160 ألف سوري مهددون بالترحيل ... بعد عقود على توطينهم في الحسكة

عائلة من عشائر «المغمورون» في الحسكة
فراس الهكار |

يفكر أحمد العلي (أحد أبناء قبيلة الولّدة العربية الزبيدية) والمتحدر من قرية تل الأرقم في رأس العين بمحافظة الحسكة السورية، في مكان مناسب يلجأ إليه بعد أن صادرت الميليشيات الكردية منزله الذي تبلغ مساحته مع الأراضي المحيطة به (2،5) دونم، وقد حولته الميليشيات إلى مركز تدريب عسكري لقواتها، ولم تكتف بذلك إنما صادرت أرضه التي تبلغ مساحتها (80) دونماً. ذنب أحمد أن ابنه منتسب إلى تنظيم «داعش»، هذا ما زعمه قادة الميليشيات عندما أخرجوه مع بقية أفراد عائلته من بيته وأرضه.

يؤكد أحمد أنه: «مطلوب للأمن العسكري السوري بموجب مذكرة بحث، ولا يستطيع مغادرة الحسكة باتجاه المحافظات السورية الأخرى». ويقول: «لست أدري أين أذهب ومعي زوجتي وأطفالي».

عندما انسحبت قوات النظام السوري من الحسكة تركت العشائر العربية وحيدة في مواجهة ممارسات انتقامية كردية تضمنت اعتقالات وترحيلاَ وتجنيداً، وكان الهدف الأول للميليشيات الكردية تهجير أبناء قبيلة الولّدة العربية الزبيدية الذين يُعرفون محلياً بـ «المغمورين»، لأن الأكراد يعتبرونهم دُخلاء على الحسكة، رغم أن وجودهم فيها تجاوز العقود الأربعة، ويبلغ عددهم في الحسكة حوالى (160) ألف نسمة، يقطنون في 48 قرية، تتوزع على مسافة بطول 260 إلى 300 كلم من ناحية المالكية شرقاً إلى مدينة رأس العين غرباً، وعرض ما بين 10 إلى 15 كلم.

 

بداية الصراع الديموغرافي

أصدرت الحكومة السورية قراراً بترحيل أبناء قبيلة الولّدة الشعبانية الزبيدية (أكبر قبائل الرقة) عام 1974، إلا أن الشيخ شواخ البورسان (1900 – 1982) شيخ القبيلة في الجزيرة (الضفة اليسرى لنهر الفرات)، رفض الرحيل من الرقة إلى الحسكة، إلا أنه عاد وقبل تحت ضغط الحكومة.

سكنت القبيلة في مساحات شاسعة من أملاك الدولة الخالية إلى أن قامت الحكومة السورية ببناء مساكن ومزارع بدائية في محافظة الحسكة لهذا الغرض، ويبلغ عددها نحو 48 قرية، تمتد على طول الشريط الحدودي من المالكية إلى رأس العين في ما يُعرف محلياً بمنطقة «الخط العاشر»، وغاب اسم القبيلة في المنطقة الجديدة ليحل مكانه اسم آخر هو «المغمورون»، ويشمل ذلك كل من غمرت مياه بحيرة الأسد أرضه وبيته بعد إنشاء سد الفرات وتشكّل البحيرة خلفه، والتي غمرت ما يزيد عن (85) قرية يسكنها أبناء قبيلة الولّدة الزبيدية.

 

الحزام العربي «أسطورة»

اعتبر الأكراد منذ البداية أن ترحيل عائلات من قبيلة الولّدة إلى الحسكة يستهدفهم، مع العلم أن المناطق التي سكنتها عشائر قبيلة الولّدة هي «أملاك دولة» وكانت خالية تماماً من السكان، حتى أن قوانين الإصلاح الزراعي المتعاقبة وزعت الأراضي على جميع الفلاحين من دون استثناء حتى الأكراد الـ «مكتومي القيد» ممن جاؤوا هاربين من تركيا ضمن موجات الهجرة التي بدأت في أوائل القرن الماضي. يقول الباحث السوري محمد جمال باروت في كتابه «التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية»: «كانت العائلات المغمورة تُشكل حوالى 22 ألف عائلة يقدر عدد أفرادها بحوالى 122 ألف نسمة، إلا أن العائلات بمعظمها انتقلت إلى مدينة الرقّة وحوالى 4000 عائلة رحلت إلى الحسكة، وعددها يقارب عدد الأكراد الذي يقطنون في منطقة الخط العاشر من (مكتومي القيد)، وهم الأكراد الذي جاؤوا إلى سورية هرباً من القبضة التركية قبل عام 1945، وعلى رغم ذلك لم تقم الحكومة بتهجيرهم من أراضيهم، بالتالي لم يُشكل نقل 24 ألف نسمة من قبيلة الولّدة زيادة على التركيبة السكانية للجزيرة السورية».

ساهم نزوح «المغمورين» رغم قسوته عليهم بإحياء مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت مهجورة، وأقلق هذا النزوح القسري الأكراد، وكانت الأزمة السورية فرصة لتظهير قلقهم وتحويله خطوات.

 

الفساد فاقم المشكلة

تشكل قبيلة الولّدة ثقلاً عشائرياً لناحية العدد ومساحة الأراضي ومناطق الانتشار، وتتوزع عشائر القبيلة في ريف الرقة الغربي على امتداد ضفتي نهر الفرات (اليمنى شامية واليسرى جزيرة)، وصولاً إلى بلدة مسكنة وقرى ريف حلب الشرقي.

أكد أحد أفراد قبيلة «الولّدة» من آل البورسان: «حاولت الحكومة السورية مع بدء الأزمة في البلاد استمالة أفراد القبيلة وتسليحهم ليكونوا رأس حربة في الصراع الدائر، وصد أي تحرك في شمال شرقي، البلاد إلا أن تلك المساعي فشلت، لأن سلطة حزب البعث كانت أهملت «المغمورين» طيلة عقود، بخاصة بعد أن ضب الجفاف مناطق الجزيرة، وأبناء القبيلة كانوا منقسمين بين مؤيد ومعارض».

ساهم فساد ضباط الأمن في المنطقة، وسعي حزب البعث الحثيث لتهميش دور العشائر ـ بغية إضعاف العصبية القبلية وإحلال العصبية القومية محلها ـ في إضعاف القبائل العربية على حساب تنامي دور الأحزاب الكردية التي تملك المال والسلاح، وعندما شعرت الحكومة السورية بخطورة تنامي الدور الكردي حاولت إعادة تفعيل دور العشائر إلا أن تلك المساعي باءت بالفشل.

ويروي أحد وجهاء العشيرة من آل البورسان: «كلفت الجهات الحكومية قريبنا خلف المفتاح (عضو القيادة القطرية لحزب البعث حالياً) التفاوض معنا، وتعهد أن يزودنا بالمال والسلاح اللازم، وأن تدفع القيادة القطرية رواتب للشباب، لكننا رفضنا الانخراط بمثل هذا المشروع».

لم ينجح المفتاح في مهتمه لأن أفراد القبيلة كانوا قد انقسموا، وبعضهم كان قد شكل كتائب مسلحة (أويس القرني، أحرار الدبسي، أحرار الطبقة وغيرها) فيما عُرف آنذاك بـ «الجيش الحر»، حتى أن من حصلوا على أسلحة من فرع الحزب بالحسكة للانخراط في «الدفاع الوطني» قاموا ببيعها إلى أقاربهم في تلك الكتائب، وساهموا في إسقاط الكثير من المدن والبلدات والقرى في الرقة وريفها، إضافة إلى دورهم الفاعل في حصار مطار الطبقة العسكري والفرقة 17، ولم يكن المفتاح يتمتع بحظوة اجتماعية عند أقاربه قبل الأزمة أو بعدها لأسباب عشائرية كثيرة.

تعرض «المغمورون» في الحسكة إلى كثير من المضايقات من جانب القوات الكردية التي سيطرت على ريف المحافظة، على اعتبار أنهم وافدون إلى المحافظة، وما عادت قوتهم كما كانت في زمن مضى، بخاصة مع انقسامهم أمام الأزمة السورية.

يقول عبدالرحمن وهو من أبناء «المغمورين»: «فرضت القوات الكردية التجنيد الإجباري مقابل 100 دولار شهرياً، وكانت الغاية الأساسية لتلك السياسة هي دفع الشباب العرب إلى الهروب خارج حدود المحافظة.

كما تم ترحيل الكثير من أبناء «المغمورين» في قرى القيروان وتل حلف والراوية والعزيزية والدهماء وتل الأرقم وتلال العلو التي تم إحراقها بالكامل وتهجير أهلها.

وأصدرت اللجنة الزراعية في عام 2014 قراراً صادرت بموجبه آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية بذريعة أن أصحابها يقطنون الرقة، ومنها 1500 هكتار في قرية توكل الغمر، و650 هكتاراً في قرية الحرمون الغمر، و300 هكتار في قرية القحطانية الغمر، و250 هكتاراً في قرية المناذرة الغمر، و50 هكتاراً في قرية معشوق الغمر، و40 هكتاراً في قرية الحمرا الغمر.

 

استثمار معركة الرقة

يروي أحد وجهاء «المغمورين»: «مع بدء التقدم الكردي نحو الرقة، بدأ القيادي البارز في التجمع الديموقراطي الكردي عمر علوش يزور وجهاء المغمورين في مضافاتهم يرافقه المحامي عبدالله العريان رجل الأميركيين شمال الرقة، وحمل علوش معه عرضاً سياسياً لم نتوقعه يوماً وهو مبالغ مالية كبيرة (50 ألف دولار) وسيارات حديثة «لاند كروز» لكل شخص، على أن يقبلوا بتسميتهم أعضاء في المجلس السياسي لمدينة الرقة عند تحريرها».

ليس هذا الطرح عادياً، فما يريده الأكراد من هذه الحركة شراء بعض وجهاء العشيرة من «المغمورين» وفي حال موافقتهم على الطرح الكردي يكونون قد أقروا بتخليهم عن أراضيهم وممتلكاتهم وقراهم التي قطنوها منذ عام 1974. لاقى هذا العرض رفضاً من جانب معظم الوجهاء، إلا أن علوش بعد أن يئس من المواطنين توجه إلى آل البورسان شيوخ العشيرة.

ويقول أحد أفراد عشيرة البورسان: «حسب المعلومات التي وصلتنا من علوش نفسه إن موقف الشيخ البورسان كان إيجابياً، وقد تعهد تنفيذ بنود الاتفاق وأن يكون اسمه ضمن المجلس السياسي لإدارة مدينة الرقة ممثلاً عن المغمورين وبذلك يكون البورسان قد أقر رسمياً بعودة العشيرة إلى الرقة».

أثار هذا الموقف من الشيخ محمود الشواخ البورسان صدمة كبيرة بين أفراد القبيلة، ورغم أن هذا العرض رفضته غالبية الوجهاء، إلا أن الشيخ قبل به حسب أقاربه.

 

ضغوطات أميركية كبيرة

عمر علوش المنسق الكردي لملف «المغمورين» في الجزيرة السورية، ولدى سؤاله عن التنسيق الذي يقوم به مع المحامي البدوي عبدالله نهير العريان، لإقناع وجهاء «المغمورين» بضرورة العودة إلى الرقة، فنفى علمه بكل هذا الأمر وقال: «من قال أنني حاورت البورسان أو سواهم، المغمورون مستقرون في قراهم ولا أحد يطلب منهم المشاورة، أهل الرقة يتشاورن بين بعضهم بعضاً وفي حال انتهاء مشاوراتهم لابدَّ أنهم سيعلنون نتائج عملهم».

الشيخ محمود البورسان قال: «نحن نرفض هذا الطرح تماماً، وندرك أن الأكراد يريدون ترحيلنا في شكل مُسيس وبضغط أميركي مباشر، قدموا لي سيارة خلال أحد الاجتماعات التي عقدت في القاعدة الأميركية الواقعة بين تل تمر والدرباسية، ورفضت أخذها، لكنهم أصروا وأحرجوني فقبلت بها، لكن لم أقبض منهم أي مبلغ، لكن الضغوط الأميركية كبيرة علينا للقبول بإدارة الرقة بعد تحريرها».

وأضاف البورسان: «إن نية ترحيلنا مُبيتة، وهذا ما يريده الأميركيون بالدرجة الأولى عبر تحميلنا مسؤولية إدارة شؤون الرقة، لكن هذا المشروع لن يكون إلا على جثثنا، نحن من الحسكة وسنبقى هنا، وفي الرقة عشائر كبيرة قادرة على إدارة شؤونها في حال تحريرها».

وأصدر الشيخ محمود البورسان بياناً منذ أيام اعتذر فيه لعدم: «حضور اجتماع لعشائر الرقة متذرعاً بعارض صحي ومتمنياً للمجتمعين النجاح في مساعيهم». وهذا هو الاجتماع الثالث إلا أن الشيخ رفض حضوره، بعد أن بدأ خبر النوايا الكردية بترحيل «المغمورين» يطفو على السطح، ويصل إلى الإعلام.

 

إدانات بلا جدوى

أصدرت المنظمات الدولية والمحلية مئات التقارير التي وثقت ارتكاب مجازر وحرق قرى وتجريفها، وتهجير مدنيين ونفي أشخاص واحتلال منازل وقرى ونهب ممتلكات، إضافة إلى قمع تظاهرات، وتجنيد أطفال. وقد أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في 19 حزيران (يونيو) 2014، تقريراً حمل عنوان «تحت الحكم الكردي... الانتهاكات بالمناطق الخاضعة لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي»، وقد تحدث التقرير عن الاعتقالات التعسفية، والتعذيب الذي ينتهي أحياناً بالوفاة، كما رصد تجنيد الأطفال في قواتهم ومعاركهم.

ونشرت صحيفة «تايمز» البريطانية في الأول من حزيران عام 2015، تقريراً عن حملات التطهير العرقي الذي تقوم به قوات الحماية الكردية ضد العرب السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. وأعربت الولايات المتحدة الأميركية في الفترة ذاتها على لسان الناطق باسم الخارجية الأميركية جيف راتكي، عن قلقها من تقارير تكشف استغلال حزب «الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري»، الدعمَ الجوي لقوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» في تهجير أعداد كبيرة من العرب والتركمان السوريين خارج مناطقهم. وكذلك أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً صحافياً حول انتهاكات حقوق الإنسان التي يقوم بها حزب الاتحاد الديموقراطي وميليشياته المسلحة ضد المعارضين لسياساتهم، وإنهم يستخدمون تهمة الإرهاب للمخالفين لهم لشرعنة الاعتقالات التعسفية والتهجير والتعذيب ومصادرة الأراضي.

 

المصير المجهول

يعيش عبدالرحمن الشاب المتحدر من قرية البهيرة في حيرة وقلق دائم، لا يدري أي مستقبل مجهول ينتظر سكانها ويقول: «كلما زاد تسليح الميليشيات الكردية وتعاظمت قوتها أصبح خطر الترحيل أكبر، وحرص الأكراد على الترويج لفكرة السيادة لمن يملك القوة على الأرض وليست للغالبية أو لأي استفتاء ممكن أن يحصل لتحديد مستقبل الجزيرة السورية».

الأكراد يدركون جيداً أنهم أقلية في الحسكة حتى إذا ما تم استثناء أبناء قبيلة الولّدة الذين يقطنون في 48 قرية من أصل 1717 بريف محافظة الحسكة، بينها 1161 قرية عربية ونحو 453 قرية كردية و48 قرية مختلطة عربية وكردية.

بينما يتعاظم الخوف في نفس سعد الدين إبراهيم الذي يخشى من التجنيد الإجباري في صفوف الميليشيات الكردية، وقال: «هاجس التجنيد لا يفارقنا ونحن نشعر بالتهديد الدائم حتى أن تحركاتنا محسوبة ونحاول مقدار الإمكان ألا نخرج من قرانا إلا في حالات طارئة خشية من حواجز الميليشيات، لكن رغم ذلك لن نترك أراضينا وبيوتنا».

ويرى إبراهيم عبدالخالق من قرية القيروان: «أن الصمت على مثل هذا المشروع هو خيانة، لأن الجزيرة سورية وسكانها سوريون من كل القوميات والإثنيات، ولم يكن للمواطنين العرب دور في اضطهاد الأكراد حين كانت السلطة بيد حزب البعث في الحسكة، لذا لا مبرر لما تقوم به الميليشيات الكردية من مشاريع تهدف إلى ترحيل أكبر مقدار ممكن من أبناء العشائر العربية وإرضاء الجزء الآخر بفتات من مناصب شكلية وسيارات وبعض الرواتب والأموال».