بانا العبد تحولت من طفلة توثق حياتها إلى صورة عن أطفال سورية

(أ ف ب)
حسن يحيى |

تعج الذاكرة السورية الحديثة بصور أطفال تحولوا إلى أيقونات في العالم ككل. فمن الطفل حمزة الخطيب إلى إيلان، إلى عمران إلى الآلاف الذين قتلوا خلال سنوات الحرب الخمسة، وملايين الأطفال الذين عاشوا ويعيشون مشاهد الحرب والقتل والدمار بصورة مباشرة ويومية.

ولعل الطفلة بانا العبد مثال حي عن هؤلاء الأطفال، إذ استطاعت هذه الطفلة السورية الخروج من الأحياء الشرقية لحلب بعد أن دخلها الجيش السوري، والوصول إلى تركيا لتلقى ترحيباً شخصياً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ولكن سر شهرتها لا يعود إلى لقائها أردوغان، أنما بسبب استعمال وسائل التواصل لإيصال رسالة بالغة القوة والدلالة تفيد بأن في سورية لا يوجد أطفال بعد اليوم.

في العام 1984، وقفت الطفلة اللبنانية ريمي بندلي أمام الرئيس أمين الجميل وغنت «أعطونا الطفولة» التي كتبها جورج يمين. لا تزال هذه الأغنية حتى اليوم بعد مرور أكثر من 30 سنة، مرتبطة بالحرب اللبنانية ومآسيها، وباسم بندلي.

في سورية، غنت بانا العبد في مقابلة مع شبكة «سي أن أن» الأميركية الأغنية نفسها، خرجت إلى العالم لتقول «أنا طفلة تحمل رسالة، أرجوكم اسمعوني. أنا طفلة تريد اللعب، لماذا لا تسمحون لي. ألعابي تنتظرني، أصدقائي يصلون، والقلوب الصغيرة تترجى. أعطونا فرصة، أعطونا فرصة».

الرسالة التي تقولها بانا لا تُعبر عن لسان حالها، فهي لا تصلح بعد الآن لأن تكون طفلة. فمفهوم «الطفولة» غالباً ما يترافق مع البراءة. إلا أن ما شهدته ووثقته بانا من خلال حسابها على «تويتر» لا يُمكنه إلا أن يقضي على ما تبقى من براءة في كل العالم، فكيف في نفس طفلة في السابعة من العمر.

واشتهرت الطفلة بتغريداتها وفيديواتها على موقع «بيريسكوب» التابع لموقع التغريدات «تويتر»، من داخل أحياء حلب الشرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة قبل أن يدخلها الجيش السوري أخيراً.

وعلى رغم عمرها الصغير، و «براءتها» المفترضة، فإنها لم تتمكن من النجاة من الانقسام الحاد الذي أصبح مترسخاً في نفوس السوريين. إذ على رغم أن الحساب لم يحدد موقفاً راسخاً من الحرب السورية، لم تسلم بانا من الانتقادات كما لم يسلم عمران منها أيضاً. حتى أن الرئيس السوري بشار الأسد عند سؤاله عنها تحديداً في المقابلة التي أجرتها معه قناة «تي في 2» الدنماركية، أجاب بأنه «لا تستطيع بناء موقفك السياسي على فيديو يقوم بالترويج له الإرهابيون أو داعموهم، إنها لعبة الآن، لعبة بروباغاندا ولعبة وسائل الإعلام يمكن أن ترى أي شيء ويمكن أن تكون متعاطفاً مع كل صورة وكل مقطع فيديو تراه، لكن مهمتنا كحكومة هي التعامل مع الواقع».

إضافة إلى هذه التهم، وردت تهم أخرى على لسان رواد مواقع التواصل الاجتماعي منها أن بانا لم تكن في حلب طيلة هذه الفترة، أو أن حسابها يُدار من قبل أشخاص آخرين نظراً إلى استحالة إدارة «حملة اعلامية» كهذه من قبل طفلة في السابعة من العمر. أما التهمة الأبرز فكانت استغلال الأطفال بهدف الترويج لسياسة معينة، أو إيصال رسالة محددة.

وفنّد موقع «بيلينغ كات» هذه الاتهامات، داحضاً معظمها بالأدلة القاطعة، تاركاً قضية «استغلال الأطفال» للرأي العام ليحددها كلّ وفق أخلاقياته.

وتمكن فريق العمل الذي أعد التقرير من تحديد المكان الجغرافي الذي بُثت منه الفيديوات، خصوصاً على موقع «بيريسكوب» للنقل المباشر التابع لـ «تويتر». وأوضح الفريق أن المكان التقريبي الذي بُثت منه الفيديوات يقع في داخل حلب الشرقية، وهي منطقة تابعة للمعارضة.

واستطاع الموقع أيضاً توثيق كيفية الحصول على الإنترت والكهرباء تحت كل هذا الدمار، مفيداً بأن ألواح الطاقة الشمسية الموجودة على سطح منزل العائلة، والتي ظهرت في تقارير مصورة عدة أبرزها لـ «بي بي سي»، كانت كفيلة في تأمين الكهرباء للهواتف والحواسيب.

أما الإنترنت، فأشار التقرير إلى أن العائلة اعتمدت على الشبكة الخلوية الموجودة، والتي أثبتت أنها لا تزال تعمل نظراً إلى لجوء قوات النظام إلى إرسال رسائل نصية إلى القاطنين في حلب الشرقية وفق ما نقلت تقارير عدة، إضافة إلى أن وجود شبكة «هوا نت» التي تستمد الإنترنت من تركيا وتبثها إلى المناطق التي سيطرت عليها المعارضة.

الحساب لم يخف أن فاطمة والدة الطفلة، هي من كانت تديره لتوثيق حياة ابنتها اليومية تحت القصف. إذ يشير الحساب وبوضوح إلى الشخص الذي يديره، كما أن الوالدة التي درست الحقوق والصحافة، تُذيل معظم المنشورات باسم الشخص الذي نشره. وحتى الثامن من كانون الأول (ديسمبر)، فإن حساب بانا نشر 580 تغريدة، 121 منها حملت اسم بانا، و181 حملت اسم فاطمة، وتغريدة واحدة حملت اسم أخيها محمد البالغ من العمر 5 سنوات، و124 تغريدة من دون توقيع، و153 إعادة تغريد. كل هذه الاتهامات وغيرها رُوج لها ضد طفلة في السابعة من عمرها تعيش وسط دمار هائل وقصف مستمر دمر منزلها وقتل العديد من أصدقائها وجيرانها. كل هذه الاتهامات وُجهت إلى فتاة سورية لم تحمل يوماً السلاح ولا تطلب سوى أن تعيش حياة عادية كالأطفال.

والحال أن الحرب في سورية قضت بما لا يقبل الشك على أي أمل بطفولة طبيعية للأجيال المقبلة حتى، فأن تولد في سورية اليوم يعني أن تعيش وسط الأنقاض والدمار للأعوام المقبلة، هذا في حال توقفت الحرب.

وسواء توقفت الحرب أم لم تتوقف في القريب العاجل، فإن الثابت الوحيد في المحصلة أن «البراءة» التي كان من الممكن أن يعيشها الأطفال في سورية، تشوهت إلى غير رجعة على مدار العقود الكثيرة المقبلة، خصوصاً أن الانقسام الفكري والسياسي في سورية اليوم لن يسمح بوجود أطفال «طبيعيين» يعيشون تحت كنف دولة طبيعية.