خريطة أعمال أبو الحسن العامري

خديجة جعفر |

أبو الحسن العامري (ت 381 هـ/ 992م) من فلاسفة ا?سلام ا?علام الذين لم ينالوا حظاً كبيراً من الشهرة مثلما نال ابن سينا وابن رشد، على سبيل المثل. تجاهلته موسوعة الإسلام الصادرة عن بريل في طبعتها ا?ولى، واستدرك مدخلٌ له في ملحق طبعتها الثانية. بدأت أنظار المختصين والمهتمين بتاريخ الفلسفة ا?سلامية في التوجه إليه أخيراً، باعتباره أهم علم من أعلام ا?فلاطونية المحدثة في ا?سلام.

ولد أبو الحسن محمد بن أبي ذر يوسف النيسابوري العامري في نيسابور عام 300 هـ. وعندما شبّ تتلمذ على أبي زيد البلخي (ت 322 هـ) ثم تتلمذ على أبي بكر القفال الشاشي (ت 365 هـ)، والعامري بدوره هو أستاذ أبو الفرج بن هندو (ت 420 هـ). تفلسف العامري في خراسان، وقصد بغداد وتصدّر بها، وعاد إلى خراسان وهو فيلسوف تام، كما يخبر صاحب صوان الحكمة. «وكان من الجوالين الذي نقبوا في البلاد، واطّلعوا على أسرار الله في العباد»، كما وصفته جماعة من الصوفية في عصره. ألَّف كثيراً من أعماله في بخاري، وقطن في الري خمس سنين ودرّس وأملى وصنَّف وروى. يتكلم عنه أبو حيان التوحيدي في ا?متاع والمؤانسة في معرض حديثه عن فلاسفة عصره، ويخبرنا بأنّ مسكويه (ت 421 هـ) كان يقطن الري كذلك في هذه ا?عوام الخمسة، لكنه أهمل التتلمذ على أبي الحسن العامري، ثم عضّ أصابع الندم على ضياع هذه الفرصة. بدأ أبو الحسن التأليف والتصنيف وهو في عمر الثانية والثلاثين على وجه التقريب. وكان آخر ما صنَّفه كتاب «ا?مد على ا?بد»، كتبه في بخارى عام 375 هـ أي وهو في عمر الخامسة والسبعين. استوعب أبو الحسن العامري ثقافة القرن الرابع الهجري وعلومه على اتساعها. اتصل بالتراثين اليوناني والفارسي، وتراث الديانات الآسيوية، إضافة الى استيعابه العلوم الإسلامية في عصره، وجاءت مؤلفاته شاهدة على هذه المعرفة الواسعة العميقة. صنَّف العامري ما يربو على العشرين عملاً، منها ما وصل إلينا كاملاً، ومنها ما وصلت لنا شذرات منه، ومنها ما فُقد كاملاً. يمكن تصنيف أعماله وفق الفرع المعرفي إلى المجموعات الآتية: المؤلفات الميتافيزيقية، المنطقية، الطبيعية، الأخلاقية والسياسية، والدينية. أمّا المؤلفات الميتافيزقية، فإضافة الى شرحه كتاب النفس لأرسطوطاليس، فقد أجمل مذهب أرسطوطاليس كاملاً في عمله المعنون بـ?«العناية والدراية». كما ألَّف «الفصول البرهانية في المباحث النفسية»، الذي بدا أثر الأفلاطونية المحدثة فيه واضحاً، إذ استخدم فيه «نظرية الفيض». كما ألَّف «الإرشاد لتصحيح الاعتقاد»، الذي عالج فيه مفهوم الذات الإلهية، ومفهوم النبوة، وحلل عدداً من المفاهيم الأساسية في الديانات المسيحية، واليهودية، والفارسية، كما عالج فيه قضايا قرآنية. وهذه الأعمال الأربعة مفقودة. أما أعماله الميتافيزيقية التي وصلت إلينا، فتشمل: «الفصول في المعالم الإلهية»، الذي يشمل نقولات واقتباسات كثيرة من كتاب «الخير المحض» لبرقلس، الفيلسوف اليوناني الذي عاش في القرن الخامس الميلادي، أي قبل العامري بخمسة قرون. كما ألّف العامري «التقرير لأوجه التقدير»، والذي تكلَّم فيه عن التقديرات الإلهية، وكتاب «إنقاذ البشر من الجبر والقدر»، والذي اقترب فيه من مشكلة الحرية الإنسانية، وكتاب «الأمد على الأبد» الذي يبحث أساساً في موضوع النفس، ويعد امتداداً لتقليد الفلسفة ا?فلاطونية المحدثة في ا?سلام. حُقق هذا العمل وتُرجم إلى ا?نكليزية، وشرح با?نكليزية كذلك. وفي مقدمة هذا العمل، أثبت العامري بنفسه قائمة مؤلفاته السابقة، فأسدى خيراً للمحققين، ومنع ا?لتباس والشك وا?دعاء عليه. ويظهر اهتمام العامري بعلم المنطق من خلال شرحه كتابي المقولات والبرهان لأرسطو، ومن خلال تأليفه كتاب «استفتاح النظر»، وهذه الأعمال الثلاثة لم تصل إلينا. أما الطبيعة، فقد ألَّف فيها العامري كتاب «الأبشار والأشجار» والذي يبحث في علم النبات، وكتاب «الأبحاث والأحداث» الذي يتحدث عن غاية القدرة الإلهية من الطبيعة. وكلا العملين في حكم المفقود، أما عمله «القول في الإبصار والمبصر»، فوصل إلينا كاملاً.

