سفارات الدولة الأيوبية ودولة المماليك مع أوروبا

لم تقتصر الصلات بين العرب والقارة الأوروبية على الفتوحات أو الغزو الحربي، بل كانت العلاقات أكثر عمقاً.
أنيس الأبيض |

لم تقتصر الصلات بين العرب والقارة الأوروبية على الفتوحات أو الغزو الحربي، بل كانت العلاقات أكثر عمقاً، فقد قامت صداقات وطيدة بين عرب المشرق والمغرب والأندلس وبين دول أوروبا المختلفة. وشهدت القارة الأوروبية قدوم سفارات عربية تحمل نفائس عربية لتطلع الأوروبيين على نتاج الحضارة العربية، وأقامت جاليات عربية في مدن أوروبا وأصبحت منارة للمدينة العربية، وعقدت معاهدات تجارية بين العرب والدول الأوروبية. وبعثت دول أوروبا بعثات علمية إلى الأندلس العربية لتتلقى العلم والثقافة، وهكذا كانت الصلات بين العرب وأوروبا ديبلوماسية وتجارية وثقافية وحضارية.

وفي هذا السياق توثقت الصلات بين الدولة النورماندية في صقلية والدولة الأيوبية في مصر والشام، فاستعان النورمانديون بالعناصر العربية في جزيرة صقلية واحتفظوا بالمظاهر العربية وبدت الصداقة النورماندية والأيوبية واضحة في عهد الإمبراطور فردريك الثاني (1215 – 1250م) الذي كان يحكم كلاً من صقلية وألمانيا، كما كان يحمل لقب إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة. وقد أصبح سنة 1220م ملك بيت المقدس عن طريق زواجه من وارثة العرش (إيزابيلا أف برين). ولذا كان الإمبراطور فردريك يتمتع بأكبر نفوذ في العالم المسيحي، وكان متأثراً بالآراء الإسلامية وبالعادات والتقاليد العربية، وامتلأ بلاطه بالعلماء العرب.

تصادق فردريك مع السلطان الأيوبي الكامل محمد (1218 – 1238م) ابن أخي صلاح الدين وتبادلا السفارات والهدايا، وكان من ضمن هدايا الكامل لفردريك زرافة كانت أول زرافة رؤيت في أوروبا في العصور الوسطى، فضمّها فردريك إلى مجموعة حيواناته التي كان من بينها بعض الإبل التي كانت ترافقه في جولاته في أوروبا.

واستحضر فردريك من مصر أيضاً بعض الخبراء الذين طلب إليهم أن يجروا تجارب على تفقيس بيض النعام في حرارة الشمس. وتلقى فردريك من سلطان أيوبي آخر هو الأشرف صاحب دمشق في سنة (1232م) جهازاً عجيباً للكواكب فيه صور تمثل الشمس والقمر تحدّد الساعات في مداراتها، وقد أهدى الإمبراطور في مقابل ذلك للسلطان دباً أبيض وطاووساً أبيض أعجب أهل دمشق كما أعجب أهل صقلية بالزرافة المرسلة من مصر.

وقد لجأ فردريك إلى السلطان الكامل من بين من لجأ إليهم من حكام المسلمين الآخرين، فبعث بمسائل رياضية وفلسفية إما لطلب معرفتها أو لإظهار عجزهم، وقد نجح في حلّها أحد العلماء المصريين. أما المسائل الهندسية والفلكية التي كان من بينها مربع قطاع الدائرة فقد حُلت في الموصل.

وأحضر فردريك من سورية بعض مدربي الصقور المهرة، وكان يراقبهم وهم يدربون الطيور، وختم على عيون الصقور ليتحقق إن كانت تستطيع أن تتعرّف إلى موضع الطعام بحاسة الشم، وكان لفردريك ترجمان ومنجم يسمى (ثاذرى) (تيودور) وهو مسيحي يعقوبي من أهل أنطاكية بالشام، وكلّفه فردريك أن يترجم كتاباً عربياً عن فن تدريب الصقور فكانت هذه الترجمة الأساس التي اعتمد عليها فردريك في تأليف كتابه عن الصقور. وهو أول مرجع حديث في التاريخ الطبيعي. واستخلص تيودور أيضاً للإمبراطور كتاباً في علم الصحة أخذه عن كتاب (سر الأسرار) المنسوب لأرسطو.

