أفق جديد للكليب العربي في أغنية «أنا ماشي ساهل»

محمد غندور |

يبدو أن النجاح الذي حققه كليب «لمعلم» لسعد لمجرد، لم يكن مصادفة، فالكليب الثاني للفنان المغربي «أنا ماشي ساهل»، «يسير» على المنوال ذاته. الفيديو الأول الذي صُوّر في المدينة الحمراء وشاهده نحو 500 مليون مشاهد عبر «يوتيوب»، قدّم رؤية جديدة للكليب المغاربي، وخرج من البهرجة الإعلامية، نحو أفكار شبابية وأكثر تجدّد.

واستوحي كليب الأغنية من عادات المغاربة وتقاليدهم، وارتدى الراقصون الزي المغربي خلال الرقصات، وكان عبارة عن لوحة فنية تتخللها أجواء احتفالية خلابة بألوان مشرقة إلى جانب لمسة تقليدية من حيث الملابس والديكور، ذلك كله في قالب يتضمن مشاهد فنية مثيرة معتمدة على الإنارة القوية وتقنيات تصوير عالية ومتطورة.

أما كليب «أنا ماشي ساهل»، فيختلف تماماً عن «لمعلم» شكلاً ومضموناً. الأغنية عاطفية حنونة، وباللهجة المغربية أيضاً، وهي إيجابية تُحسب للمجرد لتمسكه بلغته والعمل على انتشارها، عكس فنانين كثر، أهملوا لهجتهم الأصلية، وتوجهوا الى مصر واعتمدوا لهجتها للانتشار العربي، كجنات وسميرة سعيد.

ينطلق الكليب من رؤية شبابية بحتة، ودراية تامة بأهمية مواقع التواصل الاجتماعي وقوة تأثيرها في الأفراد. إذ إن النجم بات اليوم في تواصل دائم مع معجبيه عبر «إنستغرام» و»فايسبوك» و»تويتر» و»سناب شات» و»يوتيوب». لم يعد الإعلام التقليدي كالصحف والتلفزيونات، قادراً على صنع الخبر، بل النجم هو صانع الخبر وناشره. فمن يريد أن يعرف ما جديد أي فنان، عليه تصفّح صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها سيعرف موعد الأغنية الجديدة أو الفيلم الجديد.

وانطلاقاً من هنا، قرّر سعد لمجرد أن يصوّر الكليب مع جمهوره، وفتح المجال أمام الملايين ليغدوا نجوماً أيضاً. خطوة جريئة وخطرة، خصوصاً أن ملايين المشاركات وصلت للفنان وكان عليه اختيار الأفضل والأكثر حيوية. طلب الفنان المغربي من معجبيه تصوير مقاطع فيديو لهم وهم يُرددون كلمات الأغنية، لكن وفق شروط معينة منها، نوعية الصورة وحسن التمثيل. ومن خلال ملايين المشاركات من حول العالم، انتقى لمجرد مع فريق عمله أفضل المقاطع، إضافة الى تصويره بعض المشاهد الخاصة به ومشاركة كل من المطرب البشير عبدو والممثلة نزهة الركراكي، ووالدي لمجرد. ومن خلال عملية مونتاج صعبة، أبصر الكليب النور بمشاركة جمهور لمجرد ومعجبيه، وحقق حتى الآن نحو 50 مليون مشاهدة عبر «يوتيوب» في فترة قصيرة.

الكليب بالأبيض والأسود، يظهر أشخاصاً عاديين باتوا نجوماً في محيطهم، عاشوا الشهرة ولمسوها من خلال نجمهم المفضل الذي سمح لهم مشاركته في عمل بارز وأشعرهم بحب متبادل. هذه العلاقة التفاعلية ما بين النجم ومعحبيه باتت أقوى وأسهل، ففورة مواقع التواصل الاجتماعي أنزلت النجم من عليائه وجعلته شخصاً عادياً، والسبب بسيط جداً، أن أي فتاة جميلة أو شاب جذاب بات في إمكانهما مشاركة أي صور أو فيديوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتحصد آلاف اللايكات أو المشاركات. بات التواصل صوتاً وصورة مع النجم، وبات بعض النجوم النشيطين على مواقع التواصل الاجتماعي يتعرفون شخصياً إلى معجبيهم، فاللقاء لم يعد حكراً على الحفلات كما كان يحدث في تسعينات القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة.

حصد لمجرد ثمرة نجاحه وانتشاره ونشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل أزمة تعانيها شركات الإنتاج، التي باتت تبحث عن سُبل لمجاراة الثورة الرقمية.

وكان الفنان المغربي الشاب قد وجه كلمة لمحبيه في بداية الكليب قال فيها: «أشكركم على تفاعلكم… توصلنا بكم هائل من الفيديوات مقدرناش ندمجو الكل، لهذا تحية حب واحترام مني لكم جميعاً كل واحد باسمه». ولم تمر هذه التجربة مرور الكرام، إذ سيعتمدها قريباً كثر من الفنانين، في ظل النجاح والانتشار اللذين لمسوهما.

لكن، لماذا تأخر سعد لمجرد في تحقيق الانتشار العربي؟ تعرف الجمهور إلى الشاب المغربي حين شارك في برنامج الهواة «سوبر ستار» عام 2003، وتميز بحضور محبب وصوت قوي لكن حنون في الوقت ذاته. ولفتت طبقة صوته لجنة الحكم، ولقّبه الياس الرحباني آنذاك بـ «خوليو العرب».

لكن رحلة لمجرد لم تبدأ من البرنامج، إذ منذ نعومة أظافره وهو يتعلم الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى بالمغرب، وهو ابن الفنان البشير عبدو والممثلة نزهة الركراكي. هذه العوامل كلها، ساعدت في تكوين وعي لمجرد الفني. لكن هذه الموهبة لم تلق من يدعمها، خصوصاً أن شركات الإنتاج في العالم العربي، باتت تعتمد قواعد معينة في دعم الفنانين، ومنها الاحتكار أو التحكم والتدخل في القرارات الفنية، أو حتى التعتيم لمصلحة نجوم الصف الأول.

احتل لمجرد المرتبة الثانية في «سوبر ستار»، ولاقى نجاحه صدى طيباً في بلاده، وشكل حالة شبابية متميزة، لكنها لم تستمر طويلاً بسبب غياب الإنتاج، وقلة الحيلة.

قدّم بعض الأعمال التي نالت شهرة محلية، لكنها لم تلقَ انتشاراً واسعاً، إلى أن قدّم أغنية «إنت باغية واحد» التي انتشرت انتشاراً واسعاً في الخليج العربي، فتغيرت الأمور وازداد الطلب على الفنان الشاب الذي تابع دراسته في الولايات المتحدة، وعاش نحو 10 سنوات في نيويورك.