يعنى بالتاريخ بموضوعية ومن دون خلفيات سياسية. فكرة البرنامج لرئيس مجلس إدارة «أو تي في»، السيد روي هاشم، الذي وقف على استعدادي لتقديم برنامج مماثل، فما ترددت، ووضع إمكانات المحطة في تصرفه. وهو لا يسير وفق تسلسل زمني، إنما يعتمد أحداثاً دارت على هذه الأرض، من حقبات ما قبل التاريخ، نستعرضها مع مؤرخين أو أساتذة متخصصين في الحقل، أو يتناول شخصية من شخصيات التاريخ اللبناني، ونضيء على جوانب مجهولة أو معلومة فيها. ونعتمد التصوير في مكان الحدث، أو في ما يرمز إليه. البرنامج مستمر، وهو يعنى راهناً بالشأن اللبناني، على أمل أن يتوسع، إذا سمحت الظروف، ليتناول تاريخ دول المنطقة».

أما هدف البرنامج فهو، كما يقول «التعرف إلى تاريخنا من خلال عنصرين أساسيين هما الوثيقة والمنطق، وصولاً إلى الحقيقة، بعيداً من أي تأثر سياسي أو عقائدي. وقد استضاف إلى الآن كوكبة من كبار المتخصصين ذوي الباع الطويل، في حقول التاريخ، وهو يلقى قبولاً لدى مختلف الأذواق والشرائح، ويحقق، كبرنامج يعد نخبوياً وسط كم البرامج السائدة، نسبة مشاهدة محترمة. ويتضمن البرنامج تقارير من ضمن سياق كل حلقة، أو على هامشها، تتولاها إعلاميتان هما من فريق الإعداد: روزي حاكمة وساندي شامي، لتجنب أي شعور بالملل الذي قد يحدثه السرد، ويصور بتقنية عالية، خصوصاً حيث الأماكن الأثرية، فيكون، إلى هدفه الأساس، نوعاً من سياحة داخلية في جغرافيا لبنان الغنية بالآثار، يجب تشجيع اللبنانيين عليها. وقد لاحظت أن كل معلم أثري أصور فيه حلقة، يصبح قبلة للزوار».

أما سبب تسمية البرنامج «رح نبقى هون» فهو كما يوضح، «دعوة اللبنانيين إلى التشبث بأرضهم، والقول لهم إن أسلافنا بقوا هنا على رغم أخطار جمة واجهتهم، وأن تاريخنا حافل بالمصاعب، فلا يجوز أن نيأس، بل يجب أن نتصدى لكل الأخطار موحدين».