«طيور العتمة» لماجد سليمان .. رواية كتبها مشرطُ أديبٍ جَرّاح

نورا حايون |

< «..أفقت فجراً، وجدتني قد توسّدت حذائي وفانيلتي القطن..»

بهذه الجملة انطلقت رواية «طيور العتمة» للكاتب السعودي ماجد سليمان، وتوالت الحركة الدرامية المؤلمة عن سجناء لا علم لهم إلا بالمعاني الكبيرة من الألم، ففي مرحلة تمر بها البلاد العربية كافة بثورات مختلفة، يُغنيّ الأدب بعيداً عن كل ذلك، وكأنه غير معني بما يحصل من حوله، عدا حالات معدودة جديرة بالاحترام، في «طيور العتمة» بدت لي روح الكاتب الثائرة في عالم روائي سياسي بعيد المقاصد غامض الرموز، حتى تساءلت: أطيور العتمة أم طيور الواقع العربي؟

السعودي ماجد سليمان، كاتب مسرف في الألم، جريء شجاع في آن، يدلف إلى أماكن وقضايا ليست بالهينة، فقد آمنت أن دمعة حمراء خرجت من تحت أجفاني، فلا يمكن لأحد أن يطيق هذا العذاب الذي جسَّده ماجد سليمان في رواية تكاد تنطق بصوت عربي صارخ: كرامة السجين العربي إلى أين؟ جاء السرد بصيغة المتكلم «برهان» البطل الأول في الرواية، فمن السجن إلى السراديب، إلى العزل الانفرادي، ورفاقه يتساقطون تباعاً، بينما «برهان» كان أكثر الشخصيات تمنّياً للموت، فكيف لنا أن نتصور أن يكون الموت أكثر أماناً من الحياة التي مروا بها في السجون. هنا خيط سياسي شبه دقيق يتتبعه الكاتب بانياً عمارته الروائية هذه، مفصحاً عن أشياء تصدر من ضيق السجون العربية، لكنه إفصاح مبطن ومغطى بقشرة رقيقة تسهل رؤية ما تحتها، إلا أنها في الوقت ذاته قشرة ملتهبة قد تحرق البصر.

هندسياً جاء البناء عمودياً شبيهاً بالوصول إلى رأس الهرم بحيث يتساقط أبطال الرواية، وينحصر المكان ويقفل الزمان، حتى تكون النهاية مع البطل الأول «برهان» الذي بدأت الرواية على لسانه وهو يروي الأحداث، حيث أحاط السادر بدوائر المكان والزمان في هذا العمل، المكان السجن ولكن أي سجن؟. إنه سجن بل «سجون» العالم العربي بأكمله، أما الزمان فكان بقياس مقنع كون الظلمات لا تفسح معرفة الوقت خارجها، فكانت الوجبات الثلاث هي القياس المعتمد للزمن وتوقيته ومدى ما مضى منه. شكل البطل «برهان» مركزية قصصية، فهو الراوي والشاهد والمفصح عن كل ما كان تحت تلك الأسقف المخيفة، وقد حضر «ضمير المتكلم» كعنصر محرك لعواطف ومشاعر القارئ، كونه أكثر تأثيراً من الراوي المتحدث بضمير الغائب أو الراوي الخارجي كما يسمى، هناك إدراك خفي من الكاتب تجاه هذه النقطة، فقد ترك لبطله برهان جر الشخصيات بالتحدث عن نفسها على لسانه هو، كشخصية ناقلة أقوالهم وأفعالهم وكأنهم هم من يتحدث.

لا تنفك اللغة الشعرية السردية عن الرواية، فكاتبها شاعر كشف عن ذلك من خلال مغازلته لدخول الليل والنهار، ومن خلال وصفه النفسي المذهل لحالات الشخصيات، هناك شعرة دقيقة جداً بين المبدع الحقيقي والسارد التقليدي، نجح ماجد في أن يمسك بخيوط الإبداع الحقيقي ولا يقترب من تلك الشعرة، وأظنه كان يكتب روايته هذه تحت إلهام متدفق شديد نابض بكل إحساس، وهذا أهم ما يجب أن يكون عليه أي عمل يخطط له المبدعون كافة، فاللغة في هذا العمل تأبى أن تنزل للساذجة، أتخيله وكأنه ينتقي لكل مشهد ما يناسبه من الألفاظ والبديع من التركيب والترتيب والتنظيم، الذي يُذيب الأحداث في سينمائية مثيرة أمام القارئ، بارعاً في قص الزوائد اللفظية، والمشاهد الهامشية، فالقدرة السينمائية الهائلة التي يعرضها ماجد تفوق كثيراً مستويات إبداعية لدى آخرين، وكأنك تشاهد عرضاً لفيلم ذي دقة عالية تطل من خلاله ملامح الشخصيات، وكأنها بجانبك تسمع أصواتها، ما تتفرّد به الرواية تعمقها الذي لا يتوقف إلا عند الصلب من النتائج وهذه مسألة أخرى.

