تعابير «اللمبي» تجتاح مصر ... والمتأنقون يفضلون «العربيزي»

القاهرة – أمينة خيري |

في درس الكتابة الصحافية، تم تخيير الطلاب والطالبات بين الكتابة بالعربية أو الإنكليزية في التدريب الأول لهم. اختارت الغالبية العربية، في حين اختار الباقون الإنكليزية. أحد الطلاب أعلن أنه لم يتخيل يوماً أن تطلب منه الكتابة بالعربية. «فهي لغة صعبة، وقواعدها معقدة، والتعبير باستخدام مفرداتها كابوس». وبعد انتهاء وقت الكتابة، اكتشف الأستاذ أن الجميع كتبوا ما كتبوه، إلا الطالب. سأله عن سبب بياض الورقة، فقال بثقة شديدة أنه لا يتقن الإنكليزية للدرجة التي تمكنه من الكتابة بها.

موقف الطالب وجده البعض غريباً، ووجده البعض الآخر مضحكاً، لكنه من المؤكد كان مؤسفاً. جزء من الأسف منبعه مستوى الطالب المتخرج قبل عام في المدرسة الثانوية من دون أن يعرف أبجديات الكتابة بأي من اللغات، والجزء الآخر هو أن الطالب نفسه لا يشعر بأن شيئاً ما كارثياً يحدث معه.

حياة الشباب في مصر هذه الأيام يتجاذبها الكثير من الاهتمامات والهموم، لكنها لا تحوي هم اللغة أو إتقانها سواء بنبذ اللغة الأم أو اعتناق لغة أب. الشعور العام لدى قاعدة عريضة من الشباب أن اللغة هي تلك التي يستخدمونها يومياً ويتداولونها فيما بينهم نطقاً بين دوائر الأصدقاء وإن لزم الأمر مع الأسرة والأقارب، وكتابة حيث إرسال رسالة نصية قصيرة أو كتابة تدوينة فايسبوكية عميقة أو تغريدة عبر «تويتر» أو ما شابه.

وعلى رغم الوجه الشبابي الواضح لنسبة كبيرة من رواد معرض القاهرة للكتاب في دورته الـ47 المنتهية لتوها، وإقبال شبابي جيد على ندوات المعرض وفاعلياته، وعلى رغم تزايد اهتمام هذه الفئة العمرية الشابة بالأنشطة الثقافية والفنية بدءاً من دار الأوبرا مروراً بـ «ساقية الصاوي» وانتهاء بتجمعات البعض في مقاه «ثقافية» حيث نقاشات وسجالات، إلا أن اللغة تبقى كارثية.

كارثة «اللمبي» المنفجرة في وجوه الجميع منذ سنوات باتت سمة بين فئات من الشباب، كبروا وتزوجوا وأنجبوا وورثوها للصغار. الفنان محمد سعد صاحب شخصية «اللمبي» الشهيرة رسخ قواعد جديدة في لغة الخطاب وجدت آذاناً صاغية وعقولاً مستسلمة. وعلى مدى ما يزيد على عقد ونصف العقد – هو عمر أفلام مثل «إللي بالي بالك» و «عوكل» و «بوحة» و «كتكوت» و «كركر» وغيرها - انتشرت بين الفئات الدنيا اقتصادياً من الشباب لغة «اللمبي» حيث مخارج الألفاظ الملتبسة، ومفردات «الشرشحة» المضحكة، ومنها إلى لافتات مطبوعة يلصقونها على خلفيات الميكروباص والتوك توك وسيارات الأجرة لتباغت الجميع بحروف مغلوطة ورسائل مرفوضة من الأجيال الأكبر.