وكان يعمل كمنجّم للبلاط قبل تيودور رجل آخر يدعى (ميشيل أسكوت) ظل يمثل علوم الأندلس العربية في صقلية والأندلس في ما بين سنتي (1220 – 1236م). ووضع أسكوت للإمبراطور، نقلاً عن العربية، خلاصة لاتينية لمؤلفات أرسطو في علم الحياة وعلم الحيوان وعني بصفة خاصة بتلخيص كتاب الحيوان مع شرح ابن سينا عليه، فقد أهدى هذا الكتاب إلى فردريك وأطلق عليه اسم «ملخص ابن سينا».

وروح التحقيق هذه التي تكاد تكون حديثة، وذلك التجريب والبحث اللذان كانا أوضح مميزات بلاط فردريك، تعتبر بدء عصر النهضة في إيطاليا. وقد بدأ الشعر الإيطالي وكذلك الأدب والموسيقى في الازدهار نتيجة لذلك التأثير البروفنسالي والعربي.

وأثبت (أماري) المستشرق الصقلي أنّ صقلية مدينة للعرب وكذلك إيطاليا مدينة لصقلية بابتكار الشعر الوطني، بمعنى أنّه منذ قلد البلاط الصقلي البلاط العربي الإسلامي، بدأت العناية تعرض الشعر، تلك العناية التي كانت السبب في نهوض الشعر الإيطالي، وقال (رينالدي): لم يساعد العرب فقط على إنهاض الشعر الإيطالي والصقلي بل إنهم أمدّوا قصصنا بشكلها ومادتها.

أما في ما يتعلق بالسفارات بين دولة المماليك ودول أوروبا، فلقد ارتبطت الدولة المملوكية في مصر والشام بدول أروبا بعامة ودول حوض البحر المتوسط بخاصة بصلات عدة تجارية أو سياسية تتأرجح بين الصداقة أو العداء تبعاً لمجريات الأحداث السياسية. فقد كانت الدولة المملوكية تسيطر على أجزاء كثيرة من سواحل البحر المتوسط وتقع عند ملتقى أهم الطرق التجارية آنذاك، وشهدت صداقة الدولة الأيوبية بأباطرة جزيرة صقلية. واستمرت هذه الصداقة في عهد الدولة المملوكية أيضاً. فتوثقت الصلات بين (مانفرد) ملك صقلية والسلطان المملوكي الظاهر بيبرس، وبعث بيبرس بسفارة يرأسها المؤرخ المعروف جمال الدين بن واصل إلى ملك صقلية يحمل الهدايا النفيسة.

وروى المؤرخ المقريزي أنّ شارل الأنجوي ملك صقلية بعث إلى السلطان الظاهر بيبرس هدية وكتاباً على لسان أحد كبار موظفيه يقول فيه إنّ مخدومه أمره أن يكون أمر الملك الظاهر نافذاً في بلاده وأن أكون نائب الملك الظاهر كما أنا نائبه.

وارتبطت دولة المماليك بعلاقات صداقة ومودة مع مدن إيطاليا وبخاصة البندقية وجنوة، فكان لهذه المدن قناصل في المدن والموانئ الكبرى في مصر، ولم تشأ هذه المدن أن تضحي بمصالحها التجارية العديدة في مصر والشام من أجل الأغراض الصليبية السائدة في ذلك العصر، ولكن ساءت العلاقات بعد ذلك بين جنوة ودولة المماليك نتيجة تفوق البندقية البحري والتجاري، ما جعل تجار جنوة يبحثون عن طريق تجاري آخر لا يمر بدولة المماليك، فاكتشفوا الساحل العربي لأفريقية عند جسر كناريا وكان هذا مقدمة لكشف طريق رأس الرجاء الصالح.

وحرصت دول أسبانيا المسيحية مثل أرغونة وقشتالة وأشبيلية على الفوز بصداقة دولة المماليك حتى لا تساعد المسلمين في الأندلس فتبادلت السفارات والهدايا وعقدت المعاهدات التجارية. وأشهر هذه السفارات ما كان بين جيمس الثاني ملك أرغونة (1291 -1327م) والسلطان الناصر محمد وبين ألفونس العاشر أمير قشتالة والسلطان المنصور قلاوون.