ياسين رفاعية غادر الحياة مبشراً بالحب

ياسين رفاعية غادر الحياة مبشراً بالحب
علي نسر |

«كتاب الحب - أصل الغرام نظرة» (الدار العربية للعلوم ناشرون) هو آخر ما أنجز ياسين رفاعية ادبياً. وشاء القدر أن يصدر الكتاب بعد أيام من غياب صاحبه، فكأنّما الكاتب يتلو وصيته الأخيرة، معلناً دستوراً جديداً للحياة، وبين دفتيه مواد تستقي قوانينها وأعرافها من منهل الحبّ. يرمي الكاتب ما يمتلكه من شعارات الحب في زمن تقلّصت فيه هذه الشعارات، وانسحبت أمام جحافل الموت والضغائن والدخان الآتي من كل حدب وصوب.

يُشيّد رفاعية، عبر مزيجٍ من الفنون الأدبية (المقالة والقصة والسيرة والخواطر) والأنماط النصية (الوصفي والبرهاني والايعازي...) عالماً فنيّاً خاصاً يبتعد عن المألوف. عالم يشبه خيمة متنقّلة في رحاب هذا الكون، بحراً وبرّاً، بينما يشكّل الحب وتد الخيمة الرئيس، والألم يستحيل متعةً في صورة سيزيف المتلذّذ بصخرته التي كلما تدحرجت إلى الأسفل عاد ورفعها إلى أعلى. وقد بنت الأسطورة السيزيفية حقلاً مفهوميّاً شدّ أوصال النص، وجــعلها تتماسك وتلتفّ حول القضية الأساسية، وهي ضرورة أن نحبّ، مهما بدا الأمر شاقاً، في أيّ زمان أو مكان.

ومن موضوعة الحبّ تتدفق المواضيع الحياتية الأخرى، بحيث يطلّ الكاتب على الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري، فيغدو الحبّ مشكاة تدفع حاملها إلى النور وتبديد الظلمات: «كنت دائماً عاشقاً لأنني أحبّ أن أعيش في النور، ومن دون هذا الحبّ يعتم قلبي ويظلم، لا الشمس ولا القمر يستطيعان أن يزيلا هذه الظلمة من الروح والقلب إلا الحبّ» (ص 90). وفي ظلّ الجوّ المطبقة غيومه، لا يمكن أن ينقشع السواد إلا بالحبّ، فهو يزيل الأمراض والهموم ويكسر رتابة الحياة: (بالحب تقهر الضجر. ص157). ولكيّ يؤكّد الكاتب رؤيته، يحشد ما تيسّر من كمّ شعريّ وأدبيّ عربيّ هائل، ليكرّس فكرة أنّ الحبّ يفجّر ينابيع الابداع، خصوصاً الحبّ الذي لم ينتهِ بالزواج أو العلاقة الجسدية.

عبر هذا النوع من الهيام، يتمزّق الشاعر ألماً لتولد من رحم الوجع قصيدته، وقد أوحى إلى هذا ايحاء، تاركاً للمتلقين حرية التأويل. فربط الراحل بين الشاعر والمحارة، وهذا يؤكّد أنّ الشاعر المتألم يخلق من مأساته شعراً، وكذلك المحارة فإن ظلت سالمة من دون تمزّق فستُبقي لؤلؤها محجوباً عن الأنظار على رغم جماله: «ليس هناك أي فارق كبير بين شاعر موهوب قادر على إفراز الشعر وقدرة المحار على إفراز اللآلئ» (ص 15).

يعلن الكاتب إذاً عن هوية الحبّ الذي يدعو إليه. هو الحبّ المترفّع عن كل ما هو حسيّ/ مادّي، ما يجعله أقرب إلى الحبّ المثالي الأفلاطوني الذي يحافظ على قدسيته كلما تخلّص من سجن الأرض وترفّع نحو السماء: «الحبّ الأرضيّ هو الدرجة الأولى في سلّم الحبّ، بينما الحبّ السماوي هو غاية الحبّ» (ص 238). وبهذا النوع من العاطفة، يسمو الإنسان ويترفّع عن الخصال الحيوانية الكامنة فيه، والتي لا يمكن ترويضها إلا عبر الحبّ المفجّر الأساس للطاقة الابداعية لدى البشر. وعبر هذه السمة، يتخلّص الآدمي من الحقد، لأنّ الحقد يجعل الانسان أكثر شراسة من الحيوان الذي يفتقد عنصر الحقد الذي يلتصق بالإنسان «الحب عطاء، إنّه كريم من دون منّة ويعطي ولا يتوقف إلا عندما تكون نفسك مملوءة بالحقد... أبداً لن يتناغم الحب مع الحقد ولا يتجانس معه» (ص 94).

يقيم رفاعية مقارنة بين شعراء الغزل المعاصرين وشعراء العصور الغابرة، فيرى أنّ القدماء من شعراء وحبيبات كانوا أكثر جرأة وتعظيماً للحب المقدّس، إذ لم يتوان معظم الشعراء عن الكشف عن اسم الحبيبة والكلام على اللقاءات، على عكس شعراء اليوم ومعشوقاتهم. فيعمل على تفنيد تاريخ الحبّ، لتتقاطع رؤيته مع الأسطورة اليونانية (الأندروجين) والطرح القرآني حيث الولادة من نفس واحدة وقد كتب على الشقين المفترقين ان يتكاملا بعد بحث طويل. فيتحول العشق إلى امتزاج الروح بالروح كامتزاج الماء بالماء حيث يصعب التخلص والافتراق.

كلّ هذا يتوقّف على التفريق بين الحب والعلاقة الجسدية، إذ يرى الكاتب أنّ الجنس ليس من ضروب الحبّ، بل هو مقبرة له. وهذا يذكّرنا بقول جبران: «والحبّ إن قادت الأجساد موكبه/ إلى فراش من الأغراض ينتحرُ». فيرى الكاتب أن الحبّ الذي يدعو إليه هو «الذي يشقّ طريقه في نهر من الماء العذب الذي يبلّ القلب قبل أن يبلّ اللسان» (ص191). وعلى رغم مثالية هذا الحبّ، نسي رفاعية أنّ امتحان المرء يكمن في ما تقدّمه الحياة له من اغراءات. فليست المثالية في ألا نعير الجسد أهمية وقيمة، بل في جعله وسيلة لتقريب العشيقين وامتزاجهما روحيّاً. فالنفس أوّل ما ألهمها القدر الفجور، وبعدها التقوى، والمثالي هو الذي يستطيع ان يغلّب تقواه ليكون رفيعاً نقياً. فليست العلاقة الجسدية هي الخطر بذاتها، بل طبيعة الانسان نفسه. وكما يقول الكاتب السوري حيدر حيدر في روايته الشهيرة «وليمة لأعشاب البحر»: «إذا استطاع رجل وامرأة أن يتعانقا بعد انقضاء رعشة الجنس فالمتعانقان لن ينفصلا أبداً...».