استخدم الكاتب ما أسمِّيه «الكتابة من الداخل»؛ فالتصوير سينمائي أكثر من كونه قصصياً متبعاً، أقرأ وكأنني أشاهد شاشة تنطق بالحركة السينمائية الناصعة الصافية، هناك إحساس جارف لقارئ العمل، لست أفهمه حتى اللحظة، أجد أن «طيور العتمة» عمل صيغ بمشرط أديب جراح، فكاتبه يتفنن في كشف واقع السجين العربي عامة من دون تخصيص مكان بعينه في هذا الوطن العربي المقهور على مستويات عدة، هناك لغز إن لم أكن مخطئة في تسمية الشخصيات بأسماء تكاد تكون أسماء شهيرة في أوطان عربية محددة، في المقابل نجدها أسماء ذات شعبية في أوطان بعينها، فحين قرأت العمل ظننت أن ماجد كاتب عراقي أو لبناني أو مصري أو مغربي، فإذا به رجل من عرب الجزيرة العربية التي اشتهرت بالشعر من دون كل فنون الأدب، ليس انتقاصاً من مبدعي الجزيرة العربية، بل إن لهم قدم صدق في كل الفنون، لكنهم في الشعر أكثر عن غيرهم.

الرواية تعمل بجهد على فكرة «عولمة النص» وهذه فكرة ليست بالطارئة، ولكنها ذكية لتمدّد النص وتكيفه مع أكثر من مجتمع؛ لأن العالم اليوم لم يعد في قرية واحدة بل في غرفة واحدة، متشابه القضايا ومتباين الآلام، لذا كان الإنسان وحده القضية التي اعتنى بها الكاتب مدركاً ذلك سلفاً. يمزج الكاتب الواقعي بالمتخيل إيماناً منه بضرورة ذلك؛ ليضفي على العمل رونق الخيال، وبعده الإنساني الكبير الذي لا يوصل إلا بما جمح من التخيل والتأمّل. هنا نقطة مهمة تحسب للكاتب، وهي ابتعاده عن الواقعية الخالصة التي تحيل العمل إلى التقليدية، وأحسبه سيفعل ذلك في أعمال قادمة. من اللافت أيضاً في الرواية، هي تلك اللحظة التي مزج فيها الكاتب الحب بعذاب السجن، حين كان يغمى عليه من جلد السياط فيتساءل حين يفوق: أَأُغمي عليه من السوط أم من قبلات معشوقته (كاتلين) التي يأتيه طيفها كل مرة، هذا الربط جميل جداً أبعد الرواية عن المحطات الروتينية التي تجيء في معظم الأدب. يندرج هذا العمل تحت مسمى: أدب السجون، الذي يعد منزلقاً خطيراً لأي كاتب، كما أن هناك رمزية يخفيها الكاتب في صفات شخصياته، وأحلام تخص المواطن العربي: السكن، الوظيفة، الفقر، الحاجة المدنية، كانت الشخصيات تنطق بها وتعيدها كل مرة، إضافة إلى قدرة عجيبة على الإقناع وهي ما جعلت مني قارئةً مقتنعةً بكل ما جاء فيها من إسقاطات وتلميحات، ووصف مبكٍ مضحك، فلم ينفك العمل من السخرية واللوم العميق للسلطات العربية، إن صحّ فهمي.

لقد تدرجت شخصيات العمل في عذاب مهين، وهم يصرخون عن كيفية سلب حرياتهم وكرامتهم كبشر، بلا شك المذنب يعاقب لكن من دون سلب لكرامته أو إهدار لآدميته، لقد فتح الكاتب ملفاً شديد السخونة، لا يقدم على فتحه إلا ثوار القلم ومبدعو الكلمة الذكية، فنسج عالمه الروائي داخل أقسى الأماكن وأشدها ألماً: السجون العربية. «طيور العتمة»، بدت لي وكأنها قطعة من عذاب وضعت على رفّ المكتبة العربية، وكأنها تذكّرنا بما فات وما قد يجيء من حال العالم العربي المريض، بكل طائفية وتناحر لا ينتهي.