كعك العيد ... تاريخ عريق في مصر

سماح عاطف عبدالحليم |

الاحتفال بالكعك في الأعياد عادة فرعونية، حتى إن كلمة كعك العربية يرجع أصلها إلى كلمة كحك المصرية القديمة، ومنها انتقلت إلى الإنكليزية cake. وتعتبر الكحكة المصرية بمثابة حجر عتيق نقشت على جدرانه الكثير من حكايات وأسرار المجتمع المصري الضاربة جذورها في عمق التاريخ.

فقد اعتادت زوجات الملوك في مصر القديمة تقديم الكعك كقربان للكهنة في يوم تعامد الشمس قبل الغروب بلحظات على قمة الهرم يوم الاعتدال الربيعي 21 آذار (مارس) حيث كان المصريون يجتمعون في احتفال رسمي؛ لمشاهدة تلك اللحظة التي عرفت باسم ليلة الرؤية، والتي أطلقوا عليها عيد شمو، وتعني بعث الحياة، ثم حرفت بعد ذلك إلى اسم «شم النسيم». وكان الهدف من تقديم هذا القربان تأكيد الإيمان بقوة وسلطة الإله رع، وجلباً لرضاه وتحاشياً لسخطه. قدم المصريون القدماء الكعك أيضاً ضمن القرابين المخصصة للموتى التي تدفن معهم؛ جلباً لرضا الإلهة، وإمداد الميت بالمؤن بما يضمن له البقاء، ومن الشواهد الأثرية على ذلك، صور الكحك المنقوشة على جدران مقبرة الوزير «رخمي - رع» من الأسرة الثامنة عشرة.

وظلت عادة استخدام الكحك في الأعياد قائمة بمصر بعد الفتح الإسلامي وقد بدأت هذه العادة تأخذ اهتماماً رسمياً من جانب الحكام المسلمين وذلك مع ظهور الدول المستقلة عن الخلافة العباسية بمصر؛ كالدولة الطولونية والدولة الإخشيدية؛ فقد رأى حكام كلتا الدولتين أنهم في حاجة إلى مزيد من دعم وولاء المصريين لإضفاء الشرعية على حكمهم في ظل استقلالهم السياسي عن الخلافة العباسية؛ لذا فقد بدأوا يتقربون من المصريين ويشاركونهم احتفالاتهم وعاداتهم المحببة؛ لاكتساب شعبية جماهيرية، وكان من الطبيعي أن يأتي الكعك على قائمة هذه الاهتمامات، حتى إنهم نجحوا في استثماره كنوع من الدعاية السياسية لحكمهم. فقد أظهر الطولونيون اهتماماً رسمياً بصناعة الكعك، وقاموا بصناعته في مطابخهم الخاصة، ووزعوه على المصريين، وعملوا لذلك قوالب منقوشة بشتى أنواع الزخارف الإسلامية، وما زالت تلك القوالب موجودة حتى الآن في متحف الفن الإسلامي في القاهرة.

ومن النوادر التي شاع ذكرها في هذا الأمر كعك الوزير أبو بكر المادراني الذي تقلَّد عدداً من المناصب المهمة بين الدولتين الطولونية والإخشيدية، ووصفه المقريزي بقوله «تغلب عليه محبة الملك وطلب السيادة»، وقد اشتهر بالثراء العريض والكرم وأعمال البر والإحسان، ونجح في توظيف ذلك في الإعلام عن نفسه وكسب الشهرة والثناء، فيذكر المقريزي أنه كان يصنع نوعاً خاصاً من الكحك المحشو بالسكر ويسميه «أفطن له». وكانت العادة أن يحشوه بالفستق والسكر والمسك، ثم جعل مكان ذلك قطع الذهب في أكثرية الكحك، فإذا جاء حظ بعض الآكلين إنه وقعت في يده كعكة محشوة بالذهب قام أستاذ السماط بالتنبيه عليه قبل أن يأكل قائلاً: «أفطن له». وكان من العادة أن يخرج بعض الآكلين بحصيلة من الذهب تغنيه، وكان المادراني يتعمد أن يجعل الكحك المحشو بالذهب موضوعاً في أطباق معروفة حتى يتناولها الضيوف، فإذا أشار أستاذ السماط إلى كحكة في طبق بأن «أفطن له» عرف الضيوف أن كل الأطباق المماثلة تحتوى «الكحك الذهبي»، فاختطفوه. ويتحول الحفل إلى مرح وهرج ومرج، فالضيوف يخرج كل منهم من فمه الذهب ويأكل الكحك ويضع الذهب في جيبه.

