«محتويات كيس بقالة» معرض يجمع المتناقضات

القاهرة - ياسر سلطان |

يستضيف «مركز الصورة المعاصـــرة» في القاهرة، معرضاً للفنان محمد علام عنوانه «محتويات كيس بقالة»، يضم أعمال فيديو ووســـائط سمـعية وبصرية ونصوصاً. أعمال الفيديو قصيرة تجمع بين الحركة الرتيبة والمنظمة والأداء الحر والارتجالي في المكان. وتنوّعت أماكن التصوير التي اختارها علام بين مدينتين بين المغلق والمفتوح: ورشة حدادة ومطبعة ومكتب ونقطة عبور للمشاة وممر جانبي يبدو كمعبر بين شارعين.

الحركة هنا منظمة ورتيبة، سواء بالنسبة إلى الأشخاص أو الآلات. في أماكن العمل المغلقة، يتحرك الأشخاص ضمن روتين يومي متكرر، وفي الشارع يعبرون على خطوط التقاطع في آلية واضحة. هذا الشكل الرتيب لحركة الآلات والأشخاص داخل حيز التصوير يُخترَق عبر ممارسات أشخاص آخرين، غير خاضعة لقوانين المكان وطبيعته الرتيبة.

امرأة تتنقل بين الآلات والمعدات في أداء يبدو مرتجلاً. صوت الآلات يظهر كخلفية لهذه الحركة المرتجلة. في أحد الفيديوات، تجلس المرأة منهمكة في حشو مجموعة من العملات داخل شرائح الخبز التي ترصها المرأة على الأرض في فيديو آخر كمسار لحركتها المرتجلة. تتعدد المشاهد ويتكرر المزج نفسه بين الممارسات المتناقضة.

بين عبثية الفعل وتناقضه، نستمع إلى نصين أدبيين للكاتب حسن الحلوَجي، يحملان دعوة إلى تأمل حالات من الخروج عن الفعل الرتيب أو المنظم في سياق يبدو هو الآخر عبثياً. النص الأول يدور حول رجل قرَّر فجأة أن يختصر تفاصيل يومياته التي يكتبها بانتظام شديد، ماحياً منها تلك السلوكيات والأفعال المكررة، ليجد نفسه في النهاية أمام مساحة فارغة، والنص الآخر يحمل وجهتي نظر متناقضتين لحدث مشحون بالفانتازيا.

في كل الحالات التي تضمنتها أعمال الفيديو، تبدو أفعال الأشخاص المتعارضة بعضها مع بعض أشبه بحياة منفصلة عن الأخرى على رغم تجاورهما في المكان، وقد تبدو فكرة الانفصال بين الجانبين للوهلة الأولى غير منطقية، أو أنها تمَّت بناء على اتفاق مسبق بين الطرفين.

فالعمال في الورشة والمطبعة يؤدون عملهم من دون أدنى التفات إلى الطرف الآخر المقحم على المكان، والذي يبدو غير عابئ بتلك الحركة من حوله وهو يمارس أداءه الحركي المتواصل. قد تبدو هذه الفكرة مستساغة في تلك الأماكن المغلقة، غير أنها يصعب أن تكون كذلك حين يخرج التصوير إلى الأماكن المفتوحة.

يصعب إبرام اتفاق كهذا بين الجانبين، فما يحدث في الشارع لا يختلف في أي حال عما حدث داخل الأماكن المغلفة، فمساحة الانتباه من جانب المارة للفعل المقحم تكاد لا تذكر، إن لم تكن منعدمة. فالمرأة تستمر في تأدية الحركات الإيقاعية نفسها بين جمهور لا يعبأ بها، وهي تبادله الشعور نفسه.

قد تختلف ردود الفعل من مكان إلى آخر بدافع التكوين الثقافي والمناخ الحضري، بين مدينة صغيرة أو قرية ما ومدينة كبيرة ومتسارعة النمو والحركة مثل طوكيو. ولا بد أن يطرح علينا هذا التجاور الحركي المتناقض بما يتضمنه من تفاعل سلبي كما نراه في الفيديو، بعض الأسئلة عن طبيعة العلاقات الاجتماعية والثقافية والتفاعل بين الأفراد داخل المدن الكبرى.

ومن جهة أخرى، يظل ذلك المزج بين الحضور الطاغي للآلة والجسد الإنساني- على رغم كلاسيكيته - أمراً مثيراً للاهتمام والبحث، حتى لو لم يكن هو محور النقاش داخل العمل الذي يقدمه محمد علام، والذي يبدو مهتماً بالجمع بين وسائط مختلفة، مستكشفاً حالات التنافر والتلاقي بينها بما تحمله من طرح بصري ومفاهيمي.

والفنان محمد علام من مواليد مدينة أسيوط في جنوب مصر، يقيم ويعمل في القاهرة. تتناول أعماله مفاهيم اجتماعية وسياسية في إطار تجريبي ساخر. شارك منذ عام 2003 في معارض في ألمانيا وإيطاليا وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة الأميركية واليابان والمغرب وتونس. وهو إلى جانب أعماله الفنية يهتم بالإدارة الثقافية، إذ شارك في عام 2005 في تأسيس «مساحة مدرار للفن المعاصر»، كما شارك في تنظيم نشاطات فنية عدة في القاهرة.