ومن «عات فلوس» إلى «إيه الولية دي؟!» وغيرهما كثير من الأساليب اللغوية التي باتت مكتوبة ومتداولة باعتبارها من أساسيات اللغة، إلى تجذر للغة الكتابة العنكبوتية العربية بحروف لاتينية والمسماة أحياناً بـ «عربيزي»، وقواميس العبارات الشبابية التي تضيف وتحذف، وتزامن كل ذلك وانهيار كبير حادث في نظام التعليم حيث الحاصلون على الشهادة الإعدادية يجدون صعوبة في قراءة ورقة الامتحان، وخريجو جامعات لا يعرفون الفرق بين الـ «ذال» والـ «زين» وبين الـ «ثاء» والـ «سين» وبالطبع بين الـ «دال» والـ «ضاد». ويضاف إلى ذلك تحول تعليم اللغة الإنكليزية من معرفة قواعد اللغة والنطق الصحيح على أيدي معلمين أكفاء إلى حفظ شكل الحروف وصم ترتيب الكلمات لكتابتها في ورقة الامتحان وذلك بدعم ومساعدة من المعلم الخصوصي الذي يعاني هو نفسه من رداءة النطق وربما ضعف مخزونه المعرفي اللغوي.

والنتيجة هي «خلطبيطة» لغوية متحللة من قواعد النحو وأصول النطق وهجين مما تبقى من عربية فصحى مضافة إليها مفردات جديدة فرضت نفسها على المجتمع بفضل أفلام هابطة وشخصيات درامية هزلية مع إصرار على دمج كلمات إنكليزية غالباً تعاني أيضاً خللاً نحوياً وعيباً في النطق.

فداحة الموقف اللغوي للأجيال الشابة لا تكمن في مستوى اللغة بمقدار ما تعود إلى قناعة شبه تامة وتقريباً عامة بينهم بأنه «لا مشكلة». ورداً على سؤال «هل ترى مشكلة في مستوى اللغة لدى الشباب ونوعيتها؟»، تلقت «الحياة» ردوداً لم تخرج عن إطار «مشكلة؟ لا طبعاً» أو «لم يعد هناك داع للحديث بلغة «مصاء الخير» و?«كيف حالك اليوم يا صديقي؟» انتهى هذا العصر».

انتهاء عصر اللغة بقواعدها وأشكالها الصحيحة، سواء العربية أو الإنكليزية، على الأقل وفق ما يتصور البعض من الشباب، تصاحبه لغة خطاب إعلامية تساعد بهمة ونشاط في القضاء على ما تبقى من أصول لغوية. فالغالبية العظمى من البرامج والفقرات يتم تقديمها باللغة العامية المنزوعة القواعد (ناهيك عن ارتفاع سقف السباب والشتائم في برامج عدة) ما يرسخ فكرة اختلاط الحروف. فالمذيع المستهل برنامجه السياسي الحواري قائلاً: «بنمسي عليكم أعزائي المشاهدين. النهار ده فكراتنا متنوعة. هنتكلم عن السّورة وعن شباب السّورة، وكمان أزمة الصقة بين الشباب والكبار. كل زلك لا يعني إننا ناسيين ولادنا إللي بيزاكروا هنأدم لهم فكرة عن أهمية القعدة الصح والغزا المزبوط».

ضبط المصطلحات والتحقق من مخارج الحروف والتمكن من قواعد اللغة أمور باتت في خبر كان، وذلك بفعل أكثر من فاعل. فإذا كان الشباب يعتبرون اللغة وإتقان قواعدها أموراً عفّى عليها الزمان، فإن ذلك قد حدث برعاية الكبار أيضاً. ويكفي أن صورة معلم اللغة العربية لا تكاد تخرج عن إطار نموذجين يجمعان بين الأصالة والمعاصرة. الأول «أستاذ حمام» (الفنان الراحل نجيب الريحاني) الذي واجه الأمرين مع تلميذته الكارهة دراسة العربية، والتي غنت له وللعربية «أبجد هوز حطي كلمن، شكل الأستاذ بقى منسجم. أستاذ حمام نحن الزغاليل». أما الثاني، فهو «أستاذ رمضان مبروك أبو العلمين حمودة» (الفنان محمد هنيدي) والذي واجه حرباً ضروساً من تلاميذه في فصل اللغة العربية، فما كان من الفنانة سيرين عبدالنور إلا أن غنت «اللغة العربية الفصحى. استيقظ وركز واصحى» وذلك تمجيداً للغة الأم وتأريخاً لمسارها.