هل كان طه حسين داعية «التغريب» في مصر؟

السيد أمين شلبي |

في 28 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري تحل الذكرى الـ 43 لرحيل طه حسين (1889 - 1973) وهي المناسبة التي تجعلنا نستدعي تراثه الفكري والثقافي، وبخاصة موقفه من الحضارة الغربية، وتأثره بها، وهو التأثر الذي جعله يدعو مصر «إلى الاتصال بأوروبا فتزداد قوة من يوم إلى آخر حتى تصبح جزءاً منها لفظاً ومعنى وحقيقةً وشكلاً». ففي كتابه الشهير «مستقبل الثقافة في مصر»، يوجه طه حسين إلى نفسه وإلى أمته وإلى المثقفين المصريين سؤاله المحوري والذي سيلخص فيه الصراع حول مصر وعقلها وهل ينتمي إلى الشرق أم الغرب: «مصر من الشرق أم من الغرب؟».

ويطور طه حسين سؤاله ويوسعه فيتساءل: «هل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربي التصور والإدراك والحكم على الأشياء؟». وبداية؛ يحدد طه حسين فهمه للشرق والغرب على الأساس الثقافي لا الجغرافي، ويحدد مفهومه للشرق بأنه الشرق البعيد الذي يضم الصين واليابان والهند ويميزه عن الشرق القريب: فلسطين، والشام والعراق، أي هذا الشرق الذي يقع في حوض البحر المتوسط، وكانت الصلة بين المصريين القدماء وهذا الشرق القريب مستمرة ومنتظمة إلى حد بعيد. كما يقرر أن تاريخ الحياة العقلية المصرية لا يوحي بأنه كان بينها وبين هذا الشرق البعيد مصالح مستمرة منتظمة من شأنها أن تؤثر في تفكيرها أو في سياستها أو في نظمها الاقتصادية. أما العقل المصري فإنه اذا كان تأثر بشيء منذ عصوره الأولى، فإنما تأثر بالبحر الأبيض المتوسط وتبادل المنافع على اختلافها مع شعوبه. ويفصل حسين ويؤصل لهذه العلاقة منذ عصور اليونان الراقية والتي رأى أهلها أنهم «تلاميذ المصريين في الحضارة وفنونها». وظل العقل المصري الى أيام الإسكندر مؤثراً في العقل اليوناني متأثراً به؛ مشاركاً له في كثير من خصاله، إن لم يشارك خصاله كلها. وبعد فتح الإسكندر البلاد الشرقية أصبحت مصر دولة يوناينة أو كاليونانية. وأصبحت الإسكندرية واحدة من عواصم اليونان الكبرى وأحد مصادر الثقافة في ذلك الوقت. وينكر طه حسين أن يكون مجيء الإسلام إلى مصر أخرجها عن عقليتها الأولى أو أنه جعلها أمة شرقية بالمعنى الذي يفهم من هذه الكلمة.

ويستدل على هذا بأن ظهور المسيحية التي غمرت أوروبا وأصبحت أحد عناصر العقل الأوروبي، قد ظهرت في الشرق ومع هذا لم تصبح أوروبا شرقية، ولم تتغير طبيعة العقل الأوروبي. فإذا صحَّ أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوروبي، ولم تخرجه عن يونانيته الموروثة ولم تجرده عن خصائصه التي جاءته من هذا الإقليم: البحر المتوسط، فيجب أن يصح أن الإسلام لم يغير العقل المصري. ويذهب طه حسين، مع بعض المؤرخين الغربيين، إلى أن انفصال أوروبا عن الشرق نتيجة لغزو البرابرة، هو الذي انتهى بها إلى الفقر والضعف الاقتصادي والجهل العميق، أما بعد أن استؤنفت الصلات بين الشرق والغرب فقد نشطت أوروبا من غفوتها وخرجت من الفقر إلى الغنى ومن الجهل إلى المعرفة ومن الظلمة إلى النور.

