مصر: أزمة دواء والشركات تطلب زيادة أسعاره

... في إحدى صيدليات القاهرة (رويترز)
القاهرة - مارسيل نصر |

تواجه صناعة الدواء في مصر أزمة حقيقية، بفعل ارتفاع كلفة الإنتاج بعد تحرير سعر صرف الجنيه وتأثيره في قطاع الدواء، وتسبّبه بخسائر كبيرة للشركات خلال الأيام الماضية. وكانت الأسواق شهدت اختفاء كاملاً لأدوية حيوية ومهمة، في مقدمها أدوية الطوارئ والأورام والقلب والتخدير ومشتقات الدم، نتيجة توقف شركات كثيرة عن توريدها إلى الصيدليات الحرة والمستشفيات ووزارة الصحة، ما يهدد بحدوث كوارث.

وطالبت شركات الأدوية بزيادة جديدة في الأسعار، لمواجهة الآثار الناجمة عن قرار البنك المركزي تعويم الجنيه، وهو ما رفضه وزير الصحة والبرلمان. وبدأت الوزارة مواجهة ضغط الشركات بعقد اجتماعات مع عدد منها، وهو ما قامت به لجنة الصحة في البرلمان. وأصرت الحكومة والمجلس على عدم رفع الأسعار مرة أخرى. وعقدت غرفة صناعة الأدوية في اتحاد الصناعات اجتماعاً لمناقشة أزمة ارتفاع كلفة الإنتاج، وعرض نتائج البحث على مجلس الإدارة مع الجهات الحكومية المعنية بملف الدواء.

وقال العضو في غرفة صناعة الأدوية أسامة رستم، أن الجمعية «فوضت إلى الغرفة مواصلة التفاوض مع المسؤولين في الدولة، لحل المشاكل من دون الوصول إلى حلول مرضية مع المسؤولين حتى الآن». وأكد أن الغرفة «تسعى إلى حلول تضمن استمرار الصناعة في أداء دورها الوطني، لأن أعضاء الغرفة على يقين بأن الدولة وكل أجهزتها، تعمل بكل السبل على توفير الدواء بأسعار عادلة، مع الحفاظ على الشركات».

ومن أبرز الاقتراحات التي قدمتها شركات الأدوية لحل أزمة زيادة الكلفة، تحريك أسعار الأدوية خصوصاً تلك التي تسجل خسائر كبيرة مثلما حدث في أيار (مايو) الماضي، أو إلزام الحكومة استيراد كل حاجات الشركات من المواد الخام عبر شركة حكومية والتوريد للقطاع الخاص بسعر مخفض، أو تقديم الحكومة دعماً للشركات لإعانتها على تحمّل تكاليف الإنتاج المرتفعة. بينما أكد عدد من النواب أن النقص في الأدوية متعمد من بعض الشركات لإحداث أزمة في السوق، للضغط على الوزير للرضوخ لقرار رفع السعر. فيما وصفها بعضهم بأنها أزمة بين الحكومة وشركات الأدوية للموافقة على رفع الأسعار.

وكان وزير الصحة المصري أحمد عماد الدين، طرح بعض البدائل على الشركات للتعامل مع أزمة الدولار، بينها تعديل وضع الأدوية المصدّرة إلى الخارج، بما يحقق فائض ربح كبيراً للشركات، مؤكداً «عدم السماح في أي حال من الأحوال بالموافقة على رفع السعر». ويعزى إصرار الوزير على عدم رفع الأسعار الى تدخّل الرئيس السيسي لحل الأزمة من خلال توجيهه للوزارة بتكليف إحدى الشركات القومية باستيراد الأدوية الناقصة في المستشفيات والصيدليات، والتي لا بدائل لها، على أن يتم ذلك سريعاً. وستُدخل 146 صنفاً دوائياً ناقصاً إلى الأسواق بقيمة 186 مليون دولار خلال 10 أيام. وأضاف عماد أن الحكومة «تدعم حاجات السوق المحلية من الدواء»، مشيراً إلى أنها «ستتحمل الأعباء عن الشعب، كما وفّر مجلس الوزراء كل الحاجات والاعتمادات المالية اللازمة للشراء».

وعرضت شركات الأدوية الأعضاء في غرفة صناعة الدواء في اتحاد الصناعات، ثلاثة اقتراحات رئيسة بتحريك أسعار الأدوية، خصوصاً تلك التي تسجل خسائر كبيرة مثلما حدث في أيار الماضي، أو إلزام الحكومة استيراد كل حاجات الشركات من المواد الخام عبر شركة حكومية، والتوريد للقطاع الخاص بسعر مخفض أو تقديم الحكومة دعماً للشركات لإعانتها على تحمل تكاليف الإنتاج المرتفعة.

وأوضحت أن «الدعم الذي ستطلبه الشركات يتنوع بين تثبيت سعر الدولار، بحيث تلزم البنوك بتوفيره للشركات في مقابل 8.88 جنيه مع تحمّل الحكومة فرق السعر، أو دعم تكاليف الإنتاج الأخرى كرسوم الكهرباء والمياه والجمارك والضرائب، أو تحمل الحكومة 50 في المئة من الزيادة التي تتكبدها الشركات بعد تحريك الدولار.

وأفادت المصادر بأن غرفة صناعة الدواء ستلتقي وزير الصحة والسكان مرة أخرى خلال الأيام المقبلة، لمناقشة مستجدات الأزمة وعرض اقتراحات الشركات. وعقد عماد اجتماعاً الأحد الماضي، مع عدد من أعضاء الغرفة في مقر الوزارة لمناقشة مطالب الشركات، لكن لم يسفر الاجتماع عن نتائج ملموسة. وبالتزامن مع اجتماع وزير الصحة مع الشركات المحلية، التقى وزير الصناعة طارق قابيل ورئيس هيئة الاستثمار محمد خضير ممثلين لبعض الشركات الأجنبية العاملة في مصر، الذين أبلغوه بصعوبة العمل في ظل الظروف الحالية.

واستبعدت مصادر لجوء وزارة الصحة إلى تحريك الأسعار حالياً، وأشارت إلى «احتمال مناقشة بدائل الدعم حتى كانون الثاني (يناير) المقبل، ثم إعادة النظر في موضوع تحريك الأسعار». وقال الكيميائي ماهر نسيم أن الشركات «تتكبد خسائر فادحة منذ ارتفاع سعر الدولار رسمياً إلى ما يزيد عن 17 جنيهاً، خصوصاً أنها تعتمد على استيراد معظم خامات إنتاجها». ولفت إلى أن «بعض الشركات سيضطر إلى وقف خطوط لإنتاج الأدوية، بسبب ارتفاع أسعار الخامات المستوردة، بعد تحرير سعر الصرف ولتدني سعر الأدوية عن كلفة إنتاجها الحقيقية عقب التعويم».

ونبّه نسيم إلى أن «في حال عدم وجود حلول مع شركات الأدوية، فهي تهدد بالتوقف عن الاستيراد بسبب خسائرها». وأشار إلى أن الشركات «تستورد نحو 95 في المئة من المواد الخام المهمة لصناعة الدواء، ويجب وضع حل، ومناقشة شركات الأدوية في مطالبها». وشدد على ضرورة «وضع حل وإلا سندخل في أزمة طاحنة، إذ لا يمكن أن أستورد وأخسر أو أصنع وأخسر، يجب أن تتدخل الحكومة لدعم شركات الأدوية». وكشف أن «أدوية السرطان ناقصة بالفعل، والأزمة تكمن في عدم توافر بدائل محلية».

وقال استشاري الجراحة العامة والأورام الدكتور ماجد نبيل ناروز، في تصريح الى «الحياة»، أن سوق الدواء في مصر «تواجه نقصاً في بعض الأدوية المهمة المنقذة للحياة، مثل أدوية الأورام والمستلزمات الطبية، على خلفية أزمة ارتفاع أسعار الدولار، وقرار البنك المركزي تحرير سعر الصرف وترك تحديده لآليات العرض والطلب». ورأى ضرورة «زيادة أسعار الأدوية المنتجة في مصر لشركات مصرية بهامش ربح مرضٍ، نظراً إلى عدم تأثرها كثيراً كالأدوية والمستلزمات المستوردة، وتوقع ارتفاع سعر الدولار خلال الشهرين الحالي والمقبل، لانخفاض السياحة الوافدة لمصر، لا سيما الصادرات».

وطالب ناروز بـ«عدم تسعير الأدوية المستوردة لاختلاف سعر الدولار يومياً، كما أن أدوية التخدير فيها أزمة كبيرة جداً أدت إلى توقف جداول العمليات الجراحية وتأجيلها في المستشفيات الحكومية والخاصة بسبب نقصها. كما أن أدوية الطوارئ تشهد أزمة كبيرة أيضاً بسبب نقصها على مدار الفترات الماضية». وكانت الحكومة أعلنت قبل يومين، خطة حرب لسد عجز الأدوية في 15 يوماً، وتكليف الشركة المصرية لتجارة الأدوية باستيراد 146 دواء لأمراض الدم والفشل الكلوي والسرطان بـ186 مليون دولار.

وطالب العضو المنتدب من شركة «سانوفي» للأدوية في مصر والسودان، ألكسي مويران، بـ«وضع نظام مرن لتسعير الأدوية، يسمح بسرعة تعديل الأسعار في حال زيادة سعر صرف الدولار أو انخفاضه». وقال في «مؤتمر الاستثمار الفرنسي في مصر»، أن أسعار الدواء «تخضع لإشراف وزارة الصحة، ما يجعل تغيير السعر في حال تعديل سعر الصرف أمراً صعباً»..

وذكر مويران أن الشركة «مستمرة في زيادة استثماراتها في السوق المصرية». وأوضح أن شركته «تبذل جهوداً بالتعاون مع وزارة الصحة، لوضع نظام للتتبع الصيدلي، لمواجهة أزمة الأدوية المغشوشة والمقلدة».

ولفت المدير التنفيذي لشركة «ماش بريمير» للأدوية سيد هنداوي، الى أن وزير الصحة «سيضطر إلى تحريك أسعار الأدوية لتلبية حاجات المرضى، خصوصاً أن ما لا يقل عن 30 صنفاً في كل شركة يكبدها خسائر، وستتجه الشركات إلى وقف الإنتاج في حال استمرار الأوضاع الحالية».

وطالب عضو غرفة صناعة الدواء جمال الليثي، بـ«رفع أسعار الدواء 50 في المئة في شكل عاجل لحل أزمة شركات القطاع». واقترح أن «تدعم الحكومة تكاليف إنتاج الدواء سواء من خلال توفير الدولار للشركات بسعر مخفض وتحمّل فارق القيمة المستحقة للبنوك، أو تقديم إعفاءات من الجمارك والضرائب ومصاريف المياه والغاز».