أنس العبدة لـ «الحياة»: مطلب الابتعاد عن «النصرة» هدفه الاقتتال الداخلي

أنس العبدة. (الحياة)
الدوحة – كميل الطويل |

حذّر رئيس «الائتلاف الوطني السوري» المعارض أنس العبدة من محاولات روسية لدفع فصائل المعارضة إلى الاقتتال، معتبراً أن التداخل الموجود على جبهات القتال لا يسمح بالفصل بين عناصر «جبهة النصرة» وبقية الفصائل، وهو المطلب الذي يقدمه الروس بهدف بدء توجيه ضربات للطرف الأول على أساس أنه تنظيم إرهابي على غرار «داعش». لكن العبدة انتقد في الوقت ذاته بعض تصرفات «النصرة»، مشيراً بالخصوص إلى «فتاوى بعض شرعييها» الذين أهدروا دم فصيل «جيش الإسلام».

وجاء كلام العبدة في مقابلة مع «الحياة» على هامش مشاركته في منتدى الدوحة. وكشف أن الروس يسعون إلى عقد «صفقة شاملة» مع الأميركيين في خصوص سورية وقضايا أخرى لكن الإدارة الأميركية وتحديداً وزارة الدفاع (البنتاغون) ترفض تقديم «التنازلات» التي يسعى إليها الرئيس فلاديمير بوتين من الرئيس باراك أوباما في آخر عهده الذي وصفه بأنه بات بمثابة «بطة عرجاء» لا تستطيع اتخاذ قرارات استراتيجية، ما يعني أن الملف السوري مؤجل إلى ربيع العام المقبل عندما تكون الإدارة الجديدة قد بدأت في ترتيب أوضاعها بعد وصول الرئيس الجديد إلى سدة البيت الأبيض، سواء كان دونالد ترامب أو هيلاري كلينتون.

وقال العبدة: «اعتقد بأن الأميركيين والروس يعملون حالياً على شيء شبيه بما فعلوه في الهدنة (التي بدأت في 27 شباط/فبراير)، أي أن يتوصلوا إلى شيء في ما بينهم ويأتوا لإبلاغه لنا والنظام على أساس أنه لو جلسنا مع النظام للتفاوض فلن نتوصل معه إلى شيء. إنني مقتنع بأن الروس والأميركيين عندهم (اتفاق) إطار عام يعملون عليه».

وسئل إذا كانوا يقبلون وفق هذا الإطار العام المفترض بأن يبقى الرئيس بشار الأسد في الفترة الانتقالية، ما يعني التنازل عن التمسك برحيله في بداية المرحلة الانتقالية؟ فأجاب: «موقفنا واضح. سياسياً ومبدئياً وإجرائياً ومنطقياً لا يمكن القبول بالأسد ولا ليوم واحد في المرحلة الانتقالية، والذي حصل في اليمن دليل على صحة هذا الموقف. فقد ترك علي عبدالله صالح الرئاسة في شكل كامل واستقال منذ اليوم الأول للمرحلة الانتقالية، لكن فقط لأنه موجود داخل اليمن خرّب كل الجهد وقلب المرحلة الانتقالية ودمرها. وفي اعتقادنا أن الأسد لو بقي في المرحلة الانتقالية ليس لستة شهور بل لأسبوع سيدمّر العملية السياسية. والذي يتكلم عن عملية سياسية بوجود الأسد لا يكون جدياً في هذا الموضوع. لأنه لن يلعب دوراً سوى الدور السلبي». وتابع: “وعلى هذا الأساس فإن موقفنا واضح، وبيان مؤتمر (المعارضة في) الرياض واضح والذي هو المرجعية السياسية للوفد التفاوضي: الأسد لا يكون يوماً واحداً في المرحلة الانتقالية. وهذا لا يمكن أن نتخلى عنه. هذا خط أحمر بكل ما تعنيه الكلمة من معنى».

