علاج شامل لانتزاع مدمنين من أنفاقهم المعتمة

مركز إقامة المدمنين الشباب
?شيانغ ماي (تايلاند) - إليان حداد |

أصبح مصطلح الإدمان يتردد كثيراً في المجتمعات عربية كانت أو أجنبية، وهو مشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم. وهذا المصطلح ليس محصوراً بمادة معينة، فهناك أشكال كثيرة للإدمان، منها المنتشرة في شكل واسع مثل المخدرات والكحول والمسكنات، ومنها غير المألوفة مثل العمل والرياضة والأفلام الإباحية والأكل... وعلى رغم اختلاف أنواعه، يبقى الإدمان مشكلة تهدد أجيالاً تحتاج إلى توعية مستمرة في ظل التكنولوجيا التي تسهّل الطريق نحو «الانحراف». فرفقاء السوء وضعف القيم والخلافات الأسرية والفراغ من أبرز الأسباب التي تجرّ الأشخاص إلى الإدمان.

مقدّمة تقليدية تقع عيون القراء على «شبيهات» لها في أماكن كثيرة، من صحف يومية ومجلات متخصصة ومواقع إلكترونية. معلومات تلك المقدّمات صحيحة، لكن غالبيتها توجّه أصابع الاتهام نحو شخص واحد هو المُدمن، واسمةً إياه بأوصاف قاسية وطالبة له علاجات متنوّعة من دون إدراك مشكلته الحقيقية المتمثّلة بأن المُدمن يعاني مرضاً عصبياً مُزمناً يتطلّب علاجاً مهنياً على الأصعدة كلها ورعاية مستمرة للسيطرة عليه. فإن إدمان المخدرات أو تعاطي المواد، هو الاعتماد على المخدرات أو العقاقير. وهناك اعتقاد خاطئ سائد في المجتمعات مفاده أن الإدمان هو دليل على ضعف الإرادة أو نقص التحكّم في الذات، ويجب على الشخص المُدمن أن يقرر التوقّف، إلا أن الإدمان مرض مزمن يصيب الدماغ ويدفع المريض إلى البحث عن المخدرات واستخدامها قسراً، على رغم العواقب التي يتعرّض لها المُستخدم ومَن حوله. وقد أظهرت دراسة أجراها «المعهد الوطني لتعاطي المخدرات» في الولايات المتحدة عام 2010، أن 60 في المئة من المُدمنين، يعانون خللاً وراثياً في دوائر مكافأة الدماغ (التي تفرز الدوبامين). لذا يلجأ معظم هؤلاء إلى تعاطي المخدرات للتعويض عن نقص الدوبامين، ما يسبب تلف «نظام المكافأة» لديهم لأن أدمغتهم تصبح كسولة ومعتادة على مواد كيماوية لتقوم بمهمتها. لذلك، يحتاج المرضى إلى علاج على المستويين الجسدي والنفسي.

 

تنتشر مراكز معالجة الإدمان في العالم منها مرخّصة وأخرى غير مرخّصة، وكل واحد منها يعمل وفق آلية معينة وطريقة مختلفة للمعالجة. لكنّ مرضى كثراً يلجأون إليها يعودون إلى الإدمان بعد أن تنتهي مدة العلاج، وذلك دليل على أن تلك العلاجات ليست فعالة تماماً.

في مدينة شيانغ ماي الواقعة في شمال تايلاند مركز «ذا كابين» لمعالجة الإدمان على أنواعه. هو أول مركز عالمي لمعالجة الإدمان يقدّم برنامجاً شاملاً للمرضى الناطقين باللغة العربية (إضافة إلى مرضى من جنسيات عدة) في بيئة تلائم الثقافة العربية، بدءاً من أعضاء الفريق السريري الذين يتكلّمون العربية وصولاً إلى الطعام الحلال.

يوفّر هذا المركز كل ما يحتاج إليه المريض: راحة واسترخاء نظراً إلى موقع المركز ضمن بيئة هادئة وخضراء وبعيداً من الضوضاء ومحاطاً بأشجار كثيفة، وخصوصية يعتبرها القائمون على المركز من أولوياتهم إذ يدركون أن كثراً ما زالوا لا يعتبرون الإدمان مرضاً مزمناً بل انحرافاً سلوكياً، ومكان فخم كونه أقرب إلى المنتجعات السياحية من كونه مركزاً للمعالجة. فهو يضم غرفة خاصة لكل مريض مع مكملات منها حمام الجاكوزي وتلفزيون وخدمة إنترنت وشرفة خاصة، إضافة إلى حوض سباحة ومركز للياقة البدنية واستديوات لليوغا والتأمل والتدليك، فضلاً عن خدمات أبرزها التسّوق الشخصي والحلاق والنظافة الشخصية.