ويستخلص طه حسين من هذا أن قوام الحياة العقلية في أوروبا إنما هو اتصالها بالشرق من طريق البحر المتوسط، فإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان البحر المتوسط قد أنشأ عقلاً ممتازاً متفوقاً في الغرب، فلماذا لا ينشئ كذلك مثل هذا العقل في الشرق؟ ويستخلص طه حسين أبعد من هذا، وهو أن ليس ثمة فارق عقلي بين الشرق والغرب، وإنما هي ظروف وتقلبات السياسة والاقتصاد، وهو يريد بهذا أن يجيب عن التساؤل: إذا كانت مصر تنتمي إلى الجزء الغربي من العالم، وإذا كان ليس ثمة فارق عقلي يفصلها عن الغرب، فلماذا تخلفت هي وبلدان شرق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا في المدنية؟ ويفسر طه حسين هذا بالسيطرة التركية التي دمرت المدنية، ولكنه يشير إلى أنها كانت مرحلة عابرة، فأوروبا أيضاً كان لها عصورها المظلمة، وكان العصر العثماني المظلم أقل إظلاماً في مصر عنه في أماكن أخرى.

في ضوء هذه الصلات التاريخية التي تربط العقل المصري بالعقل الأوروبي وتربط مصر بأوروبا، وفي ضوء ما أنشأه العصر الحديث من اتصال بين أجزاء العالم، والأخذ بأسباب الحياة الحديثة على نحو ما يأخذ به الأوروبيون على المستوى المادي من مرافق وأدوات وأساليب معيشية وملبس، أصبح «معيار رقي الأفراد والجماعات في الحياة المادية إنما هو حظنا من الأخذ بأسباب الحياة المادية الأوروبية»، كذلك الحال على مستوى الحياة المعنوية، في ما يتعلق بنظام الحكم الذي نقلناه عن الأوروبيين نقلاً في غير تحرج ولا تردد، بل إنه أصبح يعاب علينا الإبطاء في نقل ما عند الأوروبيين من نظم الحكم وأشكال الحياة السياسية. ويستخلص طه حسين أن كل هذا يدل على أننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتصل بأوروبا اتصالاً فنزداد قوة من يوم إلى آخر حتى نصبح جزءاً منها لفظاً ومعنى وحقيقةً وشكلاً.

والواقع أن طه حسين في بحثه في علاقة المشاركة التاريخية والحضارية التي تربط بين أوروبا ومصر كان يريد أن يدلل بها مستخدماً كذلك نموذج اليابان، والتي يختلف شعبها في حياته المادية والعقلية أشد المخالفة وأقواها مع شعوب أوروبا. كان يريد أن يدعو بني وطنه المصريين وأن يمحو من قلوبهم «الوهم الآثم الشنيع الذي يصور لهم أنهم خلقوا من طينة غير طينة الأوروبي، وفطروا على أمزجة غير الأمزجة الأوروبية، ومنحوا عقولاً غير العقول الأوروبية». غير أن هذه المساواة في الحقوق والواجبات في حياتنا الخارجية وفي ما بيننا وبين أوروبا لن تتحق من ذاتها ولا من المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما سوف تتحقق فقط؛ «حين نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقتهم لنكون لهم أنداداً ونكون لهم شركاء في الحضارة؛ خيرها وشرها، حلوها ومرها؛ وما نحب فيها وما نكره». وإذا كانت مصر تريد الاستقلال الفعلي والنفسي الذي لا يكون إلا بالاستقلال العلمي والأدبي والفني، فإن هذا لا يتحقق إلا حين تملك مصر وسائله. ووسائله عند طه حسين؛ «أن نتعلم كما يتعلم الأوروبيون ونشعر كما يشعر الأوروبي ونُصرف حياتنا كما يصرفها».

وهكذا كانت أوروبا بالنسبة إلى طه حسين تمثل نموذجاً له عناصر ثلاثة: الثقافة الإنسانية، الفضائل المدنية والديموقراطية، وبهذه المعاني كانت أوروبا عنده هي العالم الحديث، وأن مصر المستقلة يجب أن تصبح جزءاً من أوروبا، وذلك هو الطريق الوحيد لأن تصبح جزءاً من العالم الحديث. كان هذا هو المعنى الذي فهمه طه حسين من المعاهدة المصرية - البريطانية عام 1936، واتفاقية مونتريه التي ألغت الامتيازات الأجنبية. فهم طه حسين أن أوروبا أكدت ثقتها بمدنية مصر وتعهدت مصر من جانبها السير في طريق الأوروبيين في الحكم والتشريع والإدارة.

