الدرعية العاصمة السعودية الأولى.. من أطلال قصر «سلوى» إلى صخب «البجيري»!

الرياض - عيسى الشاماني |

بنسيمها العليل، المسترسل في مرحه، وشوارعها المزينة بأشجار منحوتة، تبدو عاصمة الدولة السعودية الأولى «الدرعية»، التي شع منها نور الدعوة الإصلاحية، وهي تمسك بعبق الماضي، منطلقة بخطوات وئيدة نحو الحياة العصرية. قصر سلوى، و«ساحة البجيري» الصاخبة، تأخذك إلى الوجه الآخر لهذه البلدة، لتبقى شارد اللب، محلقاً في طبيعتها، وكأنها تتبسم للزائرين، بحسب ما يؤكده أبومحمد، الذي يجلس على طاولة خشبية في مقهى منزوٍ على يمين الساحة، ومن حوله أوراق متناثرة، يقول إنها نصوص شعرية سترى النور قريباً.

هذا جانب من يوميات رواد المدينة هذه الأيام، وهي التي لعبت دوراً محورياً في التاريخ السياسي للمملكة العربية السعودية، كونها تمثِّل عاصمة الدولة السعودية الأولى. وبرز دورها السياسي والدعوي جلياً منذ نشأتها. إلا أن اندثار عمران الدرعية عند بدايات القرن الـ19 الميلادي جعلها مهجورة في معظم أجزائها. قبل أن يعاد إعمارها وتحويلها إلى مركز ثقافي، عبر مشاريع تراثية وعمرانية واجتماعية واقتصادية.

وحي البجيري هو الشاهد على اكتمال الدرعية الجديدة، التي أصبحت بأبهى صورها، وكأنها تقول للزائرين: أنظروني أنظروني. ويقول أبومحمد، الذي اشترى منزلاً حديثاً في حي الفيصلية بالدرعية: «إن الدرعية، على رغم الهدوء الأبدي الذي تتميز به، إلا أنها تشهد حياة عصرية متسارعة، ولا سيما ساحة البجيري، المكتظة بالزوار دائماً، منذ افتتاحها في نيسان (أبريل) الماضي، التي أصبحت مكاناً غير اعتيادي، بجمعها بين التراث العمراني والبيئة الطبيعية، إضافة إلى متنزه الدرعية الذي يأخذ المساحة الكبرى من الحي الذي يقع على حافة وادي حنيفة.

ويضيف: «الأجواء هنا قل نظيرها، ولكن أكثر ما يزعجك عمليات الكر والفر والمطاردات بين الشبان ورجال الهيئة». ويتَّسم الحي بقيمته الثقافية وموقعه الاستراتيجي، إذ يقع على الجهة الشرقية لوادي حنيفة، مقابلاً حي الطريف، وتتوسطه ساحة كبيرة تزدهر بالحياة الصاخبة، تنتشر على أطرافها عدد من المحال التجارية المبنية على نسق حديث، كون ممرات رُصفت بالحجر الطبيعي، وتتوزع بين جنباته إضاءات تمنح المكان أجواء مغايرة عن المدن الحديثة، وعلى أطراف الساحة تنتشر المطاعم والمقاهي، التي عادة ما تستقبل العائلات، في حين ينتظر العزاب أياماً محددة من الأسبوع.

ويرى أبومحمد، الذي كانت ترافقه طفلته الصغيرة التي اصطحبها بعد أن رفض حراس الحي إدخال «الحياة»، أن «أكثر ما يميز الساحة، فضلاً على كونها تسرد حكاية حي جديد، ينبثق من مدينة قديمة كانت مهجورة لقرون مضت، فأنها تستقبل زواراً تغلب عليهم سمة الحنين إلى الماضي، والعيش في هدوء». وزاد «كثير من المعالم والآثار في المدينة، غاب معناها التراثي، وثبت في مكانه المعنى الاجتماعي، فأصبحت الدرعية تستأثر بمكانتها، فهي مثل شهرزاد متعلمة متفلسفة، حتى أعادت نفسها مجدداً إلى الواجهة».

ويتوسط حي البجيري جسر «محمد بن عبدالوهاب» المخصص للمشاة، الذي ينقل الزوار إلى الضفة الغربية من وادي حنيفة، الذي تتربع على سفحه الدرعية التاريخية، وشواهد أطلال قصر سلوى، إلى الحي التاريخي الذي يشمل 12 قصراً، وبيت المال، ومتحف الخيول العربية الأصيلة التي تعود سلالتها إلى خيول الدولة السعودية الأولى.

وتشهد المرحلة الثانية من تطوير الدرعية والمقرر الانتهاء منها نهاية العام الحالي، إعادة ترميم حي طريف الذي يعد أقدم الأحياء في المملكة، والمسجل ضمن قائمة التراث العالمي التابع لـ«اليونسكو»، وهو حي ارتبط بمؤسس الدولة السعودية الأولى الإمام محمد بن سعود، إذ يضم قصور حكم الأئمة من آل سعود، ومساجدهم، ومدارسهم، وقصور أمراء الدولة، وأمراء أسرة آل سعود، من القادة والزعماء. ويهدف تطوير الحي إلى إبرازه شاهداً على تطور الدولة السعودية، بما فيه من متاحف وقصور وشواهد معمارية.

 

 

 

مركز محمد بن عبد الوهاب ... يستقطب الزوار

 

< يجري العمل حالياً على إنشاء مؤسسة ثقافية تحمل اسم «الشيخ محمد بن عبدالوهاب»، وتتضمن كتباً ووثائق، ستكون متاحة للبحوث فضلاً على الوسائط المتعددة في «قاعة تذكارية» توضح الحركة الدينية التي استوحاها. ويعتمد تصميم المبنى على تكوين متعدد الكتل يسمح بالحركة والرؤية البصرية النافذة من الشارع الرئيس، مثلما يمتاز المبنى بانحداره في اتجاه الغرب، ليتيح للزوار استخدام سطحه منصة مشاهدة، وإطلالة ساحرة على حي طريف والمناطق المجاورة، وينتشر فوق هذا السطح، شبان وفتيات، ينقلون شواهد الحي، عبر قصص «سناب شات» و«تويتر» و«انستغرام»، فيما تراقب عيون رجال الهيئة الوضع العام بنظرات سريعة.

وبحسب اللجنة العليا لتطوير الدرعية، فإن المؤسسة تهدف إلى «التعريف بدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وتأكيد دور المملكة القيادي في العالم الإسلامي وتعميقه، عبر خطط ووحدات متنوعة، من أبرزها: وحدة المعلومات والمكتبات، والدروس الشرعية الإلكترونية، والبحوث والدراسات، والحوار والإنترنت، إضافة إلى قاعة تذكارية تقدم الدعوة الإصلاحية في عرض متحفي هادف ومشوّق. ويؤكد رئيس اللجنة العليا لتطوير الدرعية عبدالله الركبان أن المركز يشمل خمسة متاحف صغيرة، تصور كيف كانت الحياة إبان الدولة السعودية الأولى التي استمرت بين العامين 1744 و1818، مثلما هناك تجسيد حديث للمكان الذي كان يصلي فيه الشيخ. وجرى ضمن المشروع تطوير جامع الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذي كان يؤُمُّه، ويلقي فيه دروسه أمام طلبته الذين كانوا يتوافدون من أنحاء الجزيرة العربية كافة، ليتسع المسجد بعد تطويره لأكثر من ألف مصل.


الأكثر قراءة في دوليات
المزيد من دوليات