المدارس الأهلية المسيحية في إسرائيل بين تحديين تمييز الحكومة ومطالبة الأهالي بدور في التفاوض

صورة من الأرشيف لاحتجاجات المدارس الأهلية في إسرائيل على تقليص الحكومة دعمها المادي لها. (أ ف ب)
الناصرة - أسعد تلحمي |

ألقى إضراب المدارس الأهلية «المسيحية» في إسرائيل المتواصل منذ مطلع هذا الشهر احتجاجاً على تقليص الحكومة دعمها المادي لها، الضوء على دور هذه المدارس منذ أكثر من مئة عام في تخريج كم كبير من كبار المثقفين الفلسطينيين، ومن جهة أخرى على تفرد إدارات هذه المدارس بالقرار ورفضها إشراك أهالي الطلاب وتجنبها اعتبار ضائقة هذه المدارس قضية وطنية مثلها مثل القضايا الأخرى التي يعاني منها فلسطينيو الداخل نتيجة سياسة التمييز التي تنتهجها ضدهم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

ويشمل الإضراب 33 ألف طالب عربي على مختلف انتماءاتهم الدينية يدرسون في 47 مدرسة محصورة إدارتها بيد الكنائس والأديرة.

وجاء الإضراب على خلفية التقليص المتواصل في الموازنة الحكومية لتصل إلى 29 في المئة مما تحصل عليه المدارس الحكومية، بينما ينص القانون على منح هذه المدارس وغيرها من المدارس غير الحكومية 75 في المئة على الأقل.

وأقيمت غالبية هذه المدارس قبل أكثر من 150 عاماً من جانب إرساليات مسيحية من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وغيرها، التي أقامت أيضاً مستشفيات ثلاثة في الناصرة.

وفي ظل تدني مستوى التعليم في غالبية المدارس الحكومية في البلدات العربية، كانت المدارس الأهلية ولا تزال «الخيار النوعي» لطالبي العلم، لكن مكْلف مادياً. وتقرّ وزارة التربية والتعليم بأن طلاب المدارس الحكومية للعرب يعانون فرقاً شاسعاً في الموازنات قياساً بما يُعطى للمدارس اليهودية خصوصاً المدارس الدينية. كما تختلف مناهج التعليم في المدارس الأهلية عنها في «الحكومية» التي يقرّها موظفو وزارة التربية والتعليم وتعتمد «الأسرلة» وتغييب الهوية الفلسطينية، فضلاً عن تدخل الوزارة في تعيين المديرين.

وعلى مدار عقود طويلة عرفت المدارس الأهلية بالتحصيل العلمي الرفيع لطلابها حتى غدت أفضل المدارس في إسرائيل متقدمةً على المدارس اليهودية أيضاً. ورغم أن عدد طلاب هذه المدارس لا يتعدى 6 في المئة من عدد الطلاب العرب في كل المدارس، إلا أن 30 في المئة من خريجي الجامعات هم من خريجي هذه المدارس، و87 في المئة من خريجي «الهايتك» هم من خريجيها.

ويقول أستاذ الإعلام البروفيسور مصطفى كبها إن هذه المدارس «ساهمت مساهمة عظيمة في عصر النهضة والتنوير وتخرج منها معظم من كان لهم شأن في منطقة الشرق العربي من النخب الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية».

ويشير إلى أنه «مع ظهور الفكر القومي والوطني وانتشاره تحولت هذه المدارس إلى حاضنة ودفيئة لناشطي الحركة القومية العربية والحركات الوطنية المختلفة، لتلعب دوراً مميزاً في الإبقاء على الهوية الوطنية والعمل على صيانته، وقد يكون ذلك بعكس ما أراده الغرب من عملية إنشائها».

من جهة ثانية، يثير الإضراب نقاشاً ساخناً بين إدارة الإضراب «الأمانة العامة للمدارس المسيحية» وأهالي الطلاب على خلفية ميل «الأمانة» لقبول اقتراح وزارة التربية والتعليم بإنهاء الإضراب في مقابل تلقي رُبع المبلغ الذي طالبت به «الأمانة» عند إعلانها الإضراب، وهو ما يرفضه الأهالي الذين يطالبون بتصعيد الاحتجاجات لإرغام الحكومة على حصول أبنائهم على حقوق متساوية مع سائر الطلاب، وهكذا يتم خفض الأقساط الشهرية الباهظة التي يدفعونها.

وترفض «الأمانة»، التي تتشكل من ثلاثة رجال دين مسيحيين وثلاثة مديري مدارس، إشراك الأهالي في اتخاذ القرار المناسب، استمراراً لسياستها الرافضة تشكيل لجان أهالٍ للطلاب في المدارس التابعة لها. كما لا تمنح نواب «القائمة العربية المشتركة»، الذين وقفوا مع المدارس في معركتها، حق المشاركة في اتخاذ القرار المناسب إنهاء الإضراب أو التصعيد.

وفي حديث إلى «الحياة» مع أحد النواب العرب الذين فاوضوا مع «الأمانة» وزارة التعليم، قال إنه لمس أن «الأمانة» ليست معنية بالتصعيد، كما أنها ليست معنية بأن تكون قضية المدارس «قضية وطنية كغيرها من القضايا».

ويأخذ أعضاء كبار في «لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية» على «الأمانة» أنها أعلنت الإضراب من دون استشارة اللجنة، وأنها فقط بعد أيام من بدء الإضراب طلبت تدخلها وتدخل «القائمة المشتركة». كما لامها آخرون على إطلاق اسم «المدارس المسيحية» بدلاً من المدارس الأهلية، علماً أن أكثر من ثلث طلابها ليسوا من المسيحيين ورأوا أن هذه التسمية تعرقل تحويل معركة هذه المدارس معركة جميع المواطنين العرب.