إحموا القلب من الحمّى بسلامة اللوزتين ونظافة الفم

|

القلب، كغيره من أعضاء الجسم، قد يكون معرّضاً للعدوى بالميكروبات التي قد تمر عليه مرور الكرام من دون مشاكل مهمة، أو قد تعضه تاركة أذيات لبعض أساساته أو كلها، كأغشيته وأليافه العضلية وصماماته.

وتعتبر حمى الروماتيزم الناتجة من العدوى بجراثيم المكورات العقدية الحالّة للدم من أشهر الأمراض التي يمكنها أن تترك تداعيات على الجلد والدماغ والمفاصل والرئتين والقلب.

وتعتبر صمامات القلب من الأهداف المفضلة للحمى الروماتيزمية، ففي ثلاثة الى خمسة في المئة من حالات حمى الروماتيزم تصاب صمامات القلب من أول هجمة، وفي الهجمات التالية تتضاعف نسبة الإصابة عشر مرات لتصل الى 50 في المئة. أما لماذا تصاب صمامات القلب؟ فإن السبب يعود الى تواجد بروتينات في جراثيم المكورات العقدية يشبه تركيبها تلك التي تدخل في بنية الصمامات، ولهذا فإن الجهاز المناعي للجسم يعمل على ضرب الجراثيم والصمامات في آن واحد، ولا تظهر الإصابة في الصمامات على الفور بل بعد مرور سنوات طويلة.

وتنتشر الحمى الروماتيزمية بكثرة في البلدان الفقيرة، اذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية الى أنها تقف وراء 400 ألف وفاة سنوياً، معظمها من الأطفال والشباب. وتدل التقديرات على وجود 12 مليون مصاب بالمرض، منهم مليونان يحتاجون الى زيارة المستشفى في شكل متكرر، إضافة الى مليون تلزمهم تدخلات جراحية لإصلاح الأذيات التي لحقت بقلوبهم.

ويتظاهر مرض الحمى الروماتيزمية بعد أسابيع من التعرض لالتهاب الحلق بالمكورات العقدية الحالّة للدم، فيعاني المصاب من عوارض عامة، مثل الحمى والشحوب والتعرق والضعف والتعب والصداع والرعاف، وعوارض هضمية مثل نقص الشهية على الطعام والغثيان والتقيؤ والإسهال والإمساك وآلام بطنية، وعوارض مفصلية، مثل التورم والألم والاحمرار تشاهد في المفاصل الكبيرة، كالركبة والمرفق والكتف والكاحل.

وبعد حوالى 10 أيام من الإصابة المفصلية، تظهر العوارض القلبية التي تعكس إصابات ناتجة من كل طبقات القلب، بدءاً بالشغاف، وهو الغلاف المبطن لعضلة القلب، مروراً بالعضلة القلبية، وانتهاء بالتامور، وهو الغلاف المحيط بالقلب والصمامات. ويعتبر تلف الصمامات الأكثر مشاهدة، إلا انه لا يحدث مباشرة بعد التعرض للمرض وانما عقب فترة قد تكون طويلة نسبياً يصاب فيها الصمام بالتضيق أو التوسع فيعاني المريض من عوارض شتى، مثل سرعة التعب واللهاث وصعوبة التنفس وتورم القدمين.

إن أفضل ما يمكن القيام به لقطع الطريق أمام الحمى الروماتيزمية هو القضاء أولاً بأول على التهاب الحلق بالجراثيم العقدية الحالّة للدم. وتمثل المضادات الحيوية أحد أهم الحلول من أجل شطب الجراثيم من الجسم ومنعها من تحقيق غايتها في إثارة الحمى الروماتيزمية.

أما عند تشخيص الحمى الروماتيزمية في شكل مؤكد، فإن تطبيق عدد من التدابير يصبح ضرورياً، ومنها الاستراحة التامة في الفراش لتخفيف العبء عن القلب، وإعطاء شوط من البينسلين لإبادة الجراثيم العقدية الحالّة للدم، وتناول مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية من أجل إخماد الالتهابات التي حلت بالقلب والمفاصل، وفي حال تعرّض صمامات القلب للإصابة، فإن الطبيب قد يوصي بأخذ المضادات الحيوية مدى الحياة، أما اذا كانت غير مصابة فإن المضادات الحيوية تعطى لبضع سنوات أو حتى يتجاوز عمر الطفل العشرين.

