مَن يخذُل الآخر في سورية... المثقف أم الثورة؟

سوسن جميل حسن |
متحف دمشق

في مقالة نشرتها مجلة «الفيصل» في 9 أيار (مايو) الماضي، تحت عنوان «التغريبة الجديدة. المثقف السوري لاجئاً»، استعرض نبيل سليمان مجموعة من المثقفين السوريين في الشتات، بين كاتب وقاص وروائي وتشكيلي ومفكر ومخرج إلخ، بأسمائهم ولقد جمعته بهم ذكريات مختلفة ومتنوعة، بينما سمّى الكاتب ياسين الحاج صالح بلقبه الخاص «حكيم الثورة». وقال نبيل سليمان في ما قال: «منهم من ناله ما ناله من شر النظام أو من شر الرايات السود، أو منهما معاً. وخلص إلى أن بعض المثقفين في بلدان اللجوء لم يكونوا على مستوى قضايا الشعب، ولا على مستوى الإبداع المنتظر منهم «وكما يقال حقًّا: الغربة كشّافة، وتهتك الأقنعة، وقد كشفت مواطن اللجوء زيف عدد غير قليل من المثقفين والمثقفات. ويبقى الرهان على مثقف (ة) لم يرتهن لبريق مالي أو سياسي، بل يصرف زمن اللجوء في الإبداع والنشاط اللذين يقربان اليوم الموعود بالعودة إلى الوطن الحر والآمن».

وكتب أحد مشتركي «الفايسبوك»، وهو من النخبة الاجتماعية والعلمية، على صفحته: أم أن ذكر اسم ياسين الحاج صالح على لسان نبيل سليمان قد يعرضه لعنت النظام أو شره، وهذان النعتان أقسى ما استطاع سليمان توجيهه إلى النظام «الشرير». بعد تهكم على المقالة ووصفها بالخفة. لفتني هذا الأمر واستدعى إلى شاشة وعيي المساجلات الكثيرة والمتنوعة التي دارت، ولا زالت تدور أحياناً، بين الكثير من المثقفين. لكن أكثرها تنوعاً وضجيجاً إعلامياً كان السجال الذي دار بين أدونيس وصادق جلال العظم، أو اللغط الذي أحدثه تصريح كل منهما منفرداً حول «الثورة السورية».

يفترض أن يكون المثقف صاحب مشروع، وأن تكون مواقفه من التفاصيل التي تندرج في حيثيات مشروعه مواقف نقدية، لكن، في المقابل أليس الحكم على موقف عاطفي سريع تمليه اللحظة وأحداثها يتضمّن الكثير من الظلم والإجحاف بحق المثقف ونكران لمشروعه؟ المثقف، كغيره، يمكن الجانب العاطفي أن يسيطر عليه في لحظة ما ويقول تعابير موجزة، أو ربما عناوين، عمّا يدور في ذهنه، لكنه يُفهم خطأ، أو يتعرض إلى النقد اللاذع الذي يمكن أن ينال من اعتباره كإنسان. اتُّهم أدونيس بالطائفية. لم يُفهم من تصريحه بأنه لا يؤمن بثورة تخرج من الجوامع إلّا أنه منحاز إلى طائفة اتُّهمت بالمطلق بأنها داعمةٌ نظاماً طائفياً. وهذا اضطره إلى شرح موقفه مرات كثيرة في مقابلات تلفزيونية أو حوارات صحافية. كذلك صادق جلال العظم عندما حكى بالعلوية السياسية وشرحها في ما بعد بتقريبها من مفهوم المارونية السياسية.

وهل من الموضوعية بمكان أن يُتّهم كاتب من خلال مقالة صغيرة تحمل مقولة واحدة ويُنسى نتاجه كاملاً وهو الذي يطوي أكثر من أربعين عاماً في الهم الثقافي وقدّم عشرات الكتب والأعمال الروائية والنقدية عدا عن مقالات الرأي؟ كتب نبيل سليمان بعد انطلاق الانتفاضة السورية ثلاثة أعمال روائية، اثنان منها مُنعا من دخول سورية، آخرها كان «ليل العالم» رواية مرصودة للرقة التي يعتبرها جزءاً أساسياً من روحه وذاكرته، وحكى فيها عن ياسين الحاج صالح وشقيقيه، كما عن الأب باولو. لا أظن أن كاتباً آخر قدّم نصّاً يفوقه بالجرأة في نقد النظام السياسي السوري القمعي ولا في نقد الإسلام السياسي والحركات المتطرفة الجهادية. لكن إلقاء التهم المجانية بدوافع صارت للأسف لا تخفى على أحد، هو جانب من الخراب الذي خلفته الحرب السورية على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع، ومن ملامحه التصنيف الجائر والقاصر للأشخاص، إن كان على أساس مناطقي أو طائفي أو خيار البقاء في البلاد أو مغادرتها.