كان واضحاً أن طه حسين في تصوره علاقة مصر بأوروبا سوف يواجه نقداً شديداً. وفي رده على ذلك النقد حرص على أن يوضح عدداً من الحقائق المتصلة بالحياة المادية والروحية للغرب ومصر. أول هذه الحقائق أن الحياة الأوروبية ليست كلها إثماً، وإلا لما تحقق لها ما تحقق من تقدم ورقي، فالإثم الخاص لا يمكّن من الرقي، وفي المقابل فإن حياتنا ليست خيراً كلها وإنما فيها شر كثير؛ وإلا ما شهدنا هذا القدر من الانحطاط. ويتوجه طه حسين إلى توضيح جوهر دعوته إلى الاتصال بالحياة الأوروبية ومجاراة الأوروبيين في أساليبهم ونظمهم التي أدت الى التفوق، وهو لا يدعو في ذلك إلى آثامهم وسيئاتهم، إنما إلى خير ما عندهم وأنفع ما في سيرتهم. هو لا يتصور الدعوة إلى التمسك بموروثاتنا وتقاليدنا المستقرة إنها تدعو إلى التمسك بما في هذه التقاليد من شر، وإنما الدعوة هي إلى التمسك بما في خير هذه التقاليد. كذلك يوضح طه حسين أنه «حين ندعو إلى الاتصال بأوروبا والأخذ بأساليب الرقي التي أخذوا بها، لا ندعو إلى أن نكون صورة طبق الأصل من الأوروبيين، وإنما ندعو إلى أن تكون أسباب الحضارة الأوروبية هي أسباب الحضارة المصرية؛ لأننا لا نستطيع أن نعيش بغير ذلك؛ فضلاً عن أن نرقى ونسود». ويناقش طه حسين قضية توقع أن تثيرها دعوته إلى الاتصال بأوروبا، وهي أثر ذلك في شخصية مصر القومية وفي ما ورثته من ماضيها، فيؤكد أنه حين دعا إلى الاتصال بأوروبا، فإنه لم يدع إلى «أن ننكر أنفسنا ولا أن نجحد ماضينا ولا أن نفنى في الأوروبيين؛ إذ كيف يستقيم هذا وأنا أدعو أن نحفظ أنفسنا من عدوان أوروبا وطغيانها ونمنعها من أن تأكلنا». ويتصور طه حسين أن خطر الفناء في أوروبا، كان قائماً حين كانت مصر ضعيفة؛ مسرفة في الضعف، أما وقد عرفت تاريخها وأحست نفسها واستشعرت العزة والكرامة واستيقنت أن ليس بينها وبين أوروبا فرق في الجوهر ولا في الطبع ولا في المزاج، فإنه ليس ثمة خوف على المصريين أن يفنوا في الأوروبيين، فمثلما لم تضع شخصية اليابانيين حين اتصلوا بالغرب وأخذوا بأساليبه، فكيف تضيع شخصية المصريين وهم أرسخ جذوراً وأصولاً من اليابانيين؟

وفي رده على منتقديه؛ يحاول طه حسين أن يبدد وجهاً من التفكير السائد حول أوروبا وحضارتها وهو إسرافها في ماديتها وابتعادها عن الروح. ويقر طه حسين بأن الحضارة الأوروبية عظيمة الحظ من المادية، ولكن من الكلام الفارغ والسخف الذي لا يقف عنده عاقل أن يقال إنها قليلة الحظ من هذه المعاني السامية التي تغذي الأرواح والقلوب، ومن الحق أن الحضارة الأوروبية مادية المظهر، ولكنها وفقت إلى العلم الحديث وتطبيقاته ثم المخترعات التي غيّرت وجه الأرض وحياة الإنسان، ولكن من الجهل أيضاً والخطأ أن يقال إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة، إنها نتيجة الروح الخصب المنتج؛ نتيجة الروح الحي الذي يتصل بالعقل فيغزوه وينميه ويدفعه إلى التفكير ثم إلى الإنتاج.