 

العلاج

الإدمان مرض مزمن يصيب الدماغ، ويتطلّب علاجاً نفسياً مكثّفاً للتغلّب عليه وتدخّلاً طبياً لإزالة السموم في حال إدمان مواد تسبب اعتماداً فيزيولوجياً عليها.

وثمة طرق عدة للعلاج في المركز التايلاندي، منها العلاجات اليومية التي يخضع لها المريض خلال جلسات فردية مع المستشار الذي يتعامل مع حالته والذي يرافقه منذ بداية العلاج حتى نهايته. وهناك العلاج الجماعي وهو أساس إعادة التأهيل الناجح لأن تَشاطُر المرضى تجاربهم مع آخرين يؤثّر إيجاباً في الفرد. أما علاج اليقظة (اليوغا والتأمّل) فقد أثبتت دراسات أنه يملك فاعلية كبيرة في التعامل مع إدارة الرغبات الشديدة وكبحها. وللرياضة أيضاً حصة في العلاجات، فهناك جلسات تمرينات جماعية وشخصية يقودها مدربون متمرسون يدركون المشكلات البدنية التي يعانيها المدمنون. وبما أن المركز موجود في تايلاند الشهيرة بالتدليك، أدخل القائمون عليه العلاج بالتدليك كونه من طرق علاج الإدمان الذي ثبت طبياً أنه يساعد في تعافي أجهزة الجسم أثناء عملية تخليصه من السموم. وهناك أيضاً العلاج بالفن وهو أسلوب مُبتكر لأنه يساعد المريض على التعبير عن مشاعره المتضاربة التي يصعب تحديدها.

ويتكوّن البرنامج العلاجي من خطوتين رئيستين هما إزالة المخدرات والكحول من الجسم عبر طريقة الديتوكس، وبرنامج العلاج النفسي. وفي التفاصيل، يوضع «المريض» أثناء عملية إزالة السموم تحت متابعة مكثّفة من جانب فريق طبي يكون موجوداً في الموقع في شكل دائم، ليتدخّل عند حصول أي طارئ.

وبعد انتهاء عملية إخراج المخدرات والكحول والمواد الأخرى السامة من الجسم، يصبح في إمكان المريض الخضوع للعلاج النفسي باستخدام الأسلوب العلاجي الخاص الذي يتلاءم مع الثقافات المختلفة. هو أسلوب علاج «مركّب» يجمع بين أكثر طرق علاج الإدمان فاعلية، ويتضمّن العلاج السلوكي المعرفي (سي بي تي) ومبادئ الخطوات الـ12 واليقظة، وهو يقدم نتائج أسرع من الطرق التقليدية، إضافة إلى أنه يعلّم المرضى مهارات التعامل الغريزية الضرورية للوقاية من الانتكاسة (العودة إلى الإدمان).

أما العلاج السلوكي المعرفي فهو إحدى طرق العلاج النفسي لمعالجة أمراض مثل الكآبة والقلق وتعكّر المزاج الثنائي القطب، ويرمي إلى توعية المريض على الأفكار السلبية التي يفكّر فيها بهدف تحويلها إلى أفكار إيجابية وأكثر واقعية. ويمكن القيام بهذا النوع من العلاج في شكل فردي أو مع مجموعة من المرضى.

وأما مبادئ الخطوات الـ12 فهي في المجمل أسلوب روحاني لمعالجة الإدمان والشفاء منه تماماً، ابتكرته جمعية «مدمنو الكحول المجهولون» (Alcoholics Anonymous) التي أسسها عام 1935 المدمنان السابقان بيل ولسون والطبيب بوب سميث في ولاية أوهايو الأميركية، بهدف معالجة أكبر عدد من المدمنين على مستوى العالم. ولاحقاً، تبنّت هذا الأسلوب جمعيات ومؤسسات حول العالم تُعنى بمعالجة الإدمان بأنواعه. والخطوات الـ12 هي:

- اعترفنا بأننا بلا قوة تجاه إدماننا وأن حياتنا أصبحت غير قابلة للإدارة.

- توصلنا إلى الإيمان بأن قوة أعظم من أنفسنا باستطاعتها أن تعيدنا إلى الصواب.

- اتخذنا قراراً باستيداع إرادتنا وحياتنا عناية الله.

- قمنا بجردة أخلاقية عميقة وبلا خوف.

- اعترفنا لله، لأنفسنا، ولشخص آخر بالطبيعة الحقيقية لأخطائنا.

- كنا مستعدين تماماً لأن يزيل الله كل هذه العيوب الشخصية.

- سألناه بتواضع أن يخلّصنا من نقائصنا الشخصية.

- أعددنا لائحة بالأشخاص الذين ألحقنا بهم الأذى، وأصبحت لدينا نية تقديم اعتذار لهم جميعاً...