أما الفاطميون، فقد كانت الاحتفالات أبرز وسائل الدعاية والإعلام في عصرهم؛ إذ اتخذوها كدعامة لإمامتهم الدينية وملكهم السياسي، وأنفقوا عليها أموالاً طائلة؛ لكسب ود ومحبة المصريين، لإضفاء الشرعية على حكمهم، فقد نظَّموا حملة إعلامية سنوية لمصلحتهم باستخدام كعك العيد، الذي بلغ اهتمامهم به حداً فائقاً؛ فقد خصصوا لذلك إدارة حكومية عرفت باسم «دار الفطرة»، ورصدوا لها مبلغاً كبيراً من المال، لإعداد كعك وحلوى العيد، وعهدوا بتجهيزه إلى مئة صانع يبدأون عملهم من منتصف شهر رجب حتى نهاية رمضان. وبعد الانتهاء من إعداد الكعك كان الخليفة الفاطمي يحضر لدار الفطرة، ويشرف بنفسه على توزيع الكعك والحلوى على مستحقيها، ويتم ذلك بواسطة مئة فراش يحملون الكعك على رؤوسهم ويطوفون لتوزيعه.

كما حرص الفاطميون على إعداد سماط في ليلة العيد بلغ طوله 1350 متراً ويحمل 60 صنفاً من كعك وحلوى العيد، فإذا صلى الخليفة الفجر وقف في شباك قصره وأمر بدخول عامة الناس، فيأكلون ويحملون إلى دورهم. وهذه الحملة الإعلامية جعلت من الكعك وسيلة دعاية مهمة وفاعلة لمصلحة الدولة الفاطمية، بل وعكست حساً إعلامياً واعياً امتلكه القائمون على تنفيذ ذلك.

حاول حكام المماليك صبغ دولتهم بالصبغة الدينية، لإضفاء الشرعية على حكمهم، لذا حرصوا على توزيع الكعك على الفقراء والدراويش والمتصوفة، فقد كان هؤلاء موضع عطف واهتمام من جانب الدولة التي استخدمتهم في نشر روح السلبية والتواكلية بين العامة، لتغييب وعيهم عن الواقع السياسي السيّء. عبَّرت النقوش التي زيَّن بها قدماء المصريين الكعك عن الازدهار الفني الذي وصلوا إليه، كما عكست جوانب مهمة من معتقداتهم، فقد أبدعوا في تشكيل الكعك ونقشه بمختلف الأشكال الهندسية والزخرفية - سواء الحيوانية أو النباتية - وقد وصلت أشكاله إلى مئة شكل كما ورد على جدران مقبرة الوزير «رخمي - رع «. ولم تكن تلك النقوش بهدف الزينة فقط، بل كان وراءها فكر ومغزى ولها ارتباط بالمعتقدات المصرية القديمة. فكانوا يرسمون على الكعك صورة الشمس - الإله رع - ونجد أن الكعك يأخذ الشكل المستدير الكامل، ويزين بخطوط مستقيمة مثل أشعة الشمس.

كما كانوا يشكلون الكحك المخصص لزيارة المقابر في الأعياد، أو الذي يوضع مع الموتى في مقابرهم، على شكل قرص يحاكي تميمة الإلهة «ست»، أو «عقدة إيزيس» التي عرفت بمفتاح الحياة، وهى من التمائم السحرية التي اعتقدوا بأنها تفتح للميت أبواب الجنة. كما عكست تلك النقوش مدى ازدهار الفنون الإسلامية من خلال الزخارف الحيوانية والنباتية والكتابات بالخطوط العربية التي كانت تنقش بها على الكعك عبارات تمثل فضائل معنوية وثيقة الصلة بحياة عامة المصريين، ولها تأثير في سلوكهم مثل «كُل هنيئاً»، و»بالشكر تدوم النِعم»، و»كُل وأشكر». ومنها ما قُصد به كسب الحمد والثناء مثل «كل وأشكر مولاك»، ومنها ما قصد به الإعلام عن أشخاص مثل «تسلم ايديكي يا حافظة»، نسبة إلى أشهر صانعة كحك في العصر الفاطمي، ونقش هذه العبارة على الكعك كان بمثابة ماركة تجارية فاخرة، بتعبير عصرنا الحالي.

كما عكست عادة الكعك جانباً كبيراً من القيم الحميدة التي تميَّز بها المجتمع المصري كالمنافسة الشريفة والود والكرم والتكافل؛ فقد اعتادت الأسر المصرية أن تجتمع في النصف الثاني من رمضان لعمل كعك العيد، ويشارك في ذلك الكبار والصغار، وهذا الأمر يسوده نوع من المنافسة الظريفة بين النساء المصريات؛ حيث تحرص كل امرأة على إتقان منتجها ليخرج في أبهى صورة، لتتباهى بذلك أمام الأهل والجيران.