«الجمهورية الإسلامية» للآداب كما يراها محسن جاسم الموسوي

محسن جاسم الموسوي
شيرين أبو النجا |

وقع محسن جاسم الموسوي باكراً في سحر «ألف ليلة وليلة» وأنجز عنها رسالة دكتوراه عام 1978، ليُقدم بعدها نحو عشرين كتاباً في النقد الأدبي، وروايات عدة منها «العقدة» و «درب الزعفران» و «دون سائر الناس». لكنه لم يتخلص من سحر الليالي، فتمكّن من تحويل سحرها إلى منهاج للفكر والنظر عموماً، وإلى «الملفوظ» العربي والإنتاج المرتبط به. وفي أحدث كتاب نقدي له صادر باللغة الإنكليزية «الجمهورية الإسلامية للآداب في العصر الوسيط» (نوتردام، 2015)، يستلهم الموسوي الترابط الشبكي والعنكبوتي الذي يسم الليالي، فيعيد قراءة الإنتاج الثقافي الذي ظهر في ما يُسمى العصر الإسلامي الوسيط. وهو العصر الذي اصطلح جمهور المفكرين والنقاد على وصفه بعصر الانحطاط، أي تلك الفترة التي تلت سقوط بغداد عام 1258 وحتى القرن الثامن عشر، تحديداً 1811. وفي تحليل دقيق وقراءة عميقة معتمدة على المنهج ما بعد البنيوي كإطار نظري، تمكن الموسوي من تقديم قراءة- لم تخلُ من بحثٍ وتنقيب واكتشاف- للكيفية والآلية والشكل التي تم بها إنتاج المعرفة في تلك الفترة، على امتداد مساحة جغرافية شاسعة وهي مساحة العالم الاسلامي آنذاك. وبالتالي تمكن من الوصول إلى طبقات (جينيالوجيا) المعنى المتراكمة في تلك الفترة الغنية.

يُعدّ هذا الطرح بمثابة إنجاز رئيسي يقدمه الموسوي في تحدٍّ جريء وقوي لكل ما أكده مفكرو عصر النهضة، ومنهم سلامة موسى، طه حسين، أحمد حسن الزيات، في وسم تلك الفترة بالركود والانحطاط. وهو وصف يرى الموسوي أنه جاء متأثراً بالأحكام الغربية التي سادت في بداية القرن العشرين خلال الفترة المعروفة باسم عصر النهضة. وبالتالي كان التجاهل نصيب كل ما أُنتج في تلك الفترة على أساس الفشل السياسي الذي يرتبط به حتماً ما يشبه الفقر الثقافي. إلا أن الموسوي يعمد إلى اعتماد منهج بحثي، ينهل من طبقات ميشيل فوكو المعرفية، ليثبت خطأ تلك النظرية تماماً، ويكشف عن ثراء ثقافي مبهر كامن في العصر الاسلامي الوسيط مما يجعله بالفعل يستحق اسم «جمهورية».

عند هذه النقطة ينبغي النظر أيضاً إلى كتاب الموسوي بوصفه نقد معارضة، (مثل أدب المعارضة). لقد تمّ إرساء مصطلح الجمهورية العالمية للآداب مع صدور كتاب الباحثة الفرنسية باسكال كازانوفا والذي يحمل الاسم نفسه، وذلك في عام 1999 (ترجمته إلى العربية أمل الصبان- المركز القومي للترجمة -القاهرة،2002)، وهو مصطلح ظهر أصلاً في نهاية القرن السابع عشر مع المفكر الفرنسي بيير بييل. ولا يُمكن حتماً تجاهل مصطلح أدب العالم الذي أطلقه غوته. ولكي نفهم إنجاز الموسوي لا بد من أن نفهم بداية ما قصدته كازانوفا في كتابها. لقد عمدت إلى البحث في العوامل التي تؤدي إلى تحويل مدينة، وبالتالي لغتها، إلى مركز أدبي، يكون له حق منح الشرعية، ومنه تتشكل الجمهورية العالمية للآداب التي تجمع كتاباً لا يتشاركون إلا في المنافسة، ويقبل هذا العالم دخول لاعبين جدد يشتركون في الصراع الذي يتحول فيه رأس المال الأدبي إلى أداة ورهان. وبهذا التفسير تتمكن الباحثة من شرح أسباب تنقل المركز الأدبي عبر المدن واللغات (اللاتينية والفرنسية والانكليزية مثلاً)، فيكتسب المصطلح عند كازانوفا صبغة مجازية خالصة.