- قمنا بمبادرات وخطوات مباشرة لهؤلاء الأشخاص كلما أمكن، إلا إذا كان ذلك قد يضر بهم أو بالآخرين.

- واصلنا الجردة الشخصية واعترفنا بأخطائنا.

- سعينا من خلال الدعاء والتأمّل إلى تحسين صلتنا الواعية بالله، داعين فقط لمعرفة مشيئته لنا والقوة على تنفيذها.

- تحققت صحوة روحية لدينا نتيجة لتطبيق هذه الخطوات، حاولنا حمل هذه الرسالة إلى المُدمنين وممارسة هذه المبادئ في كل شؤوننا.

وإضافة إلى العلاجين الجسدي والنفسي، يوفّر «ذا كابين» رحلات داخلية مرة في الأسبوع للترفيه عن المرضى، مثل ركوب الفيلة ورحلات إلى منطقة قبائل التلال ورحلات السفاري الليلية وركوب القوارب والتجول في المتنزه الوطني.

 

نجاح ملموس

ويضم «ذا كابين» قسمين للمرضى، واحد للذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 سنة، والآخر للذين تفوق أعمارهم الـ28. ولكل قسم مركز إقامة خاص وأساليب معالجة مختلفة. فمثلاً في «ذا كابين إيدج» (للشباب) يستخدمون الرياضة كوسيلة معالجة أساسية، إضافة إلى العلاج النفسي الذي يعلّمونهم من خلاله القيم والانضباط والعمل ضمن جماعة.

وعندما ينتهي المريض من مدة العلاج في «ذا كابين» (وهي تختلف من مريض إلى آخر، فمنهم من يحتاج إلى شهر ومنهم شهرين وآخرون يحتاجون إلى أكثر)، ينتقل إلى مكان آخر يُسمى «سوبر هاوس» (sober house)، وهناك تكون الخطوة الأولى نحو الخروج إلى المجتمع. وفي هذا المكان، يأخذ المتعافي قسطاً من الحرية ويستطيع أن يختلط بالناس ويذهب إلى التسوق ويستخدم هاتفه الشخصي، وذلك بهدف مساعدته على الانخراط مجدداً في المجتمع.

ومنذ عام 2009، بلغت نسبة النجاح والمرضى المتعافين 96 في المئة في «ذا كابين»، ما يدل على أن المعالجة فيه فعالة وتساعد عائلات ومدمنين في أماكن كثيرة حول العالم.

الإدمان نفق طويل معتم، يدخله كثر على غفلة وقد لا يخرجون منه إلا بثمن باهظ يكون أحياناً حياتهم نفسها. ومع ذلك، لا يمكن إلا أن نقول إن العلم والعمل يقدّمان حلولاً صعبة، ولكن يمكن أن تكون شافية وحاسمة.

طريق التعافي طويل إذاً، إنما ليس بالضرورة نفقاً معتماً كما رأينا في هذا المركز التايلاندي. ولعل أهم ما في العلاج هو المدمن – المريض نفسه، فمن دون إرادته وتصميمه لا نفع لأي دواء أو تدخّل من الآخر، أياً يكن هذا الآخر. ويبقى الدواء الأهم التحصّن بالأخلاق والدين، والتذكّر أن درهم وقاية خير من قنطار علاج.

 

البداية مع الحشيشة في سن الـ 13

 

قال العربي الثلاثيني سمير (اسم مستعار): «بدأت قصتي مع الإدمان عندما كنت في سن الـ 13 حين جرّبت سيجارة الحشيشة، فأعجبني مفعولها وأصبحت أدخّنها يومياً مع رفقاء لي في المدرسة. وبعد سنة بدأنا احتساء الكحول إلى جانب تدخين الحشيشة وهذا كان نشاطنا اليومي من الصباح حتى المساء. عندما بلغت الـ 16 سنة، طُردت من المدرسة لاكتشاف الإدارة أمري وبالتالي علم والداي بالموضوع، إلا انهما لم يتّخذا تدابير لمساعدتي بل صغّرا وقللا من أهمية المشكلة. ولاحقاً، بدأت أسرق من كل الأشخاص المحيطين بي لأن مصروفي زاد ولم يكن لدي مورد كافٍ. ومع الوقت رحت أجرّب أنواع مختلفة من المخدرات مثل الهيرويين والكوكايين وأدوية مهدئة للأعصاب كنت ألجأ إليها عندما أفقد الأمل بالحصول على المخدرات. وذات مرة، كنت في غرفتي أغط في نوم عميق بسبب تأثير الكمية الكبيرة من المخدرات التي تعاطيتها، وعندما استيقظت وبحثت عن الكمية المتبقية التي أخفيتها في خزانتي ولم أجدها، أسرعت إلى أمي وسألتها بغضب أين المخدرات؟ ذهلت أمي وفوجئت بالأمر وقررت إرسالي إلى مركز لمعالجة الإدمان.

