تجمعات النازحين في الشمال السوري ... فوضى الاجتماع وتحديات الإدارة

مخيم جنوب ادلب للاجئين من حلب (رويترز) مخيم أطمة للاجئين (رويترز)
سلطان جلبي |

يروي غسان أن أول أربعين خيمة نصبت في أراضي قاح الحدودية نهاية 2012 جمعت من منازل أهالي القرية. كانت مئات العائلات عالقة شمال إدلب بعد إغــلاق تركيا حدودها في وجه موجات النزوح الجماعي المتتالية. حينها تطوع غسان -الذي عمل مديراً لمنظمة إغاثية في ما بعد- وآخرون من أهالي القرية لجمع الخيام ونصبها فوق أرض زراعية لأحد السكان المتبرعين. «حين بدأنا لم يكن هناك مخيمات ولا منظمات، لم يوجد بعـــد مفهوم مخيمات الداخل حتى! اجتمع وجهاء ونشطاء قريتنا والقرى المجاورة لمساعدة العائلات المرمية في العراء، نصبنا الخيام وهيأنا ما استطعنا من بنية تحتية وهكذا تشكل أول مخيم». اليوم تحول مخيم قاح إلى تجمع يضم أربعة عشر مخيماً، وهو التجمع الأصغر بين جيرانه «أطمة» الذي يضم أكثر من ستين مخيماً و«الكرامة» (خمسون مخيماً). تؤوي تجمعات المخيمات في الشمال السوري أكثر من ربع مليون فار من القصف بحسب إحصائيات وحدة تنسيق الدعم السورية ACU.

مضى أكثر من ثلاث سنوات بنيت خلالها مساكن وتشكلت أسواق وبرزت صراعات في مدن النازحين المتشكلة على حواف الحرب. فكيف تنتظم الحياة بين عشرات المجتمعات المحلية المهجرة جماعياً والمحتجزة في هذه المساحة المترامية من الخيام والغرف المرتجلة؟ ومن يمارس دور السلطة وسط هذه الكتلة البشرية المتضخمة؟

 

أطوار الإدارة في مخيمات الداخل

صاحب الأرض والمجتمع المحلي المضيف مثلوا الشكل الأول لإدارة مخيمات الداخل الصغيرة والمتباعدة في البدايات، لكن ليس بعد أن تكرّس الشريط الحدودي مع تركيا والممتد من حلب إلى إدلب فاللاذقية كمناطق نزوح للفارين من تصاعد وتيرة قصف النظام للمناطق الخارجة عن سيطرته. بدأ أشخاص أو مجموعات من النازحين أنفسهم يستأجرون أراضي هناك ويؤسسون فيها مخيماتهم ليشكلوا بذلك الطور الثاني من الإدارات على مستوى كل مخيم، ذلك ما فعله خطاب محمد مدير مخيم الأمانة السابق والذي أسسه أثناء نزوح أول ستين عائلة من بلدته كرناز في ريف حماة منتصف 2013: «استأجرت 16 دونماً من مزارع أطمة وأنشأت المخيم بدعم من شقيقي المغترب، تعيش في المخيم الآن حوالى مئتي عائلة من كرناز واللطامنة وغيرهما». بقي خطاب مديراً لمخيم الأمانة حتى بداية 2015 على رغم أن الصراعات بين سكان المخيمات والمدراء أطاحت بالعديد من أقرانه، وكان يتواصل ومجموعة من مدراء المخيمات مع الحكومة الموقتة والائتلاف الوطني لقوى المعارضة لتشكيل مجلس محلي للمخيمات، لكن مشروعهم توقف حين أنشأت «الهيئة الإسلامية لإدارة المناطق المحررة» –المدعومة من فصائل إسلامية سورية أبرزها حركة أحرار الشام- فرعها لإدارة المخيمات، وبدأت من تجمع أطمة حيث فرضت سلطتها باختطاف عدد من مدراء المخيمات ثم عزلتهم وعينت آخرين.

يروي خطاب عن تلك التجربة: «استدعونا إلى محكمة الهيئة في أطمة بحجة أن هناك داعماً ليبياً يرغب في لقائنا، لكننا فوجئنا بالاحتجاز بعد وصولنا ثم نقلونا إلى محكمة باب الهوى وقاموا بالتحقيق معنا بتهمة الفساد، سرعان ما تبين للقاضي بطلان تلك التهم وأفـــرج عنــــا بعد أيام لكن تلك كانت فاتحة مرحلة صراع طويل بيننا وبين الهيئة الإســلامية». تضمنت هذه المرحلة دعاوى في المحاكم وتظاهرات في العديد من المخيمات، كما تعرض خلالها خطاب لمحـــاولة اغتيال أدت لإصابته ورد سكان مخيمه باقتحام مقر الهيئة في تجمع أطمة، لكن عمل الأخيرة استمر حتى نهاية 2015. بداية العام الجديد انسحبت الهيئة الإسلامية من المخيمات وحلت مكانها «هيئة إدارة الخدمات» البديل الإداري الجديد الذي قدمته الفصائل الإسلامية السورية في مناطق سيطرتها كمؤسسة مدنية تضم تكنوقراط، وهي تشرف الآن على تشكل الطور الرابع والأنضج نسبياً من إدارة مخيمات الداخل.

