السوداني حامد الناظر يروي صراعات أريتريا

سلمان زين الدين |

السؤال الاجتماعي في ظل الاحتلال الأجنبي هو المطروح في رواية «نبوءة السقّا» للروائي الســـوداني حامد الناظر (دار التنوير). يشكّل الوطني إطاراً للاجتماعي الذي يأخذ مداه في الصراع وتضييق الهوة بين طبقتين اجتماعيتين، زمن الهدنة، حتى إذا ما طفا على السطح خطر الاحتلال، تتوحدان وتدفعان معاً ثمن المواجهة. وهكذا، فإن ما يفرّقه الاجتماعي يوحّده الوطني.

في روايته، يتناول الناظر الصراع الطبقي في قرية أريترية خاضعة للنفوذ الإثيوبي، في ستينات القرن العشرين، ويفكّك الأساطير المختَلقة لاستقطاب الناس الذين يشكلون وقود الصراع وأدواته، ويبيّن كيفية تغليف الطموحات الفردية بقضايا اجتماعية، وتفريق الناس بشعارات الأصول والأنساب والطبقات للصعود على ظهورهم، وتحقيق المآرب الخاصة، حتى إذا ما تحقق ذلك، وأزفت ساعة الحقيقة، يتركونهم لمصائرهم الفاجعة، وحظوظهم العاثرة.

في بلدة «عجايب»، الفضاء المكاني للأحداث، ترصد الرواية العلاقات المتحوّلة بين طبقة الأوتاد الذين يمتلكون السلطة المحلية ولديهم ممثل في البرلمان الإثيوبي، وطبقة الأحفاد الذين تُمارَس عليهم السلطة، ويشكّلون نوعاً من الرقيق، ويعملون من دون أجر، وتتوارثهم الأسر التي يتبعونها كما تتوارث المواشي والعقارات، ويُختَم أطفالهم عند الولادة بختم معيّن. ولكل من الطبقتين متشدّدوها الذين يعملون على حشد الطبقة الواحدة حول شعارات وأساطير تُفاقم الصراع بينهما. وفي المقابل، ثمة شخصيات من الفريقين تقف في الوسط، وتغلّب الهم الوطني على الاجتماعي، وهي ممّن قُيّضَ لها حظٌّ من الثقافة والتعليم.

في غمرة الصراع بين الفريقين، يؤسّس كل منهما أسطورته على وقائع تاريخية أو مختَلقة؛ فالأوتاد يُرجعون سلطتهم إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وانهيار النظام الطبقي العتيق حيث أوكلوا زراعة الأرض إلى مواليهم الأحفاد، وهؤلاء يختلق لهم زعيمهم فرج السقّا أسطورتهم، ويأخذون بالصعود ماليّاً وتجاريّاً وسياسيّاً ليستووا معهم أو يتفوّقوا عليهم. وهكذا، يكون الصراع بين فريق سائد يعيش على أمجاد ماضٍ آيلٍ إلى الزوال، وفريق آخر ينزع نحو السيادة، ويصنع حاضره ومستقبله الآيل إلى التحقق. وهو صراع معروف النتائج سلفاً. تُستخدَم فيه أسلحة شتى بينها المرأة، والمصاهرة، والمال، والسياسة، والتقرب من سلطة الاحتلال.

على ضفة الأوتاد، تبرز شخصية أبي علي، العجوز المشاغب، حارس الأعراف والتقاليد، زعيماً محليّاً تقليديّاً يعيش الماضي، يرفض الاعتراف بالتحوّلات الحاضرة، يمارس فوقية على الآخرين ويستخفّ بهم، يبدي تسرّعاً وتشدّداً في المواقف، وكثيراً ما يسقط مغميّاً عليه جرّاء انفعاله وتشدّده وتقدّمه في العمر، ما يعني أن زعامته آيلة إلى السقوط. وتبرز شخصية الناظر محمد الذي يمارس السياسة بدهاء، ويضمر غير ما يظهر، ويلعب مع زعيم الأحفاد من تحت الطاولة، ويتفقان على إبقاء القاعدة منقسمة ليسود كل منهما جماعته، وهو لا يتورع عن تغليف مآربه الخاصة بغلاف المصلحة العامة، فيقنع مجلس الكبار في جماعته أن رغبته في الزواج من فاطمة، بنت الأحفاد، تضحية كبرى، يهدف من خلالها إلى تفويت فرصة المصاهرة بين الأحفاد وسلطة الاحتلال. غير أن لعبته التي يشاركه فيها زعيم الأحفاد تنكشف حين يستقلان معاً سيارة واحدة، ومن ثم يقتسمان السلطة، فيُنتخَب الناظر محمد لعضوية مجلس النواب في أديس أبابا، ويُنتخَب فرج السقّا لعضوية مجلس الشيوخ، وهما اللذان أوصلا الناس إلى حافة الحرب والاقتتال العبثي.

على ضفة الأحفاد، تبرز شخصية فرج السقّا زعيماً ذكيّاً، يوحّد جماعته على قضية تحرّرهم من قبضة الأوتاد واكتساب كيانهم المستقل، ويبني دعاواه على أسطورة مختَلقة، من جهة، ووقائع صحيحة يفرزها الواقع، من جهة أخرى. وهو، على رغم عدم انتسابه إلى مدرسة، يُبدي ثقافة واضحة، ويُثبت مهاراته القيادية في محطات عدة في الرواية. غير أن تحالفه المضمر مع الناظر محمد، واقتسامهما سلطة التمثيل، وقيامهما بمقابلة الإمبراطور هيلا سيلاسي في الوقت الذي تقصف فيه طائراته «عجايب» وتهجّر أهلها، يكشف شخصيته الانتهازية المتوارية وراء المبادئ والشعارات، ويعرّي دعاواه، ويفضح هدفه الحقيقي المتمثّل بالوصول إلى الكرسي.

