الروائي نبيل الملحم يرسم التراجيديا السورية بواقعية صادمة

سوسن جميل حسن |

في روايته السادسة «خمارة جبرا» (دار المتوسط)، يقدم الروائي السوري نبيل الملحم تاريخ سوريا الحديث منذ الاستقلال، الى أن عصفت بالبلاد رياح حرب مدمرة بدأت بانتفاضة الشعب على واقعٍ مرير وغاشم. وكان السوريون وصلوا إلى هذا الواقع نتيجة سياسة نظام بعثي شمولي أوصل البلاد إلى محنتها الحالية.

تنبثق شخصيات الرواية من عالمين، عالم الهامش والقاع من جهة، وعالم السلطة والطبقات العليا من جهة ثانية. بعضهم ينتمي الى الطبقة الوسطى أو الارستقراطية المتداعية التي طاولها التأميم والإصلاح الزراعي مثل الصحافية جورجيت التي تنتهي بتناقضاتها وتتحلل كقطعة جبن بعفنها، في مقابل أصحاب النفوذ والسيادة كنعيم الواوي، أو عز الدين الحكيم.

يربط بين العالمين المتباعدين جاد الحق جاد الله، صاحب الذاكرة المتقدة. لقد عاش إلى ما بعد الثمانين ليكون شاهداً على تحولات سورية منذ ولادته في قرية «تلّ الغزال» حيث تعرضت أمه للاغتصاب من رجل دين مزيّف ثم موتها عند ولادته، واستقدام فتاة عذراء من القرية (زمردة) لإرضاعه من ثديين يدرّان حليباً من أجل أن يحيا، ومن ثمّ موت أبيه البيولوجي بفاجعته القاتلة عام 1940.

يبدأ الاسترجاع من اللحظة التي يجلس فيها جاد الحق جاد الله على كرسيه المدولب في ساحة مستشفى «المجتهد» بانتظار سيارة أجرة يحضرها ابناه لنقله إلى البيت برفقة زوجته ياسمينة، إثر سقوطه بعد نوبة انفعال استبدت به وهو يشاهد مناظر القتل السوري، بحيث بدأ بالصراخ: الشعب يريد إسقاط النظام، فتتهشم عظامه. ثم تبدأ الحكاية تتخلق.

حيّ الصبارة كان حيّاً مصنوعاً من بقايا المدن ونفاياتها، وساكنوه «على شكلّ قبيلة، كلّ ما يربط خيوط نسيجها ضحكٌ ماجنٌ، وقد جرّدتهم الحياة من أيّ شكلّ من أشكال الانصهار في مدينة لم تعترف بأيٍّ من حقوقهم الأخرى». من هذا الحي تولد معظم الشخصيات اللانمطية المتفردة في الرواية; من ياسمينة التي تبدو كخيال زوجها أو ظلّه، وزمردة التي تتلقفها مومس كرخانة باب الجابية (تُدعى فرنسا)، فتذهب إلى مصيرها مع قتيبة شهاب سليل الطبقة الوسطى، وتبقى على عذريتها حتى النهاية، وصولاً إلى جبرا، صاحب الخمارة الوجودي المتهتك الذي لم تفلت منه امرأة في الحي، ما عدا زمردة التي بقيت حلمه الوحيد.

جبرا هو الذي قال بعد وصول حزب البعث إلى السلطة على أساس تصحيح مسار سورية: «هؤلاء القادمون إلى حكم البلاد سيحيلونها إلى مقبرة». ولا يمكن تجاهل شخصية وارث أسنان أمه الذي كان ينصب على الناس ويبيعهم أحلاماً بورقة يانصيب خاسرة، طرأت تحولات على حياته منذ سبعينات القرن الفائت وصولاً إلى مطلع القرن الواحد والعشرين، فالخدمات الجنسية التي قدّمها لرجال مهمين، فتحت أذنيه على طريق واسعة لالتقاط أسرار البلد وخفاياه. وكانت حكمته في الحياة: «إنّ قليلاً من القوادة، وكثيرًا من الضحك، يكفيك لتعيش حياتك كاملة». ونجد ايضاً، هوزان الكردي، وصالح البعثي المبشر بالحرية والاشتراكية، وشخصيات كثيرة أخرى، بالإضافة إلى جاد الحق جاد الله الذي لم يبحث عن مأثرة واحدة، ولم يكن يسعى إلى نيل الحكمة، أو إلى قطف شيء من ثمار العبقرية، «كل ما في الأمر أنه كان يعرف أن البشر فاسدون». لقد أمضى أربعين عاماً يكتب افتتاحيات رئيس التحرير في صحيفة «الحرس القومي»، ويكتب الخطب لصاحب السلطة الجبارة، رئيس اتحاد العمال عز الدين الحكيم. وكانت معظم خطاباته تُركّز على جمل لم يَخلُ خطابٌ من ذكرها، وكان يراها جزءاً من سراب التاريخ، ومن بينها شعار: «إلى الأبد». وكان عليه «أن يستنبط الكثير من الأسباب الطبية التي تجعل من الزعيم شخصية خالدة، كما كان عليه أن يستنبط من اللغة ما يجعلها تنحني أمام خلود الزعيم».

أما فلسفة الحياة عند جاد الحق جاد الله، الرجل العدمي، فتمثلّت في: «الحياة موت كامن فينا»، كما عزّ الدين الحكيم ميتٌ كامنٌ. لم يكن لديه غير حقيقة واحدة هي عشقه لآنّا، ابنة عزرا يوسف، اليهودي الدمشقي (ساكن حي الأمين)، الذي هاجر إلى إسرائيل مع ابنته، بعدما أودع كنزاً من المخطوطات عند جاد الحق جاد الله، كي يعطيها إلى عز الدين الحكيم ليقدمها إلى رفعت الأسد: «ولم يكن على العقيد، الشخص الثاني في إدارة البلاد، بعد أخيه الرئيس، سوى الحفر في جدران سوريا، ومغاورها، ومدافنها، ومع كلّ حفرة كانت معاول مُنقبّي الآثار، تُفتت رؤوس سادة حكموا روما، وبيزنطا، ووصلوا إلى سوريا ليحطوا فيها ذواكرهم في جماجم بمحاذاة جرار الذهب».

لكل شخصية من شخصيات الرواية فرادتها وبيئتها النفسية التي تفصح عنها تداعياتها وسلوكها وتعاطيها مع الحياة. وقد رسمها نبيل الملحم بمهارة وشغف، لكنّ الشخصية الإشكالية البديعة تبقى فرنسا «المومس الحمراء» التي انتهت نهاية تراجيدية مفعمة بالبطولة. هي عرفت كيف تنهي حياتها بكرامة: «شعرت فرنسا بقوّة خفية تهمس لها بأنها باتت سفينة غارقة، واتخذت قرارها النهائي بأن الحياة مُحزنة لكلّ من يطفو فوق أمواجها». وقد راودها هذا الشعور بعدما كانت امرأة ترى أنّ «البغاء هو مصدر شرفها»، هي التي عرّت زيف بعض رجال الدين ورجال النظام في حياتها. تُمثل فرنسا بائعة الهوى بتفاصيلها الخارجية والداخلية، فكانت شخصية غير نمطية آسرة، لا يستطيع القارئ أن يكن لها الكره حتى عندما تعرّي العقيد نعيم الواوي في غرفتها وتلقي بثيابه من النافذة بينما يرجوها ان تستر عرضه ويمنحها ما تريد، فتقول له: «هل تبيع وطنك بكلسون يا سيادة العقيد؟». وكانت فرنسا علّمت زمردة درساً عنوانه كيف تنتهك القوة. وكان الفشل بالنسبة إليها، «منفذاً واسعاً للحرية»، وكذلك اليأس.

استدعى نبيل الملحم التاريخ والوقائع التي كانت تصنعه من دون أن يتدخل فيها، وراح يرسم بانوراما لمدينة دمشق بتحولاتها المجتمعية والعمرانية والاقتصادية والفكرية والثقافية بمهارة ساحر وخفته، تاركاً لشخصياته حرية التعامل مع أقدارها وصوغ حيواتها ونهاياتها، من دون أن يفرض عليها منظومات قيمية. وهو ترك الأشياء بمسمياتها في كل المفاصل السياسية البارزة في سورية منذ الاستقلال إلى السنوات الأولى من انتفاضة الشعب.

كان لبعض تلك الشخصيات نهايات تراجيدية مشبعة بالبطولة، وبعضها كانت نهايتها نتيجة منطقية لتفسخها وانحلالها كدلالة على التحولات التي طرأت على طبقية المجتمع السوري، وخلاصة للتبدلات السياسية التي طرأت على سوريا والمنطقة. ومن دون أن يترك للسياسة مجالاً لتشويه النص الأدبي، ولا أن يكون لحضورها في السرد سطوة تخدش جمالياته، قدم الكاتب رواية مغمسة بالسياسة، من دون أن تكون رواية سياسية بتاتاً. وحين نتتبع حياة الأفراد وعوالمهم الداخلية والبنى النفسية التي حملوها، لرأينا أنها رواية فلسفية بامتياز، مشغولة بهموم وجودية، بأسئلة الذات، الحياة، الموت، العدم، التاريخ، الولادة، الحب، الحلم... لكنهم يشكلون جميعهم النسيج المجتمعي السوري بهامشه ومركزه.