يقدم الموسوي تعريفاً مختلفاً للجمهورية في العصر الاسلامي الوسيط. بدايةً قام العالم الاسلامي على اللغة العربية مما سمح بتقديم إنتاج ضخم بلغة واحدة لا تلقي بالاً إلى الأعراق أو القوميات أو اللهجات أو ما تسميه كازانوفا «الآداب الصغيرة»، بل إن المنتج الثقافي في تلك الفترة أفاد كثيراً من الثقافات الوافدة ومن مفرداتها. ولم تكن تشكّل المراكز الفكرية التي كانت موجودة مثل القاهرة ومكة، حيث كانت رحلة الحج من أهم العوامل التي ساهمت في الانتاج الثقافي، هوية، بل أمكنة لقاء وتلاق وتواصل سمحت بإنشاء شبكة تواصل علمي وفكري امتدت وسع ترامي أطراف العالم الاسلامي آنذاك. ويشهد على ذلك حركة البريد (أصحاب البريد) والترحال والتصوف. لقد سمح هذا التواصل الدائم الذي لم يُهمل مطلقاً «الشارع»، أي المتلقين لهذا الإنتاج والمتأثرين به، بحيث أدت قوّة وجوده إلى ازدهار مهنة النسخ، والذي كانت أحياناً ما تتناقض رؤيته مع رؤية الصفوة، بتقديم رؤى متكاملة تستحق أن تكون جمهورية في تماسكها وتطورها ونظرها إلى نفسها، وذلك بشرط أن تتمّ دراسته بالطريقة التي طرحها الموسوي: رأسياً وأفقياً في شكل متكامل. أما أشكال هذا الإنتاج- وفق الموسوي- فكانت نابعة كلها من ضرورة فهم القرآن وتفاسيره، أي علم البلاغة، سواء أكان ذلك متعلقاً بالنحو وتطويره، أو فقه اللغة، إضافة إلى الخطابة، والجنس الأدبي (على غرار ما كتبه ابن بطوطة)، والشعر الصوفي (ابن عربي)، والشروحات، والهوامش، والتعقيبات، والنسخ، والرسائل، والمجالس الفكرية والأدبية، والمناظرات، وبالطبع الشعر.

وفي تحليله يُولي الموسوي اهتماماً خاصاً بالتغيير الذي طرأ على البيئة الثقافية بفعل هذا المنتج، ومن ناحية أخرى ينظر إلى التغير الذي طرأ على جماليات المنتج ذاته، نتيجة هذا التفاعل المتبادل. أما ما لا يغفله الكتاب فهو تثمين دور المثقفين والعلماء والمتخصصين، وأيضاً محاولة التعرف على أسباب صعود أشكال معينة من الكتابة (اللغة الصوفية علي سبيل المثل)، ومناهج التأويل التي سادت في تلك الفترة.

في هذا التناول الذي يعتمد على رصد وتحليل العلاقات الداخلية للبنية الثقافية، في التأثير والتأثر، والتفاعل الفكري، في العصر الاسلامي الوسيط، ينجح الموسوي في إعادة الاعتبار الى رأس المال الثقافي والأدبي الذي تم طمسه فيما بعد، والذي يؤكد أسبقية فكرة الجمهورية الاسلامية للآداب على فكرة الجمهورية العالمية للآداب التي طرحتها كازانوفا، والتي ارتأت أنها بدأت في عصر الاحياء (النهضة).

من ناحية أخرى، لا تقوم جمهورية الموسوي على فكرة المركز والهامش، ما أسمته كازانوفا الآداب الكبيرة والآداب الصغيرة، بل إن اعتماد اللغة العربية كأساس لتحليل المنتج الفكري يجعل العالم الاسلامي بمساحته الشاسعة في ذلك الوقت مركزاً واحداً، لديه من رأس المال الثقافي ومن طبقات المعنى والفكر ما يستدعي من الباحثين إعادة النظر والقراءة بمنهج ما بعد بنيوي في شكل عام، يعتمد على أدوات مدرسة التاريخانية الجديدة في شكل خاص. إنه مشروع ضخم يُعيد طرح الأسئلة القديمة ويقدم لها أجوبة من منظور مختلف، لتخرج إلى النور طبقات معرفية كانت مختفية تحت أحكام عامة.

يقدم كتاب محسن الموسوي بابا للخروج من من أزمة الانفصال القسري عن حقبة طويلة من التاريخ العربي الاسلامي، وهو باب إذا تم توظيفه لا بد لتاريخ الأفكار أن يعيد ترتيب الخلاصات التي وصل إليها في شكل مطمئن.