بين الضفتين، وبمعزل عن الشخصيات الراغبة في المحافظة على السلطة أو تلك الساعية إليها، تتموضع شخصيّتان مبدئيّتان، هما: الأستاذ إسماعيل والأستاذ محمود، التوأمان اللذان لم يخرجا من بطن واحد، وكلاهما ابن راعي إبل؛ الأول من الأوتاد، والثاني من الأحفاد. ومع هذا، تقوم بينهما صداقة عميقة، ويدفع كل منهما ثمن مواقفه الوطنية؛ فيمضي إسماعيل أربع سنوات في السجن الإثيوبي، ويلتحق محمود بالثورة، ويفقد كل منهما حبيبته بطريقة مختلفة. وفي حين تنشغل الشخصيات الأخرى بوهم المحافظة على سلطة زائلة أو الحصول على أخرى آيلة، نرى أن محمود، بعد موت أمه وانتحار حبيبته، يتخلّى عن بيته لإسماعيل، ويعود للالتحاق بالثورة آملاً الاستشهاد. ونرى أن إسماعيل، بعد تخلّي حبيبته عنه طمعاً بالمال والنفوذ، يؤثر الصمود في «عجايب» بعد نزوح أهلها عنها. وبذلك، تقدّم الرواية صورة مشرقة لشريحة المتعلمين الذين يتخطون الانقسامات التقليدية، ويحافظون على مبادئهم، ويتمسّكون بالدفاع عن وطنهم والبقاء فيه.

في «نبوءة السقّا»، التي تدور أحداثها في مجتمع ذكوري، طبقي، يقوم على الفصل الاجتماعي، يرسم حامد الناظر صورة للمرأة الأريترية، تتراوح بين الإيجابية والسلبية وما بينهما؛ تتمظهر الإيجابية في شخصية أم محمود، المرأة العجوز، التي ترفض تصديق خبر موت ابنها، وتصرّ على انتظاره، وتواجه زعيم الأحفاد حين يحاول تزويج خطيبته فاطمة بالمأمور في إطار مصاهرة سياسية تُقدّم فيها المرأة قرباناً على مذبح القبيلة، وتموت بعد أن تكحّل عينيها برؤية ابنها. وتتمظهر السلبية في شخصية فوزية، حبيبة إسماعيل، التي تتخلّف عن زيارته بعد عودته من السجن، وتتخلّى عنه لترتبط بالناظر محمد، صاحب المال والجاه، بذريعة أن راتب المدرّس لا يعيل أسرة، فتفضّل المال والجاه على الحب.

وبين الصورتين الإيجابية والسلبية، تبرز فاطمة، خطيبة محمود، التي فقدت الأمل بعودته، شخصيةً مغلوبةً على أمرها، يتّخذ فرج السقّا الذي يمون على إخوتها قرار تزويجها بالمأمور، في صفقة سياسية، فترضخ للقرار، حتى إذا ما اكتشفت أن العريس أعور، أعرج، أسود الوجه، وبرجل اصطناعية، تحاول استعادة محمود، العائد لتوّه من الفقدان، فتصطدم بغضبه ورفضه، وتقدم على الانتحار. هنا، تستعيد زمام المبادرة، وتقرّر بنفسها، الأمر الذي يعكس الجانب الإيجابي في شخصيتها، غير أن النتائج المترتبة على قرارها تجيء سلبية.

وبعد، ثمّة درسان اثنان، على الأقل، نخرج بهما من «نبوءة السقّا»؛ الأول سلبي، يتمثّل في أن طلاّب الكراسي لا يتورّعون عن ارتكاب شتى الموبقات للوصول إليها، فالغاية عندهم تبرّر الوسيلة، وهم على استعداد لدفع أغلى الأثمان للحصول عليها، حتى وإن كان الثمن الوطن نفسه. الثاني إيجابي، يتمثّل في أن الناس يتّحدون في مواجهة الخطر الخارجي، ويتخلّون عن انقساماتهم الطبقية والاجتماعية، ليعلو الهم الوطني على ما عداه؛ ففي نهاية الرواية، وبمواجهة الكوماندوس الإثيوبي، يعطي الحفيد ناقته للوتد، ويحمل الوتد ابن الحفيد، وتذوب الأنساب والأحساب والأسماء والملامح.

«نبوءة السقّا» رواية جميلة تقرأ الحاضر بعيون الماضي. وهي، على رغم اصطناعها خطاباً روائيّاً تقليديّاً يحصر الروي في راوٍ عليم، فإنّ كسر نمطية السرد بمدوّنات تاريخية، وخطب متبادلة، ومذكّرات شخصية، ومقطوعات شعرية، ورسائل... أضفت على النص حيوية معيّنة في إطار تتناغم فيه سائر المكوّنات النصية.

يصوغ الناظر روايته بلغة جميلة، على سلاسة ورشاقة، لا تخلو من السقوط في أخطاء نحوية، حين يسرد. وهو يغرق في التفاصيل الدقيقة لجسد المرأة حين يصف جمالها، وينحو منحى تصويريّاً، ساخراً، كاريكاتوريّاً، حين يصف نحافتها. إلى ذلك، قد يسقط في عدم التلاؤم بين الشخصية ولغتها، فيضع على لسان فلاح أعرج، غريب الأطوار، أغنية فصيحة لا تتناسب مع كونه فلاّحاً.