لكن العبدة كشف «محاولات للخروج من هذه المسألة بشيء اسمه الفترة التحضيرية أي أنهم يسمونها فترة تحضيرية وليس فترة انتقالية. فإذا أرادوا أن يعتبروا الفترة التحضيرية جزءاً من المفاوضات فنحن أصلاً موافقون على المفاوضات حالياً. لكن ليس في اعتقادي أن هناك إمكانية لأن تبدأ مرحلة انتقالية بالأسد بأي شكل من الأشكال. وأي كلام آخر غير مقبول وهم يعرفون هذا الأمر».

وتابع: “قناعتي أن الروس عندهم تفويض في الملف السوري والذي يجري الآن هو أن هناك مرحلة من تثبيت خطوط التماس، أي تجميد القتال والاعتماد على السلطات المحلية، سواء كانت عند النظام أو المعارضة، حتى مجيء الإدارة الأميركية المقبلة. طبعاً خلال هذه الفترة سيحاول الروس أن يحصلوا على صفقة متكاملة مع الأميركيين، والآن هم يطلبون سعراً عالياً لا يستطيع الأميركيون تقديمه. الخيار الآخر بالنسبة إلى الروس هو أن يعملوا محددات أمر واقع على الأرض تمنع الإدارة المقبلة من أن تتحرك كثيراً خارجه، ما يعني أنه لا يكون عندها هامش مناورة. هذا هو الخيار الثاني الأفضل للروس – أي أن يعملوا واقعاً على الأرض لا يمكن للإدارة الأميركية الجديدة أن تتجاوزه. وبالتالي إذا أرادت أن تقوم بأي صفقة حقيقية مع الروس فإنها تكون على أساس هذا الواقع الموجود. وبالنسبة إليهم (الروس) أوباما الآن أفضل ما هو موجود وهم يرون أمامهم خيارين: إما كلينتون أو ترامب. هم يعرفون أن كلينتون لن تكون بليونة أوباما، كما أن ترامب لا يمكن أن تقرأه سياسياً في شكل واضح الآن لكنه على الأرجح لن يكون أيضاً بليونة أوباما. فبالنسبة إليهم (الروس) هناك مخاطرة في أن يذهبوا إلى الإدارة الجديدة. وبالنسبة إلى أوباما باعتبار أن فترته باتت بمثابة بطة عرجاء فإنه لن يستطيع اتخاذ قرارات استراتيجية سياسية تُلزم الإدارة الأميركية في هذا الوقت المستقطع. فنحن إذاً سائرون في اتجاه أن تسير الأمور بهذا الشكل حتى آذار (مارس) من العام المقبل»، أي عندما تكون الإدارة الجديدة قد شكّلت طاقمها. وشرح: “إننا نتكلم عن وقف العمليات القتالية أي الهدنة والمفاوضات والملف الإنساني. وهذه الملفات يفترض أن يستمر العمل عليها حتى تتسلم الإدارة الجديدة وتعاود الانخراط في شكل جدي».

وسُئل عن الضغط الروسي للفصل بين الفصائل «المعتدلة» و «جبهة النصرة»، فأجاب: «الروس يقومون بشيء قريب من الاستراتيجية التي اتبعوها في الشيشان. ففي المناطق التي هم قريبون منها أو الموجودون فيها يحاولون أن يستغلوا موضوع الهدنة العامة للتوصل إلى هدن محلية. الآن معظم الهدن المحلية التي تحصل في دمشق وريف دمشق يكون فيها ضباط روس من رتب عالية. يحاولون أخذ هذه الهدن من أجل تثبيت حماية مواقعهم، لكن في الوقت ذاته يحاولون أن يوسعوا النفوذ. محاولة واضحة لتفتيت الفصائل ومحاولة التعامل معها على أساس كل فصيل على حدة. في الجنوب الأمور هادئة في شكل عام، لكن في دمشق وريف دمشق تحصل محاولات لعقد هدن محلية. واضح جداً أن الروس حصّلوا من الملف السوري ما يمكن تحصيله حتى الآن وفي شكل أساسي أن يتم التعامل معهم بندية، بنفس المستوى كما الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تثبيت مصالحهم في الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط. الآن يتم التعامل معهم فعلاً بندية كاملة في ما يتعلق بالملف السوري. بمعنى أن في الديبلوماسية الدولية الآن أصبح هناك ندية واضحة ما بين الولايات المتحدة وروسيا. فعندما نتكلم عن المجموعة الدولية لدعم سورية تكون الرئاسة مشتركة، والبيانات الرئاسية التي تصدر فإنها تصدر في شكل مشترك، ومجموعتا العمل (الإنسانية والهدنة) أيضاً تكون الرئاسة فيهما مشتركة. هذا بالنسبة إلى الروس والأميركيين وهو موضوع في غاية الأهمية وله أبعاد خارج سورية. ويأمل الروس من خلال هذا الملف أن يستطيعوا الوصول إلى حل شامل مع الأميركيين والغرب في ما يتعلق بالملفات الأخرى، لذلك فإن الثمن الذي يطلبونه الآن هو ثمن مرتفع لا يستطيع الأميركيون دفعه، فهناك داخل الولايات المتحدة بعض الممانعة لهذه التسهيلات أو التنازلات التي تعطى للروس، وتحديداً هذه الأمر يأتي من قبل وزارة الدفاع الأميركية، بينما وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) تسير على الأرجح مع البيت الأبيض في خصوص السياسة مع روسيا. لا ترى وزارة الدفاع، من جهتها، أن من الحكمة تقديم هذه التنازلات ويقولون لهم: أنتم تعطون لبوتين ما لم تعطوه لستالين في وقت كان الاتحاد السوفياتي يشكل 14 في المئة من اقتصاد العالم بينما اقتصاد روسيا اليوم لا يتعدى 2,6 في المئة. فعلى أي أساس يتم تقديم هذه التنازلات؟ هذا كان أحد الأسباب في أن لا يأخذ الروس كل ما يريدونه من الولايات المتحدة لأن وزارة الدفاع وبعض المؤسسات الأخرى تبدي نوعاً من الممانعة لهذه التسهيلات التي تعطى للروس».

ورداً على سؤال عما إذا كان ممكناً فعلاً الفصل بين «النصرة» وبين «المعتدلين»، أجاب: «اتفاقية الهدنة تقول إنه يتم استهداف المناطق التي هي تحت سيطرة المنظمات الإرهابية. هناك مناطق تحت سيطرة داعش في شكل واضح ولكن ليست هناك مناطق تحت سيطرة حصرية للنصرة، وبالتالي فليست هناك منطقة تحت سيطرة النصرة مماثلة لمناطق سيطرة داعش. دائماً هناك عملية تداخل ما بين النصرة وما بين الفصائل الأخرى. تداخل بمعنى أن يكون في نفس الموقع الجغرافي أكثر من فصيل. نتحدث عن إدلب وربما أيضاً عن حلب، في الخندق المقاتلون لا تستطيع التفريق بينهم وهل هم من النصرة أو الأحرار أو الجيش الحر. المقاتل مقاتل وهم نفس المقاتلين السوريين الذين يتعرضون للهجوم ويردون عليه، فيصير هناك تنسيق ميداني بينهم. هذا معروف وليس سراً. لذلك فإن من الصعوبة بمكان أن تتم عملية الفرز». وتابع: «طبعاً المقصود من خلال عملية الفرز أن تصير عملية اقتتال داخلي ضمن الفصائل. فاللحظة التي تبتعد فيها عن النصرة وتتركهم وحدهم وتفرز نفسك عنهم فكأنك تقول: تعالوا واضربوهم، فيكون رد الفعل من طرفهم سلبياً للغاية».

وسُئل إن كان يعتقد أن هذا هو هدف الروس؟ فرد: «طبعاً هذا ما يريده الروس. من الواضح أنهم يضعون ملف النصرة لأنه من خلاله يستطيعون أن يدمروا الفصائل الموجودة في الشمال. بالمقابل هم لا يستهدفون داعش التي يعتبرونه مشكلتنا نحن. يقولون اذهبوا ودبروا أموركم مع داعش باعتباره استولى على المناطق المحررة فيعتبرون أنها مسؤوليتنا أن نسترجعها منهم، أما موضوع النصرة فيعتبرون أنه يجب أن يركزوا عليه لأنه من خلاله يمكنهم أن يدمروا الفصائل الأخرى التي هي تمثل التهديد الحقيقي للنظام سواء في حلب أو دمشق أو في الجنوب مثل أحرار الشام وجيش الإسلام وفيلق الشام والجبهة الشامية وجيش المجاهدين وكل الفصائل الأخرى التي هي موجودة في مناطق جغرافية معينة… ففي الغوطة الشرقية عندك جيش الإسلام بحدود 15 أو 16 ألف عنصر وفيلق الرحمن بحوالى ستة آلاف عنصر وقد يكون هناك نحو ألف عنصر من النصرة وهؤلاء الألف إذا وزعتهم على خطوط القتال في دمشق قد يكون عددهم 50 في هذه الجبهة أو 100 في جبهة أخرى، فماذا يمكنك أن تفعل؟ فبحجة قتال النصرة تذهب لاستهداف الكل، ومعروف أن الروس عندما كانوا يضربون كانوا يضربون النصرة وغير النصرة. إذاً هي فرصة لهم كي يتخلصوا من هذه الفصائل التي تشكل التهديد الحقيقي للنظام وهي العمود الفقري للثورة”. وتابع: “بالنسبة إلى الروس الأمور واضحة: الجنوب ساكتون عنه، وهم يشتغلون حالياً على دمشق وريف دمشق، وللأسف هناك قتال بين الفصائل هناك، والنصرة تلعب دوراً في هذا الموضوع من خلال الفتاوى التي تصدرها من خلال شرعييها الذين يقولون إن قتال جيش الإسلام أولى من قتال النظام. ولك أن تتخيل ما معنى هذا الكلام.

والمشكلة أن هذا يعطي انطباعاً أن الفصائل ستتقاتل بين بعضها البعض بعد إسقاط النظام. فإذا كنتم تتقاتلون قبل إسقاط النظام فإنكم لا بد وستتقاتلون بعد سقوطه. ونحن رأينا مثل هذا الأمر في أفغانستان قبل سقوط النظام (الشيوعي بقيادة نجيب الله عام 1992)”.

وسُئل عما إذا كان دعم الدول العربية للمعارضة بالسلاح زاد فعلاً في الفترة الماضية، فأجاب: «في قناعتي ليست هناك مشكلة سلاح. مشكلتنا هي التنسيق بين الفصائل وأن تكون لدينا غرف عمليات أكثر للتنسيق بين الفصائل. ليس هناك سلاح نوعي من النوع الذي كنا نأمل به أي الصواريخ المضادة للطائرات، ولكن هناك صواريخ مضادة للدروع. صواريخ التاو. قناعتي أن هناك سلاحاً يحرر سورية 3 أو 4 مرات. لا مشكلة في السلاح».

وسُئل عن الجولة المقبلة من المفاوضات، فقال: «ليس هناك تصور متى ستحصل الجولة الجديدة. وفي قناعتي أن (ستيفان) دي ميستورا ليس راغباً في الدعوة إلى جولة مفاوضات جديدة تكون كالمرة الماضية لأنه يدرك تماماً أنه لو صار مثل هذا الشيء فعلى الأغلب إننا ذاهبون إلى نفس النتيجة التي حصلت المرة الماضية أو شيء قريب منها، أو بالحد الأدنى لن يكون هناك تقدم».