ندى الأهدل... طفلة أبت إلا أن تكون «حرّة»

ندى الأهدل... طفلة أبت إلا أن تكون «حرّة»
الرياض - سيف السويلم |

هي ليست مراهقة ضيّق عليها أهلها لتفرّ جهلاً، ولا امرأة زاد الجور عليها فطلبت أن تكون حرّة، هي طفلة هربت من الجهل، من البيع، هربت من تزويجها.

ندى الأهدل، الطفلة التي تعيش في السعودية اليوم ويرعاها «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، ولدت لأسرة فقيرة في إحدى القرى التابعة لمحافظة الحديدة اليمنية، أراد والداها تزويجها وهي في سن الـ11، فلم تجد سبيلاً سوى الهرب، لتبدأ منذ ذلك الوقت، تموز (يوليو) 2013، رحلة طويلة تنزع بها قيدها وتكون حرّة.

حالات كثيرة في المنطقة العربية، وخصوصاً اليمن، تشبه حالة الأهدل، لكنّ الأخيرة أرادت أن يسمع أبواها والعالم كله رفضها، فنشرت مقطع فيديو في «يوتيوب»، شرحت فيه حيثيات هربها إلى عمّها في صنعاء، حظي في الأيام الثلاثة الأولى بـ 6 ملايين مشاهدة، وحصلت بسببه على تعاطف وتضامن كبيرين.

وبعد هربها ذهبت برفقة عمّها إلى مقرّ وزارة الداخلية، وهناك وُليتّ لعمّها بموافقة والديها، وتعهدا بعدم تزويجها قبل إكمالها سن الـ18.

عاشت ندى في صنعاء نحو عامين، أكملت فيهما دراستها حتى الصف السابع، وخلال تلك الفترة نالت جائزتين عالميتين من منظمات حقوقية في سويسرا، إضافة إلى حصولها على جائزة «أشجع طفل في العالم»، وشاركت في منظمات مدنية وإنسانية تهتم بحقوق الطفل.

ومع مطلع العام الماضي أصدرت دار النشر الفرنسية «ميشيل لا فون» كتاباً للمخرجة والكاتبة اليمنية خديجة السلامي باللغة الفرنسية، تعرض فيه ندى الأهدل بمثابة نموذج للطفل الحر الرافض للظلم، لكن هذا الكتاب فتح عليها باباً جديداً من المتاعب، فبعد دعوتها من دار النشر لحضور تدشينه في باريس، كان مطار صنعاء استولت عليه ميليشيا «الحوثي» الانقلابية، وصار لزاماً عليها أن تذهب براً إلى عدن لتسافر عبر مطارها.

وفي الطريق إلى عدن، وبالتحديد عند مرورها بمحافظة ذمار، استوقفها وعمّها مسلحو «الحوثي» وأعادوهما إلى صنعاء، ووضعوهما تحت الإقامة الجبرية، وفي أيار (مايو) من العام ذاته استدعت وزارة الداخلية، التي تسيطر عليها القوى الانقلابية، ندى وعمّها، واحتجزتهما ساعات عدة، في محاولة لإجبارهما على توقيع وثيقة تعهد بعدم الظهور إعلامياً بأي شكل من الأشكال، وإلا فإن أمرهما سيكون «مجهولاً»، ما أجبرهما على الرضوخ، ليبدأ التوتر والقلق والخوف بالتسلل إليهما.

وبعد وقت، أشركت المخرجة السلامي ندى في فيلم لها بعنوان: «أنا نجود بنت العاشرة، ومطلقة»، حاز على إحدى جوائز «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» في دورته الـ37، وعند عرضه، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، قام «الحوثيون» بإبلاغ والديّ ندى بضرورة أخذ ابنتهم من عمّها، لأنه لا أهلية له في الوصاية عليها لـ«يسمح لها بأداء الدور في الفيلم، وممارسة أنشطة حقوقية»، والتشديد عليهما بعدم إعادة الطفلة إلى عمّها، والطلب منهما إجبارها على الزواج، كي لا يتم أخذها وإخفاؤها.

واتفق والدا ندى مع عمّها على نقلها إلى مكان آمن، لتتمكن من مواصلة تعليمها، فوصلت برفقة عمّها إلى عدن، وهناك هاجمهم مسلحون مجهولون يعتقد انتماؤهم إلى خلايا نائمة تتبع «الحوثي» والمخلوع علي عبد الله صالح، وقاموا بخطفهم وإخفائهم قبل أن يصل الخبر إلى وسائل الإعلام، ما أجبرهم على الإفراج عنهما بعد ثلاثة أيام، ليفرّا إلى منفذ الوديعة الحدودي مع السعودية. وعند وصولهما إلى الجزء اليمني من المنفذ أرشدهما بعض الأهالي إلى وجود مخيم إيواء عاجل (مخيم العبر)، يقيمه «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، قطنا فيه أربعة أيام قبل أن تنشر ندى مقطع فيديو جديداً في «يوتيوب» تشكر فيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز والمركز، على ما يلقاه النازحون في المخيم، قبل أن يأتيها الرد سريعاً من المركز بدعوتها إلى المملكة لتحصل على الرعاية وفرص الحياة الآمنة. اليوم، وبعد نحو ثلاثة أعوام مما حدث لها، تأمل ندى، التي تدرس في الصف الثاني المتوسط في إحدى مدارس العاصمة الرياض، بأن تجد مستقبلاً مشرقاً، وحياة آمنة، وبالتأكيد، أن يصير الأمس ماضياً يُنسى.


الأكثر قراءة في دوليات
المزيد من دوليات