 

خطاب أول رئيس منتخب

قدم الطاقم الإداري القديم مشروعه «لهيئة إدارة الخدمات» في إدلب. يقول خطاب: «تواصلنا مع الهيئة الجديدة وقلنا لهم أننا مدنيون ونريد إدارة مدنية لا هيئة شرعية، قدمنا تصوراً لتشكيل مجالس إدارة للتجمعات وبدأنا العمل أواخر شباط». التجربة بدأت من أطمة بتقسيم التجمع الذي يضم أكثر من 120 ألف نسمة إلى قاطعين شمالي وجنوبي، دخل مدراء مخيمات كل قاطع في عملية انتخابية لتشكيل مجلس إدارة لكل منهما، أشرفت «إدارة شؤون المهجرين» التابعة لهيئة إدارة الخدمات على هذه العملية التي نتج منها انتخاب خطاب محمد رئيساً لمجلس إدارة مخيمات قاطع أطمة الجنوبي، وضم المجلس نائباً للرئيس وممثلاً عن كل خمسة مخيمات.» نمارس عملنا بشكل جيد الآن» يقول خطاب: «بدأنا بتحديث الإحصائيات التي لدينا وإجراء مسوح جديدة للاحتياجات، حتى المنظمات الداعمة أبدت ارتياحاً في التعامل مع إدارة مركزية عوضاً عن عشرات الإدارات الفوضوية». انتقلت التجربة إلى تجمع الكرامة المجاور والذي يضم أكثر من ثلاثة آلاف عائلة موزعة على خمسين مخيماً. الثقة الكبيرة التي يبديها خطاب تجاه هذه التغيرات مبالغ بها بحسب رأي الأربعيني أبو خالد، أحد السكان القدامي ممن شهدوا توالي تجارب إدارية عدة خلال ثلاث سنوات: «الأمر كله مرتبط بتقلبات الفصائل، إذا تغير ميزان القوى العسكرية داخلياً بين الفصائل سينعكس ليزعزع هذه التجربة مجدداً كما حدث مع غيرها».

 

تحديات أمام الإدارة الجديدة

قطعت منظمة الأغذية العالمية حصة تجمع أطمة من الغذاء لأكثر من عام بسبب سوء التنظيم والإدارة. المنظمة الدولية وجدت في ذلك مبرراً لإدراج المنطقة كنقطة سوداء لا يمكن العمل فيها. قصص مشابهة وقعت في مخيمات وتجمعات أخرى كما يقول غسان: «عدم مصداقية الإحصائيات الموجودة وتداخل حدود المخيمات عقبات واجهتنا في كل عمل إغاثي. الحقيقة يكاد يستحيل رسم خريطة دقيقة للمخيمات التي نمت بشكل ارتجالي ومفاجئ بخاصة في أطمة، والعديد من المخيمات ينشأ كل شهر فيما تُزال أخرى أو تنتقل». التعقيدات التنظيمية هذه ليست كل ما ينتظر هيئة إدارة الخدمات الجديد فالمخيمات تسير باتجاه الاستدامة جزئياً على الأقل، أكثر من أربعين في المئة من خيامها تحولت إلى غرف اسمنتية حتى أن البعض أنشأ طوابق. النازحون باتوا بحاجة لأكثر من إدارة تنظم العلاقة بينهم وبين المنظمات الداعمة. ثمة مشكلات اجتماعية تبلورت وهي تتطلب خططاً تنموية للتعامل معها كثنائية البطالة والجريمة، والنقص الفادح في عدد المدارس التي تستوعب أقل من نصف أطفال المخيمات. بالإضافة لارتفاع نسبة المحتاجين لرعاية خاصة بين السكان كالمصابين والأيتام وغيرهم من ضحايا الحرب.

لا يتفاءل كثيرون بامتلاك هيئة الخدمات الموارد الكافية للتعامل مع تلك القضايا المتراكمة، لكنها تبقى المرة الأولى التي تقترب فيها مخيمات الداخل من بناء جسم إداري واضح المعالم.