يتوجب على كل مصاب بالحمى الروماتيزمية يحتاج الى مداخلة سنية أو غيرها أن يخبر طبيبه بما عنده، ليأخذ حذره وليصف له المضادات الحيوية لأهداف وقائية.

ويمكن للعدوى أن تصيب البطانة الداخلية للقلب التي تعرف باسم الشغاف، وتحدث العدوى لأسباب فيروسية أو جرثومية أو حتى فطرية، إلا أن السبب الرئيس لها هو الجراثيم التي تأتي من خارج الجسم من طريق الأكل والشرب أو من خلال جرح في الجلد، أو من طريق الدم بسبب التفريش السيئ للأسنان، وعدم الاعتناء بصحة الفم، والتهاب اللثة، واستعمال الأبر الملوثة، وتركيب القسطرة، والخضوع لجراحة في اللثة، والأمراض المنتقلة بالجنس. ويعتبر تعاطي المخدرات والصمامات التالفة والعيوب الخلقية في القلب وصمامات القلب الاصطناعية من العوامل التي تشجع على حدوث التهاب الشغاف.

في البداية، تكون عوارض التهاب الشغاف بسيطة لا تلفت الأنظار، لكنها تتطور ببطء مع مرور الوقت لتعطي مظاهر شبيهة برشح عادي أو التهاب رئوي أو مرض التهابي عام، اذ تكون العوارض على هيئة حمى، وشحوب في البشرة، وقشعريرة، وقلة شهية على الطعام، ونقص في الوزن، وشعور بامتلاء الجزء العلوي الأيسر للمعدة، وتعرّق ليلي.

وتكشف المراحل المتقدمة من التهاب شغاف القلب عن عوارض وعلامات شتى، مثل تورم القدمين والساقين، وظهور الدم في البول، وانتفاخ البطن، وضيق التنفس، وفقدان الوزن، والسعال، وتضخم الطحال، ونفخات في القلب، ومشاهدة بقع حمراء أو أرجوانية على أسفل أصابع القدم وبياض العينين وداخل الخدين وسقف الفم وعلى الصدر. ويمكن أن تتأثر أعضاء مختلفة من الجسم نتيجة التهاب الشغاف.

ولا تقف العدوى عند حدود صمامات القلب وبطانته الداخلية بل يمكنها أن تصل الى صميم العضلة القلبية(الطبقة الواقعة بين الورقة الخارجية التي تغلف القلب من الخارج والورقة الداخلية التي هي شغاف القلب) لتسبب ما يعرف في الوسط الطبي بالتهاب العضلة القلبية، ويحصل الالتهاب نتيجة عوامل ميكروبية تشمل الجراثيم والفيروسات والفطور والطفيليات. وتعتبر فيروسات كوساكي من أشهر الفيروسات المسببة لالتهاب العضلة القلبية.

وتتفاوت مظاهر التهاب العضلة القلبية تبعاً لسبب الإصابة وشدة المرض، وفي الحالات البسيطة أو المتوسطة يشكو المريض من الضعف العام، والألم في الصدر، وزيادة ضربات القلب، واضطراب في نظم القلب، وضيق في التنفس، واحتباس السوائل في الجسم، خصوصاً في الطرفين السفليين. وقد تبرز عوارض أخرى مثل فقدان الوعي المفاجئ، والصداع، وآلام في المفاصل، والحمى، والتهاب الحنجرة، والإسهال. واذا امتد الالتهاب الى غشاء التامور المحيط بالقلب، فإنه يتسبب في اندلاع آلام حادة في منتصف الصدر.

أما في حالات الالتهاب الشديد للعضلة القلبية، فقد ينتهي الأمر بمضاعفات قاتلة، مثل النوبة القلبية، والجلطات الدموية، وفشل العضلة القلبية.

إن عدوى القلب قد تقلب صحة صاحبها رأساً على عقب، من هنا ضرورة تفادي هذه العدوى قدر المستطاع من خلال مكافحة التهاب اللوزتين، والمحافظة على صحة الفم واللثة والأسنان، والاهتمام بقواعد النظافة الشخصية، وتجنب الاختلاط مع المصابين بأمراض معدية، وأخذ اللقاحات المقررة، وإذا ما وُجد تاريخ للإصابة بمرض في القلب أو جراحة قلبية أو التهاب في شغاف القلب أو الحمى الروماتيزمية فإنه يجب أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع وصول الميكروبات الى القلب.