أخيراً عمل تجاري كوميدي غير مبتذل

من أجواء الفيلم
أمل الجمل |

«إذا كنت تسير في الشارع والتقت نظراتك فجأة بنظرات شخص يمر بمحاذاتك. قد يكون في نظرته شيء مروع يجعلك تجفل وتشعر بالخوف، فإذا استنسخت اللقاء بدقة آلية وركزت اهتمامك على موضع الكاميرا وأزياء الممثلين وتجاهلت العامل السيكولوجي والحالة الذهنية التي جعلت نظرة الغريب تؤثر فيك، إذا لم تبنِ حالة مماثلة لحالتك في لحظة اللقاء الفعلي فإنك لن تحقق الإحساس ذاته داخل السياق الفيلمي ولن تُؤثر في الجمهور». إنها كلمات المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي التي تُوضح لماذا فقد مشهدان رئيسان قيمتهما وتأثيرهما في المتلقي بدلاً من أن يُشكلا نقطتين من أهم مراكز التعاطف مع شخصية إبراهيم أحد بطلي فيلم «علي معزة وإبراهيم». المشهد الأول كان للشاب مع صاحب محل «الرَّفَّة» في الإسكندرية الذي اكتشفنا بعد انتهاء اللقاء بفترة أنه والده، وأن إبراهيم مزَّق قميصه عمداً - في لقطة سابقة - ليتذرع بالبحث عنه ويلتقيه. لكن كاتب السيناريو أحمد عامر - ويتحمل المسؤولية معه المخرج - لم ينتبه إلى أهمية رسم تفاصيل تخلق الحالة النفسية لإبراهيم ليفتح لنا بوابة التفاعل الإنساني معه، فجاء المشهد بارداً، يفتقد الإشباع العاطفي، تنقصه منمنمات بصرية قبل اللقاء وأثناءه. إذ اكتفى المخرج بمشهد نرى فيه الابن يتأمل الأب الذي نجهل حقيقته ومن ثم لن نتجاوب معهما لأننا لم نفهم - وحتى عندما فهمنا كان ذلك متأخراً - فلم نتأثر، ثم عندما ينقل الابن نظراته بين الأب وبين الصور البعيدة على الجدران لا يتحرك فينا ساكن على رغم أنها من المفترض أن تكون لحظة ذات أثر نفسي يشي بالحب له، والبحث في ذكريات وماضي هذا الأب الغائب أو المفقود.

أما المشهد الآخر، فيأتي في ختام الفيلم عندما يبكي إبراهيم للمرة الأولى، لكننا لا نهتز لدموعه وكأنها دموع سطحية غير فاعلة، على رغم أنه مشهد مهم جداً للبطل لأنه من المفترض أنه في تلك اللحظة يعيش إحساس الفقدان والوحدة وربما الضياع بكثافة. وهنا الخطأ لا يُحسب على الممثل وحده لأنه في الأساس خطأ المخرج وشريكه في كتابة السيناريو لعدم قدرتهما على بناء الحالة النفسية الصادقة لشخصية إبراهيم التي تجعلنا نتجاوب مع بكائه.

 

البطوط يتنازل

كتب قصة «علي معزة وإبراهيم» المخرج السينمائي إبراهيم البطوط الذي كان متوقعاً أن تكون الفكرة نواة مشروعه السينمائي التالي لفيلم «حاوي». لكن عندما قامت ثورة 25 يناير تبدلت الأولويات وأخرج البطوط فيلمه «الشتا اللي فات»، و - وفق تصريحه إلى «الحياة» وقتها - قال البطوط؛ «لم أعد أستطيع أن أُخرج فيلم «علي معزة وإبراهيم»، الآن، ففي ظل التطورات والأحداث السياسية المتلاحقة والظروف التي تمر بها مصر لا يُمكنني أن أصنع فيلماً حول شخصية علي معزة وقصة حبه الصعب لهذه العنزة». ولاحقاً اشترى القصة شريف البنداري ليُوقع بها أولى تجاربه الروائية الطويلة بعد عدد من الأعمال الروائية القصيرة والتسجيلية والتي يُعد أفضلها وأكثرها تميزاً على المستوى الفني الشريط الروائي القصير «حار جاف صيفاً».

هنا، في «علي معزة وإبراهيم»؛ يحاول البنداري أن يقدم فيلماً بصيغة تجارية موسومة بحس كوميدي ساخر، ممزوج باللامعقول حيناً، من دون أن يسقط في فخ الابتذال. والفيلم يحقق تلك المعادلة في نصفه الأول بنجاح، بفضل تماسك السيناريو وتعدد الممثلين الذين أجادوا تأدية أدوارهم بحذق وكان لهم وجود مغاير فمنحوا الفيلم نكهة خاصة جداً؛ وفي مقدمهم سلوى محمد علي، وأسامة أبوالعطا في شخصية «كماتا»، وناهد السباعي. أما جوهرة الفيلم الحقيقية فهو علي صبحي الذي اقتنص جائزة أفضل ممثل أول في مهرجان دبي السينمائي الثالث عشر، بملامحه الشعبية المُتوجة بالبراءة والتلقائية، الموسومة بعفوية الأداء والقبول على الكاميرا. وهو الممثل الذي أصقل موهبته بفن الأداء عبر مسرح الشارع وفرقة «حالة»، مثلما ينبئ أسلوبه الأدائي بإمكانية أن يُصبح أحد أبرز نجوم الشباك، لو نجح في العثور على سيناريوات مكتوبة باحتراف.

يجسد علي صبحي شخصية «علي»، الشاب الطيب المغرم بعنزة؛ اسمها «ندا»، والحارة كلها والأطفال في الشارع يسخرون منه فيُنادونه باسم «علي معزة». تحاول أمه أن تعالجه، فتذهب به إلى أحد الدجالين، وهناك يلتقي إبراهيم عازف الموسيقى الذي يعاني من نوبات ضجيج وأصوات تزوره بين حين وآخر وتكاد تُصيبه بالصمم والجنون. فيحاول تسجيلها لكنها تُفسد عليه حياته حتى في تلك اللحظات التي يحاول فيها ممارسة فعل الحب، فيقرر أن ينتحر متشبهاً بما فعلته فرجينيا وولف، مُثقلاً جيوبه بالحجارة. لكن غريزة البقاء لديه تنتصر. تقريباً؛ مع النصف الثاني من الأحداث؛ يتحول العمل إلى أحد أفلام الطريق، بقرار الصديقين - بناءً على وصفة الدجال - السفر إلى الإسكندرية لإلقاء واحد من ثلاثة أحجار في البحر المتوسط، ثم السفر إلى سيناء لإلقاء الحجر الثاني في البحر الأحمر.

هنا من الواضح أن ما يحققه الفيلم، من قوة جذب، لا يستمر طويلاً، إذ يبدأ السحب من رصيده في النصف الثاني منه، لضعف بناء كثير من مشاهد الرحلة، خصوصاً عندما يقتصر الأمر على الصديقين علي وإبراهيم. فالعزف معاً بنجاح لا يستمر طويلاً، وقدرة السيناريو على رسم مشاهد حوارية لهما معاً، قوية وجاذبة، تبوء بالفشل. لا يتمكن السيناريو من ملء الفراغ، أو الاحتفاظ بالإيقاع المتدفق الحيوي الذي اتسم به الجزء الأول نتيجة الأداء الجماعي للأبطال في مشاهد متتالية بما قد تحمله من دلالات اجتماعية وسياسية مبطنة، -على نُدرتها -، سواء في مشهد الضابط الذي يمثله آسر ياسين مع «كماتا» و «علي معزة»، أو مشهدهما لاحقاً مع فتاة الليل - تمثلها ناهد السباعي - ثم مشاهد الشاب «علي» مع أمه الكارهة للعنزة والمُهددة بذبحها، أو مشاهد «كماتا» - بأفكاره العبثية - مع فتاة الليل ورفضه إقامة علاقة معها لأنه قرر أن يتزوجها.

 

الخيار الفني الخطأ

في حين يميل النصف الثاني من الفيلم إلى السطحية الشديدة، ويقع في فخ التكرار وشرح المشروح سابقاً بأسلوب مُمل في أغلب ما يدور بين الصديقين من أحاديث، وذلك بدلاً من استغلال اختلافهما لتطوير الحوار - بما يتناسب مع مستواهما وثقافتهما - وتعميق النحت في الأسطح المتعددة للشخصيتين، والتكرار المتعدد الرتيب لمشاهد معاناة إبراهيم من الأصوات الغريبة التي تلاحقه. إضافة إلى ما سبق، فإن مؤلف العمل يلجأ لتبرير علاقة «علي» بالعنزة سواء على لسان «علي» نفسه، أو على لسان أصحابه، من دون أن يُدرك أن هناك علاقات حب يكمن سحرها في تلك الظلال التي تحيط بها وتجعلها غير مرئية بوضوح. فجزء من جمال قصة الحب هذه كان يكمن في عدم تفسيره، خصوصاً أن السيناريو وقع في فخ المباشرة وسذاجة الطرح بالتفسير الذي حاول به فض غموض تلك الغلالة الجميلة.

بقي أن نشير إلى عدم التوفيق أيضاً في توظيف الموسيقى، إذ لم تأت ملائمة على الإطلاق، فالمخرج استخدم موسيقى العود على مشهد الاغتصاب ومحاولة «كماتا» و «علي» إنقاذ الفتاة، وهو أمر يستدعي التساؤل عن العلاقة بين نغمات العود وفعل الاغتصاب أو محاولة الإنقاذ. وقد تكرر توظيف هذه الموسيقى مرات عدة في الفيلم كأنها مجانية. فإلى جانب عدم ملاءمتها، كانت المقطوعات الموسيقية جميلة في حد ذاتها، لكن عندما تصبح ضمن شريط صوت موازٍ للشريط البصري، تشعر كأن هناك شيئاً لافتاً يسرقك من المشهد. والحقيقة أن موسيقى العود الموظَّفة على مدار الفيلم هي أسوأ اختيار فني خصوصاً أن البطل «إبراهيم» كان يكره عزف العود، على رغم مهارته فيه وفق وصف بعضهم، لكنه أُصيب بعقدة نفسية منه فقد ارتبط الإمساك به بمصيبة ما أو حادثة؛ ما جعله يتشاءم وينفر منه. لكن في مشهد النهاية يحضّه «علي معزة» على العزف عليه. هنا لو تم سماع العود في المشهد الأخير- فقط - الذي يستخرج فيه إبراهيم العود من كفنه بعد وفاة جده ويبدأ فيه العزف عليه. هنا، وفقط، كانت ستتضح قوة ومغزى موسيقى العود.