عندما نتصفح القرآن والحديث نجد أن المنتسب للإسلام يسمى «مسلماً»، ولا نجد أي ذكر لمصطلح «إسلامي»، فمن أين أتى هذا المصطلح؟ وماذا يعني؟ إن هذا النوع من الأسئلة مهم، لأنه يسلط الضوء على عدد من القضايا التي يكون مصدرها عدم التدقيق في...

تأملات في معنى مصطلح «إسلامي»

سلطان العامر |

عندما نتصفح القرآن والحديث نجد أن المنتسب للإسلام يسمى «مسلماً»، ولا نجد أي ذكر لمصطلح «إسلامي»، فمن أين أتى هذا المصطلح؟ وماذا يعني؟ إن هذا النوع من الأسئلة مهم، لأنه يسلط الضوء على عدد من القضايا التي يكون مصدرها عدم التدقيق في استخدامنا للمصطلحات.

أقدم مرة ظهر فيها مصطلح «إسلامي» كان عند أبوالحسن الأشعري (توفي عام 324هـ)، وذلك في عنوان كتابه «مذاهب الإسلاميين»، ويقصد بالإسلاميين هنا أتباع التيارات الكلامية والفرق المذهبية المتنوعة. في هذه الفترة نفسها قام المعتزلي أبوالقاسم البلخي (توفي عام 316هـ) بتأليف كتاب يحمل العنوان نفسه، للحديث عن الموضوع نفسه. أما في الكتابات الأندلسية والمغربية نجد أن مصطلح «إسلامي» يقصد به الرجل اليهودي أو المسيحي حديث الإسلام، أو اليهودي الذي طرد من الأندلس بعد أن استولى عليها الإسبان المسيحيون إلى المغرب ثم أسلم، فهذا يسمى بالإسلامي.

وهذه الاستخدامات كافة لا علاقة بينها وبين الاستخدام الحديث للمصطلح. ففي السياق الغربي، وكما لاحظ محمد عابد الجابري ذلك مسبقاً، فإن كلمة «إسلام» لا تعني فقط الدين الإسلامي، بل لها معان متعددة، فتارة تعني الدين، وتارة تعني الحضارة والثقافة الإسلامية، وتارة تعني الدولة أو الإمبراطورية الإسلامية. ومن تعدد المعاني هذا نفهم مقولة مثل أن «الأخطل شاعر إسلامي»، أو أن «يوسف بن ميمون فيلسوف إسلامي»، ففي هذه العبارات لا نقصد أنه يتديّن بدين الإسلام، لأن الأخطل مسيحي وابن ميمون يهودي، بل نقصد أن هذا الشاعر وهذا الفيلسوف ينتميان إلى الفضاء التداولي الذي تشكل داخل الإمبراطوريات الإسلامية، الذي يسمى عادة بالحضارة الإسلامية.

وهذا التداخل بين معنى الإسلام كدين، وبين معناه كثقافة وتراث وحضارة، هو ما يسبب الكثير من المشكلات في النقاشات الفكرية التي تدور حول الإسلاميين. فالإسلاميون يمكن تقسيمهم إلى صنفين بحسب هذا الاختلاف بين معنيي الإسلام، فالصنف الأول: يقوم بتسييس الإسلام باعتباره رابطة ثقافية وتراثاً حضارياً يشمل كل القاطنين في المنطقة التي تسمى بالعالم الإسلامي بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم الشخصي، هذا التسييس لديه قابلية أكثر لاحتواء التنوّع الموجود في المنطقة، لأنه لا يقيم مفاضلات بين عقائد الناس وأديانهم وأعراقهم، بل فقط في اشتراكهم بهذه الرابطة الثقافية، وهذا النوع من التسييس قريب جداً من التسييس القومي للعروبة باعتبارها رابطة وإطاراً ثقافياً.

أما الصنف الثاني فيقوم بتسييس الإسلام بالمعنى الثاني، أي بالمعنى الديني، أي يقوم بتحويل عقيدة إسلامية بعينها إلى هويّة سياسية، وهذا يقتضي بشكل رئيس اعتبار قطاعات كبيرة من الفرق الدينية التي صنفت بأنها مبتدعة وضالة خارج هذه الهويّة. التفسيق والتكفير والتبديع بحد ذاته متقبل في المجال الديني، باعتباره مجال تنافس على الحقيقة، فمن يرى أنه الأقرب إلى الحقيقة يتهم غيره بالابتعاد عنها. لكن عندما يرى من يملك الحقيقة أنه الأحق بالسلطة، وأن المنحرفين عن الحقيقة يجب معاملتهم معاملة سياسية منقوصة لهذا السبب، فهو على الفور يقوم بتحويل أتباع عقيدته إلى طائفة دينية. والتكفير في هذا السياق لا يعتبر فقط إخراجاً من دائرة الإسلام كدين، بل إخراجاً من معنى الأمة التي يجب تمثيلها سياسياً.

لنأخذ قضيّة فلسطين مثالاً على توضيح الفرق بين تسييس الإسلام كدين وبين تسييسه كثقافة، فكلا الطرفين على سبيل المثال ينظر إلى فلسطين باعتبارها أرضاً إسلامية. هذا الوصف حديث، فكما قلنا سابقاً المسلم والكافر هي أوصاف للبشر، فالله لن يحاسب الأراضي ويقسمها إلى أراض مسلمة وأراض كافرة ويدخلها الجنة والنار على هذا الأساس، من سيحاسب هم البشر فقط، فماذا يعني وصف أرض «ما» بالإسلامية؟

بالنسبة لمن يسيسون الإسلام ثقافياً، فهو يعني أن السيادة على الأرض - وهذا مفهوم حديث تطوّر في السياق الغربي - هي للشعوب التي تتشارك في هذه الرابطة الثقافية، الذين كانوا يعيشون عليها قبل أن يتم تهجيرهم من الصهاينة والاستحواذ على أرضهم. بحسب هذه الرؤية، المسيحي - الفلسطيني له من السيادة على أرضه ما للمسلم الفلسطيني، وقيمة القدس تماثل قيمة أية بلدة فلسطينية أخرى حتى لو لم تكن لها قيمة شعائرية.

أما بالنسبة لمن يسيسون الإسلام دينياً، فهم ينظرون إلى قضية فلسطين من زاوية العقيدة، إذ تختزل في القدس، لأن القدس ثالث الحرمين، وهي أرض للمسلمين السنة المماثلين في العقيدة الذين يتم اضطهادهم ويجب نصرتهم، والعدوّ ليس مستوطناً إحلالياً جاء من أوروبا، بل المخالف الديني، أي اليهود، لمجرد مخالفتهم الدينية.

إن تسييس الإسلام كدين (أي النوع الثاني من الإسلاميين)، عامل أساس في تحفيز الطائفية وتشويه قضايا العرب، ومواجهة هذا التسييس لا تعني مواجهة تسييس الإسلام كرابطة ثقافية ولا مواجهة الإسلام كدين له دور جوهري في الحياة العامة عند العرب، إن مواجهته محصورة في منع تحويله إلى هويّة، لأنه إذا تحوّل إلى هويّة فإن التنافس على السلطة والثروة والأرض والتمثيل سيكون ضد الهويّات المذهبية الأخرى، وليس ضد المحتل أو المهيمن أو المستبد، وسيسهّل مهمّة هؤلاء عبر تقديم أنفسهم كحماة لهذا الطرف ضد ذاك أو استغلال الشقاق من أجل التسيّد.


الأكثر قراءة في تلفزيون
المزيد من تلفزيون