تصدير النفايات واستيراد المعونات

نجيب صعب |

تصدير لبنان نفاياته لا يتناقض فقط مع أبسط المبادئ البيئية والأخلاقية، بل أيضاً مع اتجاه المنطقة نحو ترشيد الإنفاق والكفاءة.

ففي حين يصدّر بلد على شفير الإفلاس نفاياته بكلفة مرتفعة، يطلب أمير الكويت تخفيض مخصصات الديوان الأميري وترشيد الإنفاق، وتتجه موازنات 2016 للدول المصدّرة للنفط نحو تحفيز الكفاءة ووقف الهدر وتنويع الاقتصاد.

فبأي حق يمكن لبلد يدفع مئات الملايين لتصدير نفاياته، أن يطالب دولاً خفّضت موازناتها بسبب شحّ الموارد بمساعدته لسد العجز وإيفاء الديون؟

الانهيار المريع لمنظومة النفايات في لبنان كان نتيجة حتمية لمعالجة المسألة عن طريق برامج طوارئ متتالية خلال عشرين عاماً، في غياب خطة وطنية متكاملة لإدارة النفايات. صحيح أن شوارع بيروت كانت من الأنظف في المنطقة خلال العقدين الأخيرين، لكن مراكز الفرز والمعالجة والطمر لم تعد تستوعب الكميات المتزايدة من النفايات، ولم يتم توسيعها. كما لم يتم اعتماد أية تدابير لتخفيف كمية النفايات.

النفايات الصلبة التي تنتجها بيروت وضواحيها تبلغ 3500 طن يومياً، يمكن استخراج 700 طن منها للتدوير. لكن بسبب ضيق المساحة، لم تتجاوز هذه الكمية 250 طناً. كما لم تتجاوز كمية النفايات العضوية التي يتم تسبيخها لإنتاج محسّن للتربة 300 طن، بينما كان يمكن أن تصل إلى 1750 طناً، وذلك بسبب ضيق المساحات المخصصة أيضاً. وهكذا تم إرسال 3000 طن يومياً إلى المطمر، بينما كان يمكن حصر الكمية بـ1000 طن، وبذلك تتضاعف قدرته الاستيعابية ثلاث مرات.

خلال كل هذه السنين تجاهلت الحكومات المتعاقبة اتخاذ التدابير الكفيلة بتخفيف كمية النفايات من المصدر. فلم يتم فرض سعر على العبوات البلاستيكية والزجاجية مع برامج لاسترجاعها، ولم توضع شروط للتحول إلى مواد بلاستيكية قابلة لإعادة الاستعمال والتدوير، كما لم يتم تنفيذ برامج لفرز النفايات من المصدر، بخاصة الزجاج والمعادن والورق والفضلات ذات المحتويات الكيميائية. وبقيت أكياس البلاستيك للتبضع مجانية، ما ضاعف استخدامها. والمعلوم أن العبوات والأكياس البلاستيكية تشكل نحو 20 في المئة من حجم النفايات في لبنان، وهي صعبة المعالجة. وقطع الزجاج والبقايا الكيميائية تجعل من «الكومبوست» الناتج من الفضلات العضوية غير صالح للاستخدام في الأراضي الزراعية.

في مواجهة التقصير، عمدت جهات دولية، في طليعتها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي، إلى تمويل برامج لمعالجة النفايات على المستوى المحلي في المناطق الريفية، وذلك من طريق الجمعيات الأهلية. لكن هذه المبادرات، رغم عشرات الملايين التي صرفت عليها، بقيت قاصرة عن إيجاد حل عملي قابل للاستمرار.

كان المطلوب إنشاء مراكز لمعالجة النفايات في جميع المناطق، لا تقتصر على الطمر، بل تتضمن الفرز والمعالجة، وصولاً إلى طمر الكمية القليلة المتبقية من المخلفات أو حرقها لإنتاج الطاقة، وفق نوعية النفايات وكميتها والوضع الخاص لكل منطقة. ولكن حين انفجرت الأزمة، اقترح إنشاء مطامر للنفايات في أماكن تبعد مئات الكيلومترات عن بيروت كحل موقت. وكانت سبقت هذا حملة على المطمر الحالي قرب بيروت، وصفته بمصدر للأمراض والحشرات، بينما هو في الواقع من أفضل مطامر النفايات في الشرق الأوسط، وينتج اليوم الكهرباء من غاز الميثان. مشكلته أنه تجاوز قدرته الاستيعابية.

تجاه الحملة المبرمجة التي اعتبرت المطامر مصدراً للأوبئة، كان من الطبيعي أن يرفض السكان إنشاء مطامر في مناطقهم. هذا التمهيد شكّل أرضية «الحل» الذي كان بعض المستفيدين يسعى إليه منذ زمن، وهو تصدير النفايات إلى بلدان أخرى، بكلفة مرتفعة. ومهما أعطيت هذه الفعلة من أوصاف، أبرزها «أبغض الحلال»، تبقى فعلة شنيعة. فلماذا يكون مسموحاً رمي نفايات يرفضها بشر في بلد معين، عند بشر في بلد آخر؟ ولماذا تم تخويف الناس بأن التصدير هو الحل الوحيد، لئلا تأكلهم النفايات أو يأكلوها؟ ولماذا لم تتم مصارحة الناس بأن تحضير النفايات للتصدير عملية أكثر تعقيداً وكلفة من المعالجة المحلية؟ فحين يتم فرز النفايات وتغليفها، تنتفي الحاجة إلى التصدير.

وقد شابت هذا الملف مغالطات شتى، أبرزها ادعاء أن النفايات المنزلية لا تقع ضمن مندرجات اتفاقية بازل في شأن التحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها، بينما هي تقع تحت الملحق رقم 2 من الاتفاقية. كما تم الإعلان عن أن الشركة المصدِّرة تتحمل وحدها مسؤولية النفايات منذ وضعها على ظهر السفينة، بينما تنص القوانين الدولية على أن بلد المصدر يتحمل مسؤولية النفايات المنقولة في أية مرحلة ولأي سبب كان. عدا عن أن التعامل مع هذا الملف بسرية تامة توخياً للسرعة، لا يبرره القول بأنه تم «كتم معلومات لتمرير العقود».

وصف بعضهم ملف النفايات في لبنان بأنه «كرة نار». لكن في داخل كرة النار هذه مئات ملايين الدولارات، أكانت من جيوب المواطنين أو الإعانات. والحلول الأفضل والأرخص والأسرع كانت في المتناول، لو توافرت الإرادة.

 

 

* الامين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية

nsaab@afedonline.org

www.najibsaab.com