ويوضح سمير أنه تنقّل بين مراكز علاج عدة، إلى أن «وصلت إلى مركز خارج بلدي تعرّفت فيه على ممرّض أراد «تسهيل» المهمة علي. فبدأ يأخذني إلى بيوت دعارة ومقامرة ويجلب لي المخدرات حتى أنه أرشدني إلى الأماكن التي يمكنني الحصول فيها على تلك المواد.

وبقيت على تلك الحال إلى العام 2013 عندما علمت أن صديقي المقرّب الذي كان خارج البلاد في مهمة لجلب المخدرات، توفي نتيجة جرعة زائدة. عندها شعرت بأن الله أرسل إليّ علامة لأوقف تعاطي المخدرات وأذهب إلى مركز جيد وأخضع للعلاج. وقبل المجيء إلى هنا، قصدت مركزاً في جنوب تايلاند وعولجت من الإدمان، إلا أنني عندما عدت إلى بلادي رجعت إلى المخدرات. وعندها قرر والدي البحث عن أفضل المراكز العلاجية، وقرأ عن هذا المكان وها أنا فيه منذ سنة ونصف السنة، والحمدلله أصبحت إنساناً آخر جسدياً وعقلياً ونفسياً.

ويوكّد سمير أن هذه التجربة «لم تكن سهلة علي، فقد دمّرتني من مختلف الجوانب: لم أكمل دراستي ولم أنل شهادة جامعية، لم أقدر أن أؤسس عائلة. حتى علاقتي بعائلتي لم تعد على ما يرام، المجتمع ينظر إليّ نظرة إزدراء... ولا أعلم ما إذا كنت سأعود إلى بلدي أم أبقى هنا في تايلاند».

 

طبيب ... ضحية أدوية

 

بدأت رحلة فؤاد (اسم مستعار) الذي يبلغ 33 سنة مع الإدمان في سنته الجامعية الأولى حيث كان يدرس الطب في أحد المستشفيات الجامعية في لندن. ويذكر أنه كان من الطلاب المتفوّقين، لذا «أردت الحفاظ على درجاتي العالية لأحقق ما حققه والداي إذ إنهما وأختي تخصصوا في المجال عينه».

ويضيف فؤاد: «بدأت تناول أدوية تزيد التركيز وكانت الجرعات قليلة. بعد فترة، شعرت بأنها لم تعد تكفي فأصبحت أتناول جرعات أكبر ومن دون اللجوء إلى إختصاصي أو طبيب. ومع الوقت، أردت أن أجرّب أدوية أكثر تأثيراً، فبدأت تعاطي مسكّنات الألم، وهي أدوية تجعل من يتناولها بكثرة يدمنها. وهذا ما حصل، فبدلاً من أخذ حبة واحدة في اليوم، رحت أبتلع 10 حبات، ولأحصل على مفعول أقوى وأسرع، كنت أضعها في مشروب غازيّ. ساءت حالتي كثيراً وكنت في كل مرة أعود إلى منزل والديّ في وطني الأم، أخبر أختي التي وقفت بجانبي بما يحصل معي لأنني لم أكن أستطيع أن أخفي عوارض الإنسحاب (عندما يصرّف الجسم المخدرات ويصبح في حاجة إلى غيرها) التي كانت تحصل لي عندما أوقف الأدوية قسراً. وخلال تلك السنوات القليلة التي ذهبت فيها إلى الجامعة، كانت درجاتي تتدهور تدريجاً. وفي السنة الخامسة، اكتشفوا أنني مدمن مسكنات، فطردوني من الكلية وقالوا لي أنه لا يحق العودة وإنهاء دراستي والحصول على شهادة الطب، لأنه من غير المنطقي أن أكون طبيباً يملك «شهية» على الأدوية. عدت إلى بلادي مع مشاعر كثيرة منها الحزن والخجل والخيبة والحيرة والخوف وعدم الأمان، وأخبرت والديّ بالأمر. صدما بالحقيقة المرّة إلا أنهما عزما على مساعدتي والوقوف إلى جانبي لأنهما علما كم كنت في حاجة إلى مساعدة. وبعدما استفسرا عن مراكز لمعالجة الإدمان، لفت هذا المركز نظرهما بفضل مزاياه الاحترافية في كل شيء. ولم يبق لدي وقت كثير أمضيه هنا، لكن لدي الكثير لأقوم به عندما أعود إلى المنزل. ستكون لحظة صعبة فنظرة المجتمع إليّ لن تكون سهلة خصوصاً أنني فقدت طموحي وخسرت أحلامي بأن أصبح طبيباً ناجحاً في يوم ما».