أما في الأخلاق والسياسة، فقد ألَّف «الإتمام لفضائل الأنام»، والذي عالج فيه الصلة بين العلم والعمل، ورأى ضرورة العلم لأجل العمل، وهو العمل الذي لا يزال في حكم المفقود. وكذلك، لم يصل لنا كتابه الأخلاقي «فصول التأدب وأصول التحبب»، لكن كتابه «النسك العقلي والتصوف الملّي» والذي عالج فيه موضوعات مثل الوحي والإلهام، وأثر البواعث النفسية في أفعالنا الاختيارية، كان أفضل حظاً من سابقيه، فقد وصلت لنا مادّته من خلال أعمال أخرى تالية نقلت عنه، في حين لم يصل لنا الكتاب كاملاً. أورد التوحيدي الكثير من الاقتباسات عن هذا العمل في «المقابسات»، ومسكويه في «الحكمة الخالدة،» والسجستاني في «منتخب صوان الحكمة،» والشهرزوري في «نزهة الأرواح» وأبو المعالي في «بيان الأديان» والكلاباذي في «التعرف لمذهب التصوف». أما كتابه الأخلاقي والسياسي الرابع، فهو «السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية»، والذي ألّفه لأحد أمراء آل سامان، الذين كانوا يحكمون خراسان في عصره، وكان العامري يطمح أن يكون وزيراً له، وهو ما لم يحدث. وفي هذا العمل، اقتباسات كثيرة من المصادر الفارسية عن السياسة وإدارة شؤون الدولة. ويغلب على الظنّ أنه ألّف هذا العمل في بخارى، وأنّه قد أفاد من مكتبة السامانيّين الكبيرة التي أفاد منها ابن سينا من بعده. وقد أفاد العامري من اطلاعه الواسع على الثقافات الأخرى، في الدفاع عن الإسلام من منطلقات عقلية، فألّف «الإبانة عن علل الديانة» الذي يبحث في الأسس العقلية للدين، والذي قارن فيه بين الإسلام وسائر الأديان في الأركان الاعتقادية، والعبادية، والمعاملية. ومع الأسف، لا يزال هذا العمل في حكم المفقود. أما كتابه الشهير الذي وصل لنا، ولا غنى عنه في كثير من القضايا المشكلة، فهو «الإعلام بمناقب الإسلام»، والذي وضّح فيه فضيلة الإسلام على غيره من الديانات في المعارف والعلوم، وفي الملك والحكم. وإضافة إلى ما سبق، فقد أورد العامري في مقدمة كتابه «الأمد على الأبد»، ثلاثة أعمال لم تصل إلينا، ولا يتضح موضوعها من خلال عناوينها، وهي «الإفصاح والإيضاح»، و?«تحصيل السلامة عن الحُصر والأُسر»، و?«التبصير لأوجه التعبير». وأخيراً، فإنّ العامري علمٌ من أهم أعلام الفلسفة الإسلامية، وعِلم مقارنة الأديان، الذي استطاع في براعة شديدة استيعاب ثقافات عصره المتسعة وصهرها، فجمع بين العلم بالتراث اليوناني، والتراث الفارسي، إضافة الى العلوم الإسلامية، التي كانت قد استوت على سوقها في القرن الرابع الهجري. ولا يزال تراث أبو الحسن العامري ينتظر المزيد من الاهتمام والدراسة المتعمقة.