ليس خيار البقاء في البلد أو مغادرته هو ما يمنح المثقف صدقيته، أو يُبنى عليه موقف سياسي يُلصق بصاحبه، فهناك من كانت مغادرة البلاد بالنسبة إليه الحلّ الوحيد هروباً من تهديد حياته وحياة أسرته وأبنائه، ومنهم من كان خياره بالخروج هو انسداد الأفق أمامه وأمام أبنائه، ومنهم من آثر النزوح من منطقة مشتعلة إلى منطقة أقل اشتعالاً أو ربما أكثر أماناً ضمن الوطن السوري. لكن، ليس هذا الاختيار هو ما يمنح موقف المثقف قيمته. ما يمنح هذه القيمة هو المشروع الذي يشتغل عليه وينادي به، هو موقفه النقدي مما يجري، والتفاته إلى تغيّرات الواقع والأخطار التي تنبثق بسبب الحرب والكل غافل عنها منشغل بالحرب الميدانية والإعلامية. أمام المثقف كمّ هائل من الاستحقاقات، لكن، أيضاً، عليه تحديد موقفه من السياسة، فأن يشتغل سياسة يعني أنه انحاز إلى طرف من أطراف النزاع، في وقت أربكت فيه الحالة السورية العالم مثلما شغلته واستدعته كي يشتغل بها. ولطالما انزلق بعض كتّابنا ومثقفينا إلى ميدان السياسة، ومنهم من استُخدم بدراية أو من دون دراية منه في خدمة أجندات معينة بظهوره الإعلامي على منابر تروّج لتلك الأجندات، كذلك بعضهم لم يقدّم في السنوات الخمس الدموية السورية أكثر من مقالات غاضبة، إن كان ضد النظام أو ضد المعارضة وفق الموقف السياسي لكل فرد، مبتعداً بذلك عن دوره التنويري ومساهماً في تأجيج الفتن أكثر مما هي مشتعلة.

للمثقف مشروعه، وله دوره الأساس في صوغ الوعي الثوري والشخصية الثورية، فهو رافعة الثورات، ولقد أدى الانحراف الذي طرأ على انتفاضة الشعب السوري التي كانت ترنو إلى أن تصنع ثورة، إلى كشف الواقع الذي أسسه الاستبداد على مدى عقود من الزمن، ليس الاستبداد السياسي وحده على رغم دوره الفاعل الكبير، وصناعته أدوات الاستبداد الأخرى، لكن الاستبداد الديني كان حاضراً أيضاً وبقوة، والاجتماعي والاقتصادي، كل هذه الأنظمة المستبدة اجتمعت لتنتج واقعاً أظهر من الهشاشة ما يكفي لإفشال أكبر الانتفاضات وتشويه أكبر الثورات، على رغم الدور الصادق والنزيه الذي لعبه الكثير من المثقفين على مدى تلك العقود أيضاً، كثير منهم دفع ثمناً باهظاً في سبيل كلمة حق في وجه سلطان جائر، لكن الواقع أيضاً يظهر الحاجة الملحة إلى مراجعة التجارب السابقة والنبش عن إجابات للأسئلة التي يطرحها هذا الواقع، البحث عن فجوة ربما بين ما قدموه من منتج ثقافي وبين الأجيال الحالية، أجيال الأبناء، هؤلاء الذين انتفضوا على واقعهم ثم تبددوا أمام آلة القتل في مختلف أشكالها، من قتل مادي إلى قتل روحي ومعنوي. ربما هذا الجيل يحتاج إلى ثقافة بنسغ آخر حتى تنمو أزهاره وتتفتح. أليس حريّاً بالمثقفين احترام مشاريع بعضهم الآخر حتى يحترم الجمهور مشاريعهم، بدلاً من السجالات التي تصل حدّ الاتهامات تحت ضغط الراهن بعصبياته التي انفلتت صاخبة من حبسها؟ ما زال الشعب السوري يبحث عن غطائه الفكري الضائع ليستعيد بوصلته في طريق صنع مستقبله وتحقيق أهدافه التي ثار من أجلها، حلم العدالة والحرية والوطن الحاضن للحياة.

 

 

* كاتبة سورية