يسعى الرئيس الأميركي باراك أوباما بكل اندفاع وتسرّع، إلى إنجاز اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، مهما تكن النتائج، التي كثير منها ضار بمصالح دول الخليج العربي والمنطقة بصفة عامة. وهذا الاندفاع والتسرّع ليسا لأن أوباما يريد اختتام...

نحن وأوباما وبرنامج إيران النووي

عبد_العزيز_التويجري |

يسعى الرئيس الأميركي باراك أوباما بكل اندفاع وتسرّع، إلى إنجاز اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، مهما تكن النتائج، التي كثير منها ضار بمصالح دول الخليج العربي والمنطقة بصفة عامة. وهذا الاندفاع والتسرّع ليسا لأن أوباما يريد اختتام ولايته الثانية بإنجاز يسجل في مساره السياسي الدولي، ولكن لأن أوباما خاضع للإرادة الصهيونية التي ترى في هذا الاتفاق حماية لإسرائيل التي أعلن أوباما مراراً عن التزامه بها وعمله من أجلها. ففي آخر تصريح له لجريدة أتلاتنك الأميركية، قال: «إنه إن لم يتمكن من حماية إسرائيل والدفاع عن حقها في الوجود سيكون ذلك فشلاً أخلاقياً للولايات المتحدة، وفشلاً له كرئيس لها وفشلاً للعالم بأسره». وقال أيضاً: «إن الكثير من اليهود الأميركيين يريدون الاتفاق النووي مع إيران». فهذا التماهي اليهودي الإيراني في ما خص حماية إسرائيل، هو سر الاندفاع والتسرّع اللذين يحكمان سياسة أوباما في هذا الشأن، والذي يقابلهما رفضه لأي مسعى للمملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج العربي، في أن يكون لها برنامج نووي. يقول أوباما: «إن السعي المحتمل للسعودية ودول الخليج لامتلاك برنامج نووي خاص بهم سيضعف علاقتهم بأميركا».

وليس بعد هذه الصراحة من قول لإثبات التزام الإدارة الأميركية بحماية إسرائيل من دون أدنى تحفظ، وعدم التزامها بحماية حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة، كما كان أوباما يردّد من قبل. فالرئيس الأميركي أصبح يمارس سياسته المؤيدة لإسرائيل في الهواء الطلق، وليس وراء الجدران. وتلك قمة الانحياز إلى جانب العدوان على الحقوق العربية الفلسطينية، والانحراف عن القيم الأميركية التي يتضمنها الدستور ووثيقة الاستقلال، وعن قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

ومن هذا نستنتج أن إيران قد تكون قدمت ضمانات مكتوبة تتعهد فيها بالإسهام في حماية إسرائيل، لأنه لو كان البرنامج النووي الإيراني يشكل خطراً على أمن إسرائيل، فلن تسمح الولايات المتحدة، ولا القوى اليهودية الصهيونية في أميركا وإسرائيل بالاتفاق حوله. وهذا الاستنتاج يكشف لنا سبب التعاون الأميركي - الإيراني سياسياً وعسكرياً، في محاربة «داعش» و»النصرة» وإن كانت هذه المحاربة هي موضع تساؤل ومدعاة للشك في حالات كثيرة والسماح للميليشيات الشيعية العراقية و»حزب الله» اللبناني بالمشاركة في هذه الحرب والتغاضي عن الجرائم البشعة التي ترتكبها هذه الميليشيات في المدن والبلدات والقرى السنية، ويكشف لنا أيضاً، سبب الإبقاء على نظام بشار الأسد الدموي، لأنه لا يشكل خطراً على إسرائيل، بل هو في الحقيقة مشارك في حماية أمنها، وهذا ما يفسر صمت الجبهة السورية مع إسرائيل طيلة ثماني وأربعين سنة.

أما إذا نظرنا إلى تساهل أميركا وتواطئها مع سياسة إيران التوسعية ورغبتها في الهيمنة على المنطقة، كما هو حاصل في العراق وسورية ولبنان وأخيراً في اليمن، فإن الأمور تتضح في شكل أكبر، حيث إن هذه السياسة التوسعية الإيرانية تساهم بقوة في إضعاف الدول العربية، مما يشكل عاملاً قوياً في تكامل أمن إسرائيل وحماية وجودها والحفاظ على مصالحها التي تتماهَى مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية.

إن الثقة بصدقية السياسة الأميركية في ما يخص قضايا المنطقة، وصلت إلى مستوى متدنٍ، بل أوشكت على النفاد. ولذلك نجد التحالف العربي في مواجهة التوسع الإيراني في اليمن يكسر، وللمرة الأولى في تاريخ العلاقات العربية - الأميركية، حاجز الثقة، ويبادر إلى الإمساك بزمام الأمور. وهو ما فاجأ الإدارة الأميركية، ودفعها إلى عقد قمة خليجية - أميركية في كامب ديفيد لتدارك الأمور، لكنها فوجئت مرة أخرى بغياب زعيم أكبر دولة خليجية عن هذه القمة، وفي هذا ما يكفي من التعبير عن عدم الرضا بسياسة متلونة وبمواقف غامضة. ومن العجيب أن البيان الصادر عن هذه القمة دعا إلى التشاور مع أميركا قبل اتخاذ أي عمل عسكري خارج الحدود. لكن الواقع تجاوز مثل هذه الأمنيات، فـ «عاصفة الحزم» لا تزال مستمرة وإن بتكتيك آخر.

والواقع أن السياسة الأميركية لم تكن في مرحلة من المراحل، ذات صدقية في ما يتعلق بحقوق العرب والمسلمين عموماً، حتى في الفترات العابرة التي ظهرت منها بعض البوادر التي تنبئ عن مؤازرتها للدول العربية في مواجهة بعض التحديات، فإن تلك المؤازرة لم تكن صادقة، وإنما كانت من قبيل ذر الرماد في العيون، لإخفاء الحقائق، ولخداع العرب والمسلمين والكذب عليهم بالشعارات التي لا معنى لها.

المهم الآن، وفي ظل هذا التوجه الأميركي الواضح والمكشوف المضر بمصالح دول الخليج العربي وبالعرب والمسلمين كافة، أن يتقوى التحالف العربي، ويتوسع ليضم دولاً إسلامية أخرى بعد أن انضمت إليه السنغال وماليزيا. فالخطر الذي تكشفت جوانبه قبل «عاصفة الحزم» وبعدها، هو خطر يهدد العالم الإسلامي برمته. ومن المؤسف والمؤلم أن تكون إيران الدولة العضو في منظمة التعاون الإسلامي أحد أركانه الرئيسة وأحد صانعيه النافذين، وأن يتم ذلك كله تحت شعارات إسلامية غير صادقة، بل مضللة. وحينما يصل الأمر إلى هذا المستوى من استغلال الدين الحنيف وتوظيفه في الإضرار بالمصالح الحيوية للمسلمين، الذين هم في أغلبهم من أهل السنّة، فإن الخطر الذي يمثله النظـــام الإيراني يكون فــــادحاً وعاماً وشاملاً.

ولئن كان الواقع كما وصفنا والحقائق على الأرض كما نرى، فإن هذا ليس مدعاة لعدم التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية. فهذا ليس من مصلحة العالم العربي الإسلامي، بأية حال من الأحوال، لأن هذه دولة عظمى لها حضورها الواسع وتأثيرها النافذ في السياسة الدولية. ولذلك فمن الحكمة السياسية، ومن المصلحة العامة أن نتحرك في شكل أكبر وأكثر حنكة لإقناع صانعي القرار في الكونغرس وفي دوائر الإعلام، وفي مؤسسات المجتمع المدني لبناء علاقات واقعية وفي إطار المصالح المشتركة، وأن نكون واعين بحقيقة السياسة التي تنهجها الإدارة الأميركية الحالية، ونتعامل معها بما يليق بها، ويحافظ على مصالحنا وسيادة دولنا، وأن يكون لنا برنامجنا النووي الخاصّ، كما لإيران برنامجها النووي الخاصّ.

 

 

* أكاديمي سعودي


الأكثر قراءة في شباب
المزيد من شباب