بانوراما سريعة عن دور الروبوت والابتكار في رؤية 2030

عبدالناصر عبدالعال |

تشمل رؤية 2030 السعوديّة أن تلحق خمس جامعات في المملكة بركب أفضل 200 جامعة عالميّاً. إذ بات معلوماً أن الاستثمار في التعليم والتقنية من أبرز الروافع في الاقتصاد والاجتماع. وبفضلهما تمكنت الصناعات الكوريّة من اللحاق بمثيلاتها الأميركيّة، ونجح الاقتصاد البرازيلي في التفوّق على الروسي في الحجم. وفي ذلك السياق، شرعت بعض الجامعات كـ «جامعة ستانفورد» الأميركيّة في صياغة رؤية لإعادة تصميم برامج التعليم العالي للعام 2025.

لذا، أصبح من الضروري مناقشة مدى ملاءمة برامج التعليم العالي مع تحديات رؤية 2030 وفرصها، والبحث أيضاً عن برامج جديدة تلبّي حاجاتها من الكوادر الوطنيّة المختلفة.

 

آفاق العلوم الإداريّة

تطمح رؤية 2030 إلى زيادة الصادرات غير النفطيّة، وتنويع الاقتصاد السعودي، وتنمية تجارة التجزئة ودعم المشروعات الصغيرة، وزيادة دور القطاع الخاص في التوظيف. ويتوقّع المختصون بشؤون العمل في الولايات المتحدة أن تختفي قرابة 45 في المئة من الوظائف الأميركيّة بحلول العام 2020. ويشمل ذلك وظائف ساعي البريد، وعامل التحويلات في سكك الحديد، وموظف الأرشيف، وعامل محطات البنزين، ورجل المرور، ومعقب المعاملات، وسماسرة العقارات، ومندوبي شركات الطيران، والمحاسبين التقليديين وغيرهم. ومرد ذلك أن تلك الأعمال مرشّحة للدخول في الأتمتة («أوتومايشن» Automation) بصورة تامة تحت التأثير المتصاعد لقوة المعلوماتيّة والاتصالات المتطوّرة. واستطراداً، باتت إعادة هيكلة العلوم الإداريّة مطلباً ملحاً، مع التركيز على تضمينها آليات لتخريج كفاءات إداريّة مدرّبة تستطيع أن تكون رواد أعمال يعرفون طرق إنشاء شركات صغيرة خاصة بهم. وبقول آخر، تسير تلك الآليّات بطريقة معاكسة للبرامج التعليميّة التقليديّة التي تنتج محاسبين ومدراء ومختصّين تتمثّل قدرتهم الأساسيّة في منافسة أقرانهم في سوق العمل.

وضمن ذلك التصوّر تسابقت جامعات «هارفرد» و?«رايس» و?«ستانفورد» و?«شيكاغو» و?«واشنطن» و?«أوكلاهوما»، في إنتاج ذلك النوع من الخريجين عبر تخصّص مبتكر حمل اسم «علم ريادة الأعمال». وفي سنوات قليلة، نجح خريجوه في «جامعة هارفرد» في إنشاء 182 شركة برأسمال قدره بليون و200 مليون دولار. كما أنشأ أقرانهم في «جامعة ميتشغن» 106 شركات، بلغ رأس مال كل منها 34 مليون دولار، وفق موقع «إنتربرونير. كوم». كذلك دخلت جامعات «أريزونا» و?«آركاديا» و?«آكرون» و?«برادلى» حلبة السباق، وعرضت تخصّصاً منافساً يسمّى «إدارة المشروعات الصغيرة»، ويهدف أساساً إلى تخريج صغار رجال الأعمال.

 

ابحث عن الحوسبة

في السعوديّة، يقترح كاتب المقال صوغ درجات علميّة في علوم «الريادة الاجتماعيّة»، بهدف المساهمة في مضاعفة حجم الوقف الخيري، وتعظيم الأثر الاجتماعي للقطاع غير الربحي. وتذكيراً، تألّق ذلك التخصص في ما يزيد على 50 جامعة عالميّة منها «يال» و «أوكسفورد» و «ستانفورد» و «هارفرد».

وفى السياق نفسه، من المستطاع أيضاً صوع تخصّص في «إدارة الابتكار» لإنتاج كوادر قادرة على الابتكار في الإنتاج والإدارة والتسويق والتوزيع. ونظراً لدور ذلك التخصّص في النمو الاقتصادي وتراكم الثروة، احتضنته جامعات «أوكسفورد» و?«روتردام» و?«هارفرد» و?«تكساس». يعرف المهتمّون بشؤون المعلوماتيّة جيّداً «قانون مور» الذي يلاحظ أن قوة الكومبيوتر وبرامج الذكاء الصناعي تتضاعف كل 18 شهراً، ما يبشر بتضاعف قدراتها عن حالها حاضراً بمقدار ألف ضعف، مع حلول العام 2030. ويتوقّع أيضاً إنتاج كومبيوتر يكون ثمنه ألف دولار في عام 2020 مع تضمّنه إمكانات من الذكاء الاصطناعي ربما تعادلت مع نظيراتها العالمية.

كذلك توقّع تقرير صدر حديثاً من «جامعة أوكسفورد» استحواذ الروبوت على نصف الوظائف الأميركيّة في العام 2030. كما ارتأى أن يصل عدد العمليات الجراحيّة التي يجريها الروبوت إلى 230 مليون عمليّة سنوياً. وفي تصوّرات أعمق، توقّع ستيفن هوكينز، عالم الفيزياء البريطاني الشهير، أن يسيطر الإنسان الآلي على الإنسان، بل يحكم الكرة الأرضيّة خلال مئة عام!

لذلك ثمة من يقترح على الجامعات السعودية استيراد تخصصين هما «ألعاب الحاسوب» و «هندسة الروبوت»، بهدف بناء «قوّة عاملة اصطناعيّة» تساهم في تحقيق النهضة المنشودة. وفي تطوّر متّصل، طوّرت الجامعات الأميركيّة تخصّصاً في «نظم معلومات التوريد»، بهدف الحصول على كفاءات تستطيع النهوض بأمر إنشاء منصّات لوجستيّة سعودية متميّزة، تستطيع أيضاً دعم تكاملها مع العالمين العربي والإسلامي. كما تعهدت «رؤية 2030» اقتناء أحدث مفردات الرعاية الاجتماعيّة لبناء مجتمع قوي ومنتج وحيوي ومتماسك، فضلاً عن تنمية رصيده من رأس المال الاجتماعي.

ويمثّل الأمر أيضاً إشارة إلى القيم والشبكات والعلاقات الاجتماعية الخلاّقة. وربما تحتاج الطفرة الاجتماعية إلى مجالات علميّة يتسلح خريجوها بالأدوات اللازمة لتوظيف شبكات الإنترنت في التنمية الاجتماعيّة، وتبادل المعرفة، وتعضيد التجارة الاجتماعيّة وغيرها. وفي التطوّر نفسه، يبرز تخصّص حديث يسمّى «الحوسبة الاجتماعيّة» Social Computing، ولاقى إقبالاً كبيراً من طلاب الجامعات الأميركيّة واليابانية والأسترالية.

تعزيز التنمية المستدامة

وعدت «رؤية 2030» المواطن السعودي بتوفير مستوى متقدّم من الرعاية الصحيّة. وربما احتاج الأمر إلى تخصّص يسمّى «المعلوماتيّة الصحيّة» Health Informatics. ويشارك خريجوه ببسالة في حروب الإنسان الافتراضيّة ضد جحافل الفيروسات والبكتيريا، مع ملاحظة أن متوسط الراتب السنوي في ذلك القطاع يلامس 88 ألف دولار.

وفى حقل متّصل، تعاظم دور التخصّص في «طب الأعشاب» Herbology الذي يساهم في تحسين الرعاية الصحية بشقيها الوقائي والعلاجي. ويتوّقع أن يصل حجم سوقه العالمي إلى 5 تريليون دولار عام 2050، ما يشير إلى إمكان مساهمته سعوديّاً في تنمية المشروعات الصغيرة، وتنويع الاقتصاد، وزيادة الصادرات. ويتناسب ذلك التخصّص الذي يُدَرّس في 10 جامعات أميركيّة، مع «جامعة الملك فيصل» نظراً إلى غنى المنطقة الشرقية بالأعشاب الطبيعية.

من الالتزامات الدينيّة والأخلاقيّة لـ «رؤية 2030» المحافظة على البيئة وتعزيز التنمية المستدامة. وربما يحتاج ذلك إلى تخصّص «الاستدامة» sustainability الذي يدرّس فعليّاً في 70 جامعة أميركيّة، واستوردته «جامعة زايد» أخيراً.

وربما تحتاج الرؤية عينها إلى كليّة جديدة لإعداد متخصّصين فى لغات العالم الرئيسية كالهنديّة والصينيّة والفرنسيّة والروسيّة والإسبانيّة، لتوظيفهم في خدمة ضيوف الرحمن ورعاية المصالح والاستثمارات السعودية في الخارج.

كما تتطلع الرؤية أيضاً إلى إنتاج 9.5 غيغاواط/ساعة من الطاقة المتجـدّدة، ما يبشر بمستقبل واعد للتخصّص المتصل بها. وكذلك بات تخصّص «الأمن الوطني» Home Land Security ضرورياً لحماية المملكة من خطر الإرهاب الإلكتروني، مع الإشارة إلى أنّه يقدّم في 75 جامعة أميركيّة.

وفي خلاصة موجزة، يمكن القول إنّ ازدهار تلك البرامج العلميّة في الغرب لا يعني بالضرورة استيرادها، من دون دراسة مدى الحاجة إليها، والمهارات المطلوبة في خريجيها، وطُرُق توزيعها بعدالة وكفاءة على الجامعات السعوديّة.