وفق المعطيات الحالية، لا يمكن أن يكون الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران سيئاً، لكنه كان قاسياً على الطرفين، وهذا مرده إلى حاجة الطرفين إلى الاتفاق، فكانت الهرولة باتجاه «صفقة بأي ثمن» هو ما جعل الطرفين يخضعون لتنازلات مُرة، ما...

تفجُّر المتناقضات في «الاتفاق النووي»

بدر الراشد |

وفق المعطيات الحالية، لا يمكن أن يكون الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران سيئاً، لكنه كان قاسياً على الطرفين، وهذا مرده إلى حاجة الطرفين إلى الاتفاق، فكانت الهرولة باتجاه «صفقة بأي ثمن» هو ما جعل الطرفين يخضعون لتنازلات مُرة، ما كانت لتكون قبل عقد من هذه اللحظة، لكن التنازلات التي قدمتها إيران هي الأقسى؛ لأنها تمس سيادتها وقدراتها العسكرية.

فمن ناحية، اكتفت الولايات المتحدة باتفاقية تضمن تأخير وصول إيران إلى حافة إنتاج قنبلة نووية؛ لتكون المسألة في حالة الالتزام بالاتفاقية من شأن قادة العالم بعد 15 عاماً، لذا تراجعت الولايات المتحدة عن المطالبات بتفكيك المنشآت النووية الإيرانية، وجعلت الاتفاقية معزولة عن نقاش الدور الإيراني السلبي في المنطقة، وركزت على جوانب تقنية متعلقة بآليات التفتيش وخطوات رفع العقوبات الاقتصادية، وضمان التحكم بتطور المفاعل النووي الإيراني وحصولها على صواريخ باليستية.

إيران من ناحيتها قبلت ببنود قاسية ضمن الاتفاقية، تجعل السيادة والاستقلال الإيراني في مهب الريح، في مقابل إقصاء النقاش حول السياسات الإيرانية وتوسعها في المنطقة، ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، والاكتفاء بما يضمن للعالم تأخير امتلاكها لسلاح نووي، وخضوع منشآتها النووية لتفتيش دائم، وإمكان تفتيش أي موقع عسكري مشكوك في أنشطته على التراب الإيراني وفق آليات حددتها الاتفاقية، وهو ما يجعل كل المنشآت النووية الإيرانية مكشوفة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع إمكان تفتيش مواقع عسكرية أخرى.

هذه الشروط تبدو قاسية جداً بالمعايير الإيرانية، والتي تغنت بسيادتها واستقلالها لعقود منذ الثورة الخمينية على الشاه: التابع للولايات المتحدة. طالما عيَّرت إيران جيرانها بتحالفاتهم مع «الشيطان الأكبر». اليوم يبدو بأن إيران خضعت لهذا الشيطان، الذي أصبح قادراً على تفتيش أي منشأة عسكرية إيرانية، في اتفاقية ليست سيئة -بالنسبة لإيران وأميركا-، لكنها تجعل إيران مكشوفة عسكرياً، وتستمر في وضع قيود على خيارات التسلح التقليدية الإيرانية، ولاسيما في ما يتعلق بالصواريخ الباليستية. هذا الحديث ليس من قبيل التخرصات والادعاءات، بل هو ما عبَّر عنه بوضوح قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري، والذي قال في تصريح إلى وكالة تسنيم الإيرانية بعد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق: (بعض النقاط التي شملها مشروع القرار تتعارض بوضوح مع الخطوط الحمراء في إيران وتنتهكها، وتحديداً في ما يتعلّق بقدرات إيران العسكرية، وهذه انتهاكات لن نقبلها أبداً). بالتأكيد ليس من الواضح ما قصده جعفري بعدم قبول الاتفاقية منه، ولاسيما في حال قبول المرشد الأعلى علي خامنئي بها، ومصادقة مجلس الشورى الإيراني عليها. لكن ما هو واضح أن الاتفاق يمثل تجاوزاً أصيلاً لخطوط حمراء رسمها الخميني لإيران في تعاملها مع الغرب، وتهدد إمكانات تطويرها لقدراتها العسكرية. تصريحات جعفري تعبر عن هذه الأزمة بوضوح. في حديث وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف مع موقع «المونتور»، بعد الاتفاقية، أكد على مسألة الاحترام. وأن 30 عاماً من عدم احترام إيران لم يمنح الغرب أي شيء، بمقابل أن احترام إيران الآن، وخلال السنتين الماضيتين وهي فترة المباحثات حول الاتفاقية النووية، منحت الغرب ما يريد؛ لأنه احترم إيران.

إلى أي مدى يبدو هذا الحديث إنشائياً ومضللاً! الحديث عن الاحترام هنا، هو محاولة بائسة من ظريف لصرف النظر عن مسألة أهم: التنازلات. مسألة الاحترام لا قيمة لها في حال عقد اتفاقية سيئة، وكما أن الرئيس الأميركي باراك أوباما كان حريصاً أشد الحرص على إنجاح المفاوضات مع إيران، كانت إيران بحاجة لإنجاز الاتفاق بأي ثمن، لتنعش اقتصادها وتمول حروبها في المنطقة، حتى لو انتهك الاتفاق السيادة والاستقلال الإيراني بالسماح للمفتشين بتفتيش المواقع النووية الإيرانية في أي وقت، وخضوع مواقع عسكرية أخرى للتفتيش.

هذا الخضوع للولايات المتحدة، والأمم المتحدة، يؤكد أن مشكلة إيران الرئيسة ليست مع «الشيطان الأكبر»، بقدر ما هي مع جيرانها في المنطقة. في الحوار ذاته، أكد ظريف نقطتين مثيرتين للانتباه، وربما السخرية. فقد أكد أن مشكلة إيران مع جيرانها تتمثل بدعم التيارات المتطرفة، إشارة إلى الاتهامات التي تكال لدول المنطقة المناهضة للمعسكر الإيراني بأنها تدعم تنظيمي القاعدة وداعش. أما رفض إسرائيل للاتفاق النووي فيفسره ظريف بأن إسرائيل تريد المزيد من الحروب في المنطقة؛ لتخفي أعمالها العدائية واعتداءاتها ضد اللبنانيين والفلسطينيين. يمكن قراءة تصريحات ظريف كالآتي: هو يحاول المناورة واتهام أعداء إيران بما تفعله إيران ذاتها. فإيران دعمت باستماتة الميلشيات الطائفية المتطرفة في المنطقة، التي تخوض حروباً ضاريةً في العراق وسورية؛ من أجل ترسيخ الهيمنة الإيرانية. هذه الميلشيات هي ميلشيات عقائدية متطرفة، كتلك التي يحاول ظريف أن يلصق الاتهامات بدعمها لخصوم إيران. على الناحية الأخرى، إيران تفعل تماماً ما يتهم به ظريف الكيان الصهيوني، فإيران، وعلى مدى أعوام، غطت وحشيتها في المنطقة بالحديث عن التوحش الصهيوني، فكان التوحش الصهيوني هو التبرير الذي تستخدمه إيران لدعم ميلشياتها الطائفية، والتغطية على جرائمها في المنطقة، وفرض هيمنتها بالطريقة التي يفسر فيها ظريف رفض الصهاينة للاتفاق النووي تماماً.

رغبة إيران الدامية في رفع العقوبات الاقتصادية جعلتها تتجاوز كل خطوطها الحمر، ورغبة الولايات المتحدة بتجنب حرب مع إيران جعلتها تحرص على عقد اتفاقية الحد الأدنى، لكن كل ما حدث حتى اللحظة هو تأجيل لانفجار المشكلة، لا استئصالها.


الأكثر قراءة في تلفزيون
المزيد من تلفزيون