عن «داعش» الذي يفتننا ويغوينا... وعن الثأر لأمهاتنا المعنّفات

ديزو دوغ قبل وبعد التحاقه بـ«داعش» ... ودون مورغان
حازم الأمين |

أحرر منذ أكثر من عشر سنوات صفحة التحقيقات في جريدة «الحياة»، وهي صفحة استقبلت وأدارت مئات، وربما آلاف المساهمات والمبادرات الاستقصائية والتقريرية من عشرات الصحــافيين العرب. والكتابة عن هذه التجــربة ليس هذا سياقها، إنما فكرة راودتني وراحت تُلح عليّ في أكثر من منــاسبة، وتتعلق بالكتابة التحقيقية والاستقصائية عن «داعش»، والتي شارك فيها عشرات من الزملاء، كـــل من دولته، وكل واحد كتب عن «داعشه». وطبعاً لم تكن الكتابة على ســـوية واحدة، فهي تفاوتت بين دولة وأخرى، وبين صحافي وآخر، وبين كاتب وكاتبة. لكنّ خيطاً رفيعاً يمكن رصده في سياق التقاط التفاوتات، وهو انطواء الكتابة عن «داعش»، وفي ذروة إدانة أفعاله، على افتتانٍ ما بتفوقه و «نجاحه» ووثوبه.

وإذا كانت اللغة مستوعب النفس ووسيلتها الخبيثة للالتفاف على ما يلابس هذه النفس من شطط، فإن اللغة أيضاً تخون صاحبها في كثير من الأحيان، وما على متعقب العبارة، سيئ النية، إلا أن يقيس المشاعر بكلماتها الأولى. فالتونسي، الصحافي، حين يتحدث عن التونسيين في «داعش»، يقول أنهم متعلمو التنظيم ومهندسو عملياته المركبة ومجيدو اللغة الفرنسية فيه، والصحافي الأوزبكي يقول عن المقاتلين القادمين إلى التنظيم من آسيا الوسطى أنهم «يملكون المعرفة الكافية لصنع العبوات الناسفة، وهو ما يحتاجه تنظيم الدولة وتفسير الموضوع وببساطة هو أنه تسنّى لهم قراءة الكثير من كتيبات عن كيفية صنع متفجرات وقنابل لأنهم ليسوا أميين». والأردنيون، وحتى غير الإسلاميين منهم معجبون بأنهم أنجبوا لـ «القاعدة» ولـ «داعش» شيوخهما، وأبو مصعب الزرقاوي فتوة تحاكي قوتها ضائقة الكثير من الأردنيين العالقين بقيم الفتوة على رغم أنهم ذاقوا مرارتها حين أرسل الزرقاوي من يُفجر في عاصمتهم.

والحال أن «داعش» على رغم الذهول الذي تحدثه أفعاله، يمارس بموازاة ذلك إغواء يُشعرك بأن كثيرين ممن يُشبهونك على وشك الالتحاق به. هو انهيار نظام نفسي واجتماعي لطالما رغب المرء في انهياره، وهو أيضاً قصة قوة منبثقة من خبرات لطاما أصابها الفشل. وهو بهذا المعنى رد على فشل أصلي وجوهري.

والإغواء الذي يمارسه «داعش» مفكر فيه وليس تلقائياً، أي أن التنظيم يُدرك مكامن الفتنة التي يُحدثها في نفوس كثيرة من غير تلك النفوس المؤمنة به. لا بل إن عدم الإيمان بالتنظيم يكاد يكون شرطاً، فلكي تكون شيطاناً عليك أن تكفّ عن الإيمان بنفسك وبما حولك. هنا تماماً يصيب «داعش» نفس من يغويه. أي في دفعها إلى الانقلاب على صاحبها. وكم لدى كل واحد من رغبات في الانقلاب على نفسه.

لـ «داعش» جمهور سلبي في كل بلد وجد التنظيم فيه قدماً له. والمفتتَنون بـ «داعش» ليسوا من الجماعات «السلفية الجهادية» الذين لطالما أُعجبوا بـ «القاعدة» وفروعه. لا بل إن الأخيرين هم أكثر حصانة من غيرهم حيال تنظيم «داعش» واحتمالاته. في الأردن خاطب «داعش» شرائح وأجيالاً لا تربطها بـ «السلفية الجهادية» علاقة وطيدة. جهاديو الأردن السلفيون يُحسبون على «جبهة النصرة»، أما «الداعشيون» فهم فتوات أصغر عمراً وأضعف صلة بالسلفية. في تونس أيضاً التحق بـ «داعش» فتيان المدن الساحلية ممن لم يسبق أن ارتبطوا بالجماعات الجهادية التقليدية. وفي لبنان يتحدث مشايخ السلفية عن فتية «داعش» بصفتهم «حديثي نعمة في الإيمان وفي الجهاد».

إذاً، لا يتصل الإغواء الذي يمارسه «داعش» بالمضمون الديني والسلفي لـ «دعوته» إنما في القوة الناجمة عن المشاهد التي يخلفها. وهذه ليست حصراً مشاهد القتل، إنما أيضاً السرعة والفاعلية وإجادة استعمال وتوظيف وسائل القتل، بحيث يسع المرء أن يعتقد مثلاً أن التنظيم أقدم على تفجير محطة تكرير الغاز في مدينة تدمر، فقط ليصور التفجير الكبير وليبثه عبر «يوتيوب»، على رغم أن فعلته حرمته من استثمار المصفاة. كما يسعه أن يعتقد أن عناصر التنظيم الذين انهالوا بمطارقهم على تماثيل متحف الموصل، إنما فعلوا ذلك لشعورهم بأن للمتاحف هيبة، وأنها جزء من نظام ومن وعي يجب تدميرهما. فالتماثيل أنصبة صارت بفعل تحويلها متحفاً رسمياً، جزءاً من نظام نفسي فرضه نظام سياسي، وهذا الأخير خلف فشلاً وخلف هزيمة محفزة على نوع من الانتحار.

الالتحاق بـ «داعش» هو فعل بسيكولوجي أكثر منه سياسي أو ديني أو حتى مذهبي. افتتان بشيطان ناجم عن ضغينة شخصية. «فشل في حب امرأة فالتحق بداعش»، «كره والده فالتحق بداعش»، «أراد الثأر لأمه المعنفة فالتحق بداعش»، هذه عبارات مما يصادفه المرء أثناء تقصيه سير عناصر التنظيم، لكنها لا تعني على الإطلاق أن «داعش» هو فشل أفراد لا فشل نظام سياسي واجتماعي. فالتنظيم هو مصفاة أنواع من الفشل لطالما تغذت من فشل جماعي. والعلاقات العنيفة السائدة في الكثير من بيئاتنا ومجتمعاتنا ليست ناجمة عن شر سابق على وجودنا، إنما هي جزء من فشل نظام تحديثي، ومن إخفاق عام.

عيش الابن على وقع تعنيف والده والدتَه هو جزء من منطقة المقبول والسائد في الكثير من البيئات. وإذا كان هذا المقبول متوارثاً وسابقاً على «داعش»، فإن الجديد هو أن الابن المعنف والمعنفة والدته تزود بمعرفة وبمشاعر جديدة وموازية، بحيث يصير الذهاب إلى «داعش» نوعاً من تصادم المعرفتين، أو محاولة ثأر لأمه بأدوات اضطهادها نفسها.

ليس هذا افتراضاً نظرياً، فالعودة إلى الكثير من سير الملتحقين بـ «داعش» تكشف عن مستويات من العنف الفردي والعائلي عاشها الملتحق بالتنظيم، والأم في هذه السير هي ركيزة اضطهاد يسعى صاحب السيرة إلى الثأر لها من أب عام وجماعي تتكثف فيه صورة الأب الخاص. ثم إن شكل الخيارات العنفية ينبئ بفصام جندري يُكابده المُقدم عليها. فالموت الإرادي (الانتحار) فيه افتراق عن رغبات ذكورية تفترض أن الـ «بطولة» لها ما بعدها من مكتسبات، في وقت تزود الأم الضحية والمعنفة والضعيفة ابنها بوجدان يميل حامله إلى الثأر من نظام لا يمكن هزمه بالبطولة، بل بالفناء.

ثمة إعجاب ضمني نمارسه حيال مسوخ ولدت من أخطائنا. لطالما فعلنا ذلك، ولطالما فعله الزملاء الذين كتبوا عن «داعش» أوطانهم. فـ «داعش» مجرم لكنه مُحفِز، وهو إذ يذهب بالعنف إلى أبعد من خيالنا، إنما يفوز بذلك بسبق ضمني خضنا ما يوازيه من دون مستويات العنف هذه، وفشلنا. «داعش» هوليودي، في وقت فشلت فيه سينمانا في أن تكون هوليودية، ومجلته الإلكترونية (دابق) تشبه النيوزويك أكثر مما تُشبهها مجلاتنا، وفِرق الروك والراب الآتية من الغرب للالتحاق بالتنظيم لا نحلم بأن تلتحق بنا، في بلداننا ومجتمعاتنا الفاشلة. أما الرياضيون فحدث ولا حرج، فقد تقاطروا على «داعش» من كل حدب وصوب، من أحد أبطال العالم في ألعاب القوى من كوسوفو إلى لاعب المنتخب اللبناني، ناهيك ببلجيكي في أندية الدرجة الأولى وبفرنسيين. فأي مدعاة للدهشة هذه، وأي احتمالات يمكن أن يولدها هذا «النجاح» في وعي المخفقين في بلدانهم